العقل العربي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

غازي العريضي
وزير ونائب لبناني سابق.

 

 

 

تُعقد في واشنطن اجتماعات تقييمية متلاحقة لنتائج الحرب على إيران ومستقبلها، والخيارات التي ينبغي اعتمادها في ظلّ تعثّر المفاوضات، ومحاولات الوصول إلى اتفاق لإنهائها. يدور النقاش حول الأولويات: هل يكون فتح مضيق هرمز أوّلاً، أم النووي الإيراني أولاً؟ هل الحصار الاقتصادي الحالي من خلال إقفال المضيق الوسيلة الأنجع لإخضاع إيران؟ أم أنّ المطلوب حلّ واحد متكامل لهذه المطالب كلّها؟ وهل أميركا قادرة على الوصول إليه أمام الوقائع والحقائق الصعبة التي تعترض خطّة الذين قدّموا الأسباب الموجبة للحرب وبالغوا في التقدير، ولا تزال إيران تهدّد بمزيد من المفاجآت في حال استمرارهم وإصرارهم ومحاولة إكمال مشروعهم حتى النهاية؟ وهذا كلّه يتمحور حول الاستحقاق المفصلي المصيري المهمّ بالنسبة إلى ترامب، وهو الانتخابات النصفية المرتقبة بعد أشهر.

إعادة فتح المضيق من دون معالجة مسائل التخصيب تفقد واشنطن أداة ضغط أساسية في المفاوضات

نُشر فيديو قديم يتحدّث فيه الرئيس ترامب عن الرئيس السابق جورج بوش الذي “ورّط بلاده في الحرب ضدّ العراق”، فقال: “كذب علينا بوجود أسلحة الدمار الشامل”. هدف النشر تذكير ترامب بموقفه، والإشارة إلى أنّه مارس “التضليل والكذب”، وورّط بلاده بالحرب على إيران رغم تحذيرات أجهزة الاستخبارات الأميركية بأنّ ليس ثمّة خطر داهم من سلاح نووي إيراني، ولا مؤشّرات أنّ إيران تريد شنّ هجوم على أميركا. والمفارقة هنا أنّ ورطة بوش في الحرب ضدّ العراق بُنيت على معلومات خاطئة من أجهزة المخابرات. ورطة ترامب أكبر، فأجهزة المخابرات كان رأيها مخالفاً وتركَت القرار له، والدور الأساس في هذه العملية كان لنتنياهو، الذي، كما ذكرنا سابقاً، حاول توريط الرؤساء كلينتون وبوش وأوباما في الحرب ضدّ إيران ولم ينجح. هذه المرّة نجح.
وذكرت صحيفة معاريف الإسرائيلية انّ “ثمّة فتوراً بين ترامب ونتنياهو. موقف ترامب الداعم لإسرائيل لم يتغيّر جذريّاً، لكنّه بات حريصاً على خفض مستوى ظهوره المرتبط بإسرائيل، وخصوصاً نتنياهو. كان يتوقّع أن تنتهي الحرب وتحقّق نتائج أكثر وضوحاً، وربّما إضعافاً أكبر للنظام الإيراني. ومع استمرار الأحداث فترةً أطولَ، ازدادت حاجته لتقديمها بعدّها مصلحةً أميركيةً مستقلّة، لا حرباً دفعت إليها ضغوط إسرائيلية”، علماً أنّه يكرّر دائماً: “لو امتلكت إيران السلاح النووي لما كانت إسرائيل موجودة”. ويشير هنا إلى “أنّ فكرة استخدام الأكراد في الحرب كانت إسرائيلية”، ولم يصل السلاح إليهم. ونتنياهو لا يهدأ، لا يعرف “كيف يجلس بهدوء”، كما قالت الصحيفة، ولا يزال مصرّاً على عمل عسكري مشترك لإنهاء الحالة الإيرانية. “النقزة” لدى ترامب لا تعني التوقّف عن دعم إسرائيل التي زوّدها بـ6500 طنّ من الذخائر والمعدّات العسكرية الأميركية في غضون 24 ساعة، لأنّه لا يزال يتخبّط، ويهدّد بشنّ عمليات عسكرية وضربات كبيرة ضدّ إيران، ويقدّم نتنياهو إمكاناته ومعلوماته وإحداثياته الجديدة لتجديد الأمل بحسم المعركة سريعاً.
فيما تتضارب الآراء حول ترامب بين التملّق وإظهار القدرة على الحسم، وبين التركيز على الحصار الحالي وإمكانية سقوط النظام سريعاً بعد حالات الانهيار التي يواجهها في ظلّ خلافات مع حلف شمال الأطلسي (الناتو) والحلفاء الكبار، وأوروبا كلّها تقريباً، وروسيا والصين، وارتفاع أسعار النفط عالمياً، مع إعلانه الدائم: “نسير نحو تحقيق انتصار عظيم ونغلق مضيق هرمز بإحكام. سأدمّر الإيرانيين أو سأرسي معهم اتفاقاً. عندما تنتهي الحرب مع إيران ستنخفض أسعار النفط والغاز وكلّ شيء آخر”، في محاولة لطمأنة الأميركيين وشعوب الدول الأخرى.
وحول المفاوضات أكّد: “لا أحد غيري يعلم شيئاً عنها سوى قلّة في الدائرة الضيّقة… أجريت لقاءات مع شركات النفط لبحث تداعيات الحصار الممتدّ على أسواق الطاقة العالمية، وإذا لم تنجح المفاوضات، فسنضرب إيران، ولن نسمح لها بامتلاك السلاح النووي”. ويعلن: “العاصفة قادمة ولا أحد يمكنه وقف ما هو مقبل”. هل ستُضرب آبار النفط؟ ماذا ستفعل إيران؟ ستردّ وتضرب آبار النفط في المنطقة؟ هنا الحريق الشامل والدمار الكامل.

