صمود النظام الإيراني في مواجهة حرب الاستنزاف والاغتيالات: قراءة في بنية الدولة العميقة وآفاق ما بعد الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران
بقلم: فرج كُندي
كاتب وباحث في الدراسات الإسلامية
رئيس مركز الكندي للدراسات والبحوث
أحد أكثر الأسئلة التي فرضت نفسها على مراكز الدراسات الاستراتيجية وصناع القرار خلال الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران هو: كيف استطاع النظام الإيراني الاستمرار رغم تعرضه لضربات غير مسبوقة استهدفت قادة الصف الأول في المؤسسة العسكرية والأمنية والسياسية؟ وكيف تمكنت الدولة من مواصلة إدارة الحرب والحفاظ على تماسكها الداخلي في وقت كانت فيه التقديرات الأولية لدى بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية تفترض أن اغتيال القيادات العليا سيؤدي إلى حالة من الانهيار أو التفكك السريع؟
لقد كشفت هذه الحرب عن حقيقة كثيرًا ما أغفلها خصوم إيران، وهي أن الجمهورية الإسلامية ليست نظامًا قائمًا على شخص أو مجموعة محدودة من الأفراد، بل هي منظومة مؤسسات متشابكة جرى بناؤها منذ قيام الثورة الإيرانية عام 1979 بطريقة تجعل استمرار الدولة والنظام ممكنًا حتى في حالات فقدان القيادات العليا. ولذلك فإن ما جرى خلال الحرب يمثل اختبارًا عمليًا لبنية النظام أكثر من كونه اختبارًا لأشخاص بعينهم.
وقد خلصت العديد من التقديرات الغربية الحديثة إلى أن استراتيجية “قطع الرأس” أو “اغتيال القيادة” لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في إسقاط النظام، بل أدت في كثير من الأحيان إلى إعادة توزيع السلطة داخل المؤسسات القائمة وتعزيز نفوذ الأجهزة الأمنية والعسكرية الأكثر تماسكًا.
لماذا لم يسقط النظام رغم خسارة قياداته العليا؟
اعتمدت الاستراتيجية الأمريكية والإسرائيلية على فرضية مفادها أن إزالة القيادات العليا ستؤدي إلى شلل مؤسسات الدولة، لكن التجربة الإيرانية أظهرت أن النظام بُني منذ عقود على مبدأ تعدد مراكز القوة وتداخلها
ففي إيران لا توجد مؤسسة واحدة تحتكر القرار بصورة مطلقة، وإنما توجد شبكة مترابطة تضم
مؤسسة المرشد الأعلى، مجلس الأمن القومي، الحرس الثوري ، الجيش النظامي، مجلس صيانة الدستور، مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الخبراء، الأجهزة الأمنية والاستخباراتية ، شبكة المؤسسات الاقتصادية والدينية المرتبطة بالدولة.
هذا التشابك المؤسسي جعل الضربات التي استهدفت الأفراد أقل تأثيرًا مما كان متوقعًا، لأن البدائل التنظيمية وآليات الخلافة كانت موجودة مسبقًا داخل هيكل النظام. وقد أشارت دراسات متخصصة إلى أن النظام الإيراني صُمم تاريخيًا لتحمل الصدمات الكبرى والانتقالات القيادية المفاجئة.
دور الحرس الثوري في منع الانهيار
إذا كان هناك فاعل واحد برز باعتباره العمود الفقري لصمود النظام خلال الحرب فهو الحرس الثوري الإيراني
فالحرس الثوري ليس مجرد مؤسسة عسكرية تقليدية، بل هو
مؤسسة أمنية،
جهاز استخباراتي
قوة عسكرية استراتيجية
شبكة اقتصادية واسعة
مؤسسة عقائدية
أداة لإدارة النفوذ الإقليمي
ورغم تعرضه لخسائر كبيرة في قياداته، فإن هيكله التنظيمي أثبت قدرة عالية على تعويض القيادات المفقودة واستمرار العمليات العسكرية. كما حافظ على السيطرة الداخلية عبر التعاون مع قوات التعبئة (الباسيج) والأجهزة الأمنية الأخرى. وتشير تقارير بحثية إلى أن الحرس الثوري تحول خلال الحرب إلى المركز الأكثر تأثيرًا في صناعة القرار الإيراني
العامل الأيديولوجي والعقائدي
أخطأت بعض التقديرات الغربية عندما تعاملت مع النظام الإيراني بوصفه نظامًا سلطويًا تقليديًا فقط
فالجمهورية الإسلامية تجمع بين الدولة الحديثة والعقيدة الثورية. ولذلك فإن قطاعات واسعة من النخبة السياسية والعسكرية تنظر إلى الصراع باعتباره معركة وجودية تتعلق ببقاء النظام نفسه
وفي مثل هذه الحروب تميل النخب إلى التماسك بدل الانقسام، لأن سقوط النظام لا يعني مجرد تغيير حكومة، بل يعني انهيار المشروع السياسي والعقائدي الذي قامت عليه الدولة منذ الثورة الإيرانية. ولهذا رأت عدة مراكز بحثية أن الحرب عززت تماسك الدوائر الصلبة للنظام أكثر مما أضعفته.
لماذا فشلت فرضية الانهيار الداخلي؟
كانت بعض الرهانات الغربية تقوم على أن الضربات العسكرية ستؤدي إلى انتفاضة داخلية واسعة تُسقط النظام من الداخل
لكن هذا السيناريو لم يتحقق لعدة أسباب
عدم وجود قيادة معارضة موحدة قادرة على ملء الفراغ
استمرار سيطرة الدولة على المؤسسات الأمنية والعسكرية
خوف قطاعات من المجتمع من الفوضى أو الحرب الأهلية
تنامي النزعة الوطنية أثناء الحرب الخارجية
نجاح الدولة في الحفاظ على الحد الأدنى من الأداء المؤسسي
ولهذا خلصت