د. خالد الجابر
يشغل منصب المدير التنفيذي لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية في الدوحة.
يقدَم الاتفاق الأمريكي الإيراني الأخير على أنه خطوة في اتجاه خفض التصعيد، وفتح صفحة جديدة من الدبلوماسية، لكن هذا التصوير يبدو أقرب إلى التمني منه إلى القراءة الدقيقة لطبيعة الصراع. فالمشهد لا يوحي بولادة تسوية مستقرة، بل بإعادة تدوير الأزمة نفسها في صيغة أكثر هدوءا وأقل صخبا. والسؤال هنا ليس فقط: ما الذي تغير فعلا؟ بل أيضا: هل تبددت أسباب التوتر أصلا، أم جرى فقط ترحيل لحظة الانفجار المقبلة؟
الاتفاق يشير إلى تمديد وقف إطلاق النار لمدة 60 يوما، ويتضمن إعادة فتح مضيق هرمز، والسماح لطهران بتصدير النفط، بالتوازي مع إطلاق مسار تفاوضي حول برنامجها النووي.
في العمق، لا يعكس هذا الاتفاق تحولا إستراتيجيا حقيقيا في مواقف الطرفين، بقدر ما يعكس قناعة مشتركة بأن الذهاب إلى النهاية صار مكلفا للغاية. الولايات المتحدة لم تتخل عن مخاوفها التقليدية من البرنامج النووي الإيراني، ولا عن تحفظاتها تجاه الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، كما أن إيران لم تغير، في المقابل، تصورها لأمنها القومي، أو أدوات حضورها في المنطقة.
ومع ذلك، عاد الطرفان إلى طاولة التفاهم، لا لأن الهوة بينهما ضاقت، بل لأن كلفة التصعيد أصبحت أعلى من كلفة التراجع المؤقت. ومن هنا، فإن الاتفاق لا يطوي الصراع، بل يكشف حدود القدرة على حسمه. وكلما غاب الحسم، أصبحت أي تسوية أقرب إلى هدنة قابلة للكسر منها إلى سلام قابل للبقاء.
ولا يمكن إنكار أن أي اتفاق ينجح في تقليص احتمالات المواجهة المباشرة يمثل، من حيث المبدأ، تطورا مهما. فالمواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإيران كانت تحمل مخاطر واسعة على الأمن الإقليمي، وحرية الملاحة، وأسواق الطاقة، فضلا عن استمرار التهديدات التي طالت دول الخليج عبر الصواريخ والطائرات المسيرة، وما رافق ذلك من تهديد مباشر لاستقرار أكثر من ساحة عربية.
لكن المشكلة ليست في قيمة التهدئة بحد ذاتها، بل في حدودها. فوقف النار لا يعني وقف الصراع، وتهدئة اللحظة لا تعني بالضرورة حلا إستراتيجيا دائما. الاتفاق الحالي أقرب إلى إدارة الأزمة منه إلى إنهائها؛ لأنه ركز على خفض التصعيد الفوري أكثر مما ركز على معالجة الأسباب العميقة التي صنعت هذا التوتر الطويل.
وهنا تظهر المفارقة الأساسية: الاتفاق يمنع الانفجار في المدى القريب، لكنه لا يزيل العناصر التي قد تشعل الانفجار لاحقا. وهذا يعني أن النجاح الظاهري قد يخفي فشلا أعمق في معالجة البنية التي أنتجت الأزمة أصلا، وهو ما يجعل الاتفاق، في صورته الراهنة، أقرب إلى تسكين مؤقت منه إلى علاج حقيقي.
بين التسوية والاستنزاف
جاء هذا الاتفاق في سياق إدراك متبادل لدى الطرفين بأن استمرار المواجهة يفرض كلفة عالية لا يمكن تجاهلها. فمن الجانب الأمريكي، برزت اعتبارات تتعلق بأمن الملاحة الدولية واستقرار أسواق الطاقة، خصوصا في ظل التوتر المرتبط بمضيق هرمز، وما يحمله من تهديد مباشر لتدفق النفط والتجارة العالمية. أما من الجانب الإيراني، فإن الضغوط الاقتصادية والأمنية المتراكمة جعلت خيار التصعيد المفتوح شديد الخطورة، وربما غير قابل للاستمرار من دون خسائر متزايدة.
غير أن التقاء الحاجة إلى التهدئة لا يعني بالضرورة وجود توافق حقيقي على المستقبل. فإذا كانت الولايات المتحدة لا تستطيع فرض شروطها كاملة، ولا تستطيع في الوقت نفسه ترك إيران تتحرك بلا كلفة، فإن النتيجة الطبيعية هي اتفاق ناقص يرضي اللحظة لكنه لا يبني المستقبل. وهذه هي نقطة الضعف الجوهرية في التفاهم الحالي: فهو يمنح الجميع فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يمنح أحدا حلا نهائيا. ولذلك تبدو هشاشته جزءا من بنيته، لا مجرد عيب طارئ فيه.