انعقدت القمة الخليجية في جدّة في الشهر الماضي وكانت أقلّ من عادية في مواجهة مرحلة استثنائية مصيرية مفصلية

أمّا وزير خارجيته فقال: “إيران تستخدم مضيق هرمز سلاحاً اقتصادياً موازياً للسلاح النووي ضدّ العالم، وتتباهى باحتجاز إمدادات الطاقة رهينةً”. هل ثمّة إرادة لفتح المضيق بالقوّة أمام الإصرار الإيراني على إغلاقه؟ هل ثمّة قدرة على ذلك؟ الواضح، حتى كتابة هذه السطور، أنّه ليس ثمّة إرادة وقدرة حتى الآن، سوى في عقل المحرّض نتنياهو، إذ إنّ ترامب لا يسمع نصيحة أحد من الدول الصديقة والحليفة، إلى حدّ أنّ السفير البريطاني في واشنطن كريستيان تيرنر قال: “أعتقد أنّ هناك دولة واحدة فقط تربطها علاقة خاصّة بالولايات المتحدة، وهي على الأرجح إسرائيل”. وإذا أراد ترامب الابتعاد عن نتنياهو، فهل هو قادر في هذه اللحظة؟
إعادة فتح المضيق من دون معالجة مسائل التخصيب تفقد واشنطن أداة ضغط أساسية في المفاوضات. فأين هو اليورانيوم؟ كما تساءل مقرّبون من ترامب. يقولون إنّ اليورانيوم في جزيرة خارج، هدّدوا سابقاً بالوصول إليه عبر عملية عسكرية ثم غيّروا رأيهم. لاحقاً قالوا في أصفهان حسب رصد الأقمار الاصطناعية، ولكن أين هو؟ في أيّ أنفاق، وهم يتحدّثون عن عمقها وقدمها ولا شيء مؤكّداً بعد؟ ويتحدّثون في الوقت ذاته عن استفادة إيران من الهدنة لإعادة تعزيز قدراتها وسحب معدّاتها العسكرية من تحت الأنقاض، فماذا عن النووي و”غباره” على حدّ تعبير ترامب، وإصراره على استعادته بالاتفاق أو بالقوة؟
الأسئلة كثيرة، والأجوبة غير مضمونة. والهاجس الأساس الانتخابات النصفية المقبلة واستطلاعات الرأي المقلقة. استطلاع “رويترز” أفاد بأنّ 26% فقط من الأميركيين يعتقدون أنّ الحرب لا تستحقّ تكلفتها، واستطلاعات أخرى تلاقت في أنّ النتائج تميل إلى أنّ الديمقراطيين قد يربحون مجلس النواب، وقد يصوّت بعض الجمهوريين في هذا الاتجاه. وهذا يعني أنّ يد الرئيس ترامب ستكون مكبّلةً على مستوى اتخاذ القرارات، لا سيّما ما هو متعلّق بالحرب على إيران. المشكلة ذاتها يواجهها نتنياهو في إسرائيل، ولذلك هو يضغط في اتجاه الحسم للدخول في المرحلة الأخيرة من المواجهة تحت عنوان “المكاسب المشتركة، والنجاح المشترك، وضمان المستقبل المشترك”.
