جيسون د. غرينبلات
مبعوث البيت الأبيض السابق لشؤون الشرق الأوسط في إدارة ترمب.
نشرت صحيفة نيويورك تايمز مؤخرا تقريرا مفصلا عن هيكل القيادة الجديد في إيران، استنادا إلى مقابلات مع أكثر من عشرين مسؤولا إيرانيا، ومسؤولين سابقين، وأعضاء في الحرس الثوري، وشخصيات مقربة من المرشد الأعلى الجديد.
يستحق هذا التقرير قراءة متأنية، ولكن ليس للأسباب التي أرادت الصحيفة تسليط الضوء عليها.
يصف التقرير حالة المرشد الأعلى، آية الله مجتبى خامنئي، بأنه مصاب بجروح خطيرة، ويتواصل عبر ملاحظات مكتوبة بخط اليد تُنقل عبر سلسلة من سائقي الدراجات النارية، ويتمتع بذهن حاضر، لكن إصابته تصعّب عليه الكلام، كما يتجنب عمدا الظهور في مقاطع مصورة خشية أن يبدو ضعيفا.
تأتي التفاصيل الرئيسية عن حالته من مسؤولين إيرانيين لم يُكشف عن أسمائهم. لا توجد صورة، ولا سجل طبي، ولا أي مصدر مستقل من أي نوع.
لا يطلب التقرير من القراء تقييم دوافع هذه المصادر، بل يقدم الأمر على أنه حقيقة.
تتطلب التغطية الصحفية من داخل دولة استبدادية- لا سيما في حالة حرب، حيث يقرر النظام من يتحدث إلى الصحفيين الغربيين، وما يُسمح لهم بقوله- قدرا كبيرا من الشك، بيد أن الحال هنا لا ينطبق على هذا التقرير.
إن المصادر التي تصف حالة مجتبى لها مصلحة مباشرة في الصورة التي ترسمها: قائد أعلى واعٍ، حاضر فكريا، فوّض بعض المهام، لكنه لا يزال منخرطا بشكل كبير، خلال فترة عصيبة.
هذه الصورة التي يتم تسويقها تخدم النظام جيدا، فهي تحافظ على وهم القيادة الفعالة. ربما يكون هذا التقرير دقيقا، لكن التقارير التي تستند كليا إلى أشخاص لهم مصلحة مباشرة فيما يعتقدونه، تستحق تنويها، وهو ما لم تقدمه صحيفة التايمز.
مشكلة المصادر بحد ذاتها مهمة، لكن الإطار التاريخي الكامن وراءها أكثر أهمية.
يذكر التقرير أن السلطة انتقلت إلى “جيش متشدد راسخ” وأن “النفوذ الواسع لرجال الدين يتضاءل”. والتلميح، الذي لم يُذكر صراحة ولكنه حاضر ضمنيا في المقال، هو أن من انتقلت إليهم السلطة حاليا أكثر تشددا من سابقيهم. وهذا غير صحيح.
قاد آية الله علي خامنئي، رجل الدين الذي ترأس إيران لمدة 35 عاما، البرنامج النووي الإيراني إلى حافة التسلح، وأنشأ برنامج الصواريخ الباليستية، وبرنامج الطائرات المسيرة، وشبكة من الوكلاء التي هددت إسرائيل ودول المنطقة والقوات الأمريكية الموجودة هناك لعقود.
وقد سحق الحركة الخضراء عام 2009.
وأعدم نظامه متظاهرين في حملة القمع التي أعقبت انتفاضة 2022. كما قاد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني بقيادة قاسم سليماني، الذي تسببت عملياته في مقتل وإصابة جنود أمريكيين لسنوات.
إن وصف الوضع الراهن بأنه تحول من الاعتدال الديني إلى التشدد العسكري هو تحريف لتاريخ 45 عاما.
عندما يقول الرئيس ترمب إن القادة الإيرانيين الجدد قد يكونون أكثر عقلانية، فهو لا يتجاهل طبيعتهم، بل يُبدي ملاحظة أكثر دقة: أنه بعد اتخاذ إجراء عسكري غير مسبوق ضد النظام، قد لا يجد صانعو القرار في طهران الآن سبيلا عمليا سوى طاولة المفاوضات.
هذا ليس تصريحا عن حسن نية إيران، بل هو تصريح عن خياراتها. ما زلتُ متشككا في إمكانية التوصل إلى اتفاق حقيقي، لكن لا يمكن الجزم بذلك دون محاولة.
إذا خرج صانعو السياسات الغربيون والمحللون الذين يُشكلون تفكيرهم بانطباع أن الحرب قد مكنت المتشددين بدلا من البراغماتيين داخل النظام الإيراني، فإنهم بذلك يتوصلون إلى النتيجة التي تريدها طهران.
وقد تكرر في التعليقات الإعلامية وفي أروقة الكونغرس الادعاء بأن الولايات المتحدة لم تكن في حالة حرب مع إيران قبل ضربات فبراير/شباط.
هذا الادعاء محض خيال. شنت إيران حربا على الولايات المتحدة وحلفائها لعقود، عبر وكلاء “إرهابيين”، وهجمات على القوات الأمريكية، وبرنامج نووي مصمم لاحتجاز المنطقة رهينة.
لم يُسهم التظاهر بخلاف ذلك في جعل الأمريكيين أو حلفائنا في المنطقة أكثر أمانا. بل جعل من الصعب تفسير المواجهة الحاسمة، ومن السهل تحريفها وتصويرها على أنها عدوان بدلا من كونها ردا متأخرا على تهديد خطير كان يتزايد على مدى 45 عاما.
إن تصوير رجال الدين والحرس الثوري الإيراني كقوتين منفصلتين، إحداهما قمعية والأخرى متطرفة، يمحو 45 عاما من الأدلة التي تُثبت أنهما كانا دائما مشروعا واحدا يسعى لتحقيق نفس الغايات. هذا يُساعد النظام الإيراني على تأطير الأحداث وفقا لشروطه الخاصة. وهذا يخدم طهران، لا الحقيقة.
شغلتُ منصب مبعوث البيت الأبيض لشؤون الشرق الأوسط من عام 2017 إلى عام 2019، وظللتُ على تواصل مع القادة الإقليميين والدبلوماسيين خلال السنوات اللاحقة.
لقد سعى النظام الإيراني، في جميع مراحله، من رؤساء يُطلق عليهم الإصلاحيون إلى الرؤساء المتشددين، مرورا بوزراء الخارجية البراغماتيين وقادة الحرس الثوري، إلى تحقيق الأهداف نفسها، تغيرت الوجوه، لكن الهدف لم يتغير.
إن من ينتظر من المؤسسة الدينية أن تدفع إيران نحو الاعتدال لم يكن مُنتبها لما يجري طوال 45 عاما.
لقد بنى رجال الدين هذا النظام، ونفذه الحرس الثوري. لا يوجد توتر بينهما، بل شراكة. الشيء الوحيد الذي تغير هو أن الضغط العسكري المستمر قد قلص خياراتهما إلى أدنى حد ممكن.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