وتكمن المفارقة الكبرى في عودة واشنطن إلى منطق التفاهم المرحلي مع طهران، رغم أن الرئيس دونالد ترمب كان قد انسحب من الاتفاق النووي السابق عام 2018، معتبرا إياه غير كاف ولا يعالج الملفات الأساسية المرتبطة بالسلوك الإقليمي الإيراني والبرنامج الصاروخي. في ذلك الوقت، كان الخطاب الأمريكي يقوم على أن أي اتفاق جديد يجب أن يكون “أشمل وأقوى”، بحيث يتناول التخصيب النووي، والصواريخ الباليستية، والنفوذ الإقليمي، وشبكات الحلفاء المسلحين.
لكن ما يظهر اليوم من ملامح الاتفاق الجديد لا يشير إلى حسم واضح لهذه الملفات، بل إلى تأجيلها إلى جولات لاحقة. وهذا يكشف انتقالا في الأولويات الأمريكية من السعي إلى تسوية شاملة إلى إدارة التصعيد ومنع الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة. ومعنى ذلك أن واشنطن لم تتخل عن أهدافها، لكنها قبلت بتقليص سقفها مؤقتا تحت ضغط الواقع، لا تحت قناعة مبدئية بأن المسار الجزئي هو الأفضل.
أما إيران، فهي تدرك أن الزمن عنصر قوة لا يقل أهمية عن السلاح. ولذلك فإن قبولها بالتهدئة لا يعني أنها تخلت عن أوراقها، بل يعني أنها قررت استخدام الاتفاق بوصفه غطاء لإعادة التموضع. فطهران لا تدخل مثل هذه التفاهمات من موقع الاستسلام، بل من موقع المناورة.
وهي تعرف أن أي فترة هدوء تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس، وترتيب الداخل، وإعادة تشغيل شبكات النفوذ، وتخفيف الضغط الاقتصادي والأمني. لكن هذا الرهان نفسه يحمل تناقضا واضحا: فكلما طال أمد التهدئة من دون حل جذري، زادت احتمالات أن يتحول الاتفاق إلى محطة فاصلة تسبق انفجارا أكبر، لا إلى بداية استقرار فعلي.
تهدئة تزرع الانفجار
لا يمكن فهم أي اتفاق أمريكي إيراني بمعزل عن الموقف الإسرائيلي. فإسرائيل ترى أن أي تهدئة لا تضعف إيران بشكل جذري هي تهدئة تمنح طهران وقتا إضافيا لا أكثر. ومن ثم فهي تنظر إلى مثل هذه التفاهمات بوصفها خطأ إستراتيجيا، أو في أفضل الأحوال، تنازلا أمريكيا غير مبرر. هذا الموقف لا ينطلق من تفاصيل الاتفاق فقط، بل من طبيعة الرؤية الإسرائيلية لإيران باعتبارها تهديدا طويل الأمد لا يمكن احتواؤه جزئيا. ويبرز مأزق واشنطن المضاعف في أنها تحاول احتواء طهران من جهة، لكنها لا تستطيع تجاوز المخاوف الإسرائيلية من جهة أخرى.
القناة 13 الإسرائيلية أكدت على تصريحات مصادر عسكرية إسرائيلية قولها إن إيران تتعمد إطالة أمد المفاوضات؛ بهدف دفع حاملات الطائرات الأمريكية إلى الانسحاب من المنطقة، في حين يراقب الجيش الإسرائيلي بحذر احتمال انهيار المحادثات وعودة المواجهة العسكرية.
المفارقة الأشد أن الاتفاق الذي يفترض أن يخفف التوتر قد يكون، على المدى المتوسط، أحد أسباب الانفجار القادم. فالاتفاقات الناقصة تخلق وهم السيطرة على الأزمة، بينما تترك العوامل الحقيقية للنزاع تعمل في الخلفية بصمت. وعندها تتشكل حالة خطيرة: لا هي حرب شاملة، ولا هو سلام مستقر، بل فراغ سياسي يتسع فيه سوء الفهم وسوء التقدير.
وهذه هي البيئة الأكثر قابلية للانفجار؛ لأن كل طرف يفسر التهدئة على أنها فرصة لإعادة التموضع، بينما يقرؤها الطرف الآخر بوصفها خداعا أو ضعفا. ومع تراكم هذا التناقض، تصبح العودة إلى التصعيد مسألة وقت لا أكثر. لذلك فالسؤال الأهم ليس ما إذا كان الاتفاق ينجح اليوم، بل ما إذا كان يراكم شروط فشله غدا.
في النهاية، لا يبدو الاتفاق الأمريكي الإيراني خطوة نحو حل تاريخي، بل مناورة سياسية هدفها شراء الوقت وخفض الكلفة. إنه اتفاق يوقف النار من دون أن يطفئ الحريق، ويهدئ السطح من دون أن يمس الجذور. ولذلك فإن وصفه بالإنجاز الكبير يبدو مبالغا فيه، كما أن اعتباره فشلا كاملا قد يكون متسرعا. الأدق أنه اتفاق جدلي بكل معنى الكلمة: يخفف الأزمة ويعيد إنتاجها في آن واحد.
ويبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع واشنطن وطهران تحويل هذه الهدنة إلى مسار تفاوضي حقيقي، أم إن ما يجري ليس سوى فصل جديد من أزمة تتقن تغيير شكلها من دون أن تغير حقيقتها؟
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