ماذا تقول إيران؟ قال المرشد الأعلى مجتبى خامنئي: “المنطقة تدخل فصلاً جديداً من الصراع الإقليمي والدولي. الأطراف الأجنبية التي تأتي من خارج المنطقة بنيّات جشعة لا مكان لها في الخليج، إلا في أعماقه. إيران ستحمي بقوّة برنامجها وقدراتها النووية والصاروخية. هي ركيزة الأمن القومي الإيراني، وليست محلّ تفاوض أو تنازل. إيران وجيرانها يتقاسمون مصيراً مشتركاً، لكنّ أيّ اصطفاف مع القوات الأجنبية قد يضع المنطقة كلّها في دائرة الخطر”. وصرّحت الخارجية الإيرانية: “كنّا دوماً من دعاة بناء الثقة بين دول المنطقة، لكن هذا مسار متبادل. على دول الخليج اتخاذ خطوات لكسب ثقة إيران وتعويض الأضرار والخسائر التي لحقت بالشعب الإيراني نتيجة مشاركة هذه الدول في العدوان، والامتناع عن أيّ تعاون أو تواطؤ مع أعداء إيران. الدول التي شاركت في العدوان هي في موقع المعتدي”. وقال مساعد وزير الدفاع الإيراني العميد طلائي: “إيران مستعدّة لمشاركة قدراتها الدفاعية مع الدول المستقلّة، وخصوصاً الدول الأعضاء في منظّمة شنغهاي للتعاون”. وأعلن النائب الأول للرئيس الإيراني: “الدول التي كانت تمتنع عن تزويد طائراتنا بالوقود تتفاوض معنا لتأمين مصادر الطاقة. انتقلنا من مرحلة قابلية التأثر بالعقوبات إلى مرحلة المرجعية في تأمين احتياجات العالم. وقال رئيس البرلمان قاليباف إنّ “أيّام الإعمار بعد الانتصار على القوى المعادية مقبلة”، وكرّر نائبه: “مضيق هرمز هو القنبلة الذرّية الإيرانية”.
أين العرب من هذا المشهد كلّه؟ والحرب في جوارهم، وعلى أراضي بعض دولهم، وكلّهم مهدّدون منها ومن إسرائيل التي تريد الاستفراد بلبنان، بدعم من بعضهم، وخدمات بعضهم الآخر؟… دول قلقة، مرعوبة من إيران وإسرائيل، تحاول استرضاء الاثنتين. دول تزايد على إسرائيل، تندفع بسرعة أكبر من سرعتها، تضع كلّ إمكاناتها في تصرّفها، تتبنّى سرديتها.
دول تحاول نيل رضا أميركا وإسرائيل معاً، وتضع إمكاناتها المالية في تصرّفهما. دول تفتح خطوطاً على إيران وأميركا وإسرائيل، وتتذاكى بأنّها قادرة على الاستمرار في هذه “اللعبة”، من موقع “القيادة العليا”، والتلاعب على هذه الدول، ويكاد لا يكون لها تأثير فاعل في الملعب. وبعضها خارج الملعب في السياسة. وعين أميركا وإسرائيل على المال والهيمنة، ولن يبقى شيء لأصحابه. وإذا تمّ التفاهم بين أميركا وإيران فهو المشكلة الكُبرى، والاستنزاف الأكبر، ولن يكون أمام الذين يتذاكون إلا إسرائيل. عرب: لا رؤية، ولا إرادة، ولا قرار، ولا إدارة، ولا منطق، ولا حكمة، ولا قيادة، إلا لدى قلّة غير مقدّرة “ومحبوبة” من الآخرين، أو لا تملك الإمكانات، وما يقدّمه الآخرون يندرج في خانة الرهن، والابتزاز في المواقف، لا في خانة العمل العربي المشترك، والكلّ في النهاية رهائن لدى أميركا وإسرائيل، وبينهما وإيران.

