بكين مساحة تفاهم الكبار

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية

 

في بكين، وعلى السجادة الحمراء نفسها، وبفارق أربعة أيام، مرّ كل من الرئيسين، الأميركي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين. حدثان متقاربان يعطيان بكين مكانة قد تتجاوز وظيفتها الحالية عاصمةً لدولة كبرى، إلى إحدى نقاط الارتكاز العالمية ومربع تتقاطع فيه مصالح قوى عظمى تسعى لإعادة ترتيب السياسة والاقتصاد الدوليين. منذ دخل عالم السياسة، زار بوتين الصين 25 مرّة. وتأتي زيارته الأسبوع الماضي مختلفة، فقد تزامن وصوله مع الذكرى الثلاثين لاتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين، وفي ظل الترقب الحار لما ستنتهي إليه مراسلات إيران والولايات المتحدة حول شكل الاتفاق المنتظر وأسلحة إيران النووية ومضيق هرمز. أما زيارة ترامب فتمثل ضغطاً غير مباشر على روسيا، التي تخشى بالفعل أية صفقة كبرى قد يعقدها، لأنها ستكون حتماً على حسابها. ولذلك سارع بوتين للزيارة والتأكد من وضعية اتفاق الشراكة مع بكين، وأن الأخيرة لن تبيع حليفاً استراتيجياً مثل روسيا. وبالفعل، بدا أن الطرفين في حالة توافق عام، فقد تأسّفا على انتهاء معاهدة “نيو ستارت” للحد من الأسلحة النووية بين الولايات المتحدة وروسيا، وقالا إنها خطوة غير مسؤولة من واشنطن. كذلك انتقدا، بشكل مشترك، “القبة الذهبية”، وهي منظومة دفاع صاروخية أرضية وفضائية أميركية، أعلن عنها ترامب السنة الماضية، وُوصفت بأنها “نقلة نوعية” لمواجهة الصواريخ المتطوّرة، مثل الصواريخ فرط الصوتية والصواريخ الروسية والصينية، وهو ما اعتبره الحليفان يهدّد الاستقرار العالمي.

تدرك الصين حدودها تماماً، لكنها ترغب في أن تلعب بحذر دور المؤثر في الجوقة، فهي متحالفة مع روسيا، وقد مدّدا اتفاقية حسن الجوار، ولا تبخل على الجانب الروسي بإمداده بالتكنولوجيا، فتمنحه أوراق ضغط كبيرة، وتستفيد، في الوقت نفسه، من خطوط الأنابيب البرّية الممتدة من سيبيريا إلى الصين، وهو طوق نجاة طاقي للصين، يعطيها عمقاً استراتيجياً، ويبقيها على مبعدة من البحار التي تجوبها حاملات الطائرات الأميركية. ورغم ذلك كله، لا ترغب الصين في أن تدخل في حرب باردة، ولا تريد أن تقطع شعرة معاوية التي تبقيها على مقربةٍ حذرة من الغرب. وهي تعرف أن العالم لا يُدار من غرفة واحدة، بل له عدة اتجاهات، وقد نجحت في تقديم نفسها دولةً يمكنها استضافة الحلفاء والخصوم على السجادة نفسها، وبفارق أيام قليلة، وهو دور توازني يجعلها حالة مقبولة عند الجميع.

عاد ترامب من بكين وفي جيبه تعهد صيني بشراء 200 طائرة بوينغ أميركية، وإنشاء قنوات اتصال مشتركة لإدارة التبادل التجاري، وقرارات تتعلق بالاستعصاء في مضيق هرمز. أما بوتين، فقد عاد بتمديد اتفاقية حسن الجوار، بما يعني ربع قرن مقبل من الوئام، وتوقيع إعلان مشترك يهاجم الأحادية الأميركية ومنظومة الدفاع الصاروخي، وتوقيع كدسة من بروتوكولات التعاون في مجالات كثيرة. وبقيت عقدة لم تحل بينهما بشأن خط الغاز الروسي المسمى “سيبيريا 2″، وهو خلاف ظاهره مالي حول تسعير الغاز، ولكنه يحمل مضموناً سياسيّاً بعدم تقديم الصين “شيكاً” مفتوحاً لما ترغب فيه موسكو، وإبقاء التفاوض مستمراً، مع بقاء الباب مشرعاً لتكرار الزيارة في المستقبل.

كشفت الصين في أسبوع الزيارتين عن براغماتية سياسية واضحة، فتحدثت مع ترامب بلغة الأرقام والحسابات، ومع بوتين بلغة مرمّزة استراتيجياً، بحيث يحمل الرئيسان كل إلى عاصمته ما يمكن أن يدّعي أنه انتصار حقّقه من الزيارة. تعمّم الصين هذا النمط البراغماتي، وتستخدمه في معضلة مضيق هرمز التي تؤثر بوصول طاقة الخليج إليها، فتقدّم نفسها قوة وساطة وعامل أمان، وتوحي بأنها عاصمة لصياغة التهدئة وتسعير النفط والغاز خارج هيمنة العملة العالمية. وتحاول بذلك، ببطء شديد ونفس طويل جدّاً، إعادة صياغة للنظم الدولية، وفي جيبها مفاتيح اقتصادية وسياسية هامة، مع محاولات لتأكيد أنها ليست في أي حال مجرّد زبون دائم للنفط الرخيص.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...