المشكلة الكُبرى في العقل العربي الرسمي أمام أميركا وإسرائيل، وأمام الدورَين الإيراني والتركي

عندما وقع العدوان على قطر العام الماضي (2025)، عُقدت قمّة موسّعة، وأطلق المشاركون فيها مواقف، واتخذوا قرارات لتفعيل العمل الدفاعي العربي المشترك، وتحصين الوضع العربي. ولم تتّخذ خطوة، ولم تطلق فكرة، ولم يحصل نقاش فكري سياسي حول مستقبلهم ومصيرهم. وقعت الحرب الدائرة، وهدّدت إمكاناتهم وطاقاتهم وثرواتهم، ولا تزال، والمخاطر كبيرة، والتهديدات مقلقة جدّاً، والتوقّعات غير مشجّعة ولا مبشّرة.
انعقدت القمة الخليجية في جدّة في الشهر الماضي (إبريل/ نيسان). كانت أقلّ من عادية في مواجهة مرحلة استثنائية مصيرية مفصلية. قراراتها لا تصل إلى مستوى بناء أرضية وقاعدة للنقاش، بل يمكن القول لا قرارات. وماذا تعني كلمة قمّة؟ هل قمّة عربية أو خليجية، والكلّ في الطريق نزولاً وانهياراً من دون قدرة على الفعل والتأثير، على الرغم من الإمكانات الهائلة كلّها التي يملكها العرب. القمّة غابت عنها عُمان التي سعت (وتسعى) إلى الحوار والحكمة والمنطق والوساطة بين إيران وأميركا، وتدعو الى وقف الحرب. حضرت الإمارات، وقبل أن يصل وفدها أعلنت انسحابها من “أوبك” و”أوبك بلس”، وأعربت أميركا عن فرحها بذلك. قمّة أركانها على طاولة البحث عن المشترك وعن اللامشترك. إذ بعض دولها تعبث بالسودان وليبيا، وتعمل في الصومال وإثيوبيا وأفريقيا واليمن بما يتعارض بالكامل مع العمل المشترك والمصالح المشتركة. دول تقدّم كلّ ما لديها لمساعدة إسرائيل. فأين المشترك العربي؟ دول محاور، وممرّات مختلفة، أهميتها المركزية أنّها توصل كلّها إلى إسرائيل، في ظلّ غياب أيّ عمل عربي مشترك، اقتصادي وسياسي وإنمائي و… المشكلة الكبرى في العقل العربي الرسمي أمام الفعل الأميركي الإسرائيلي، والدورَين الإيراني والتركي.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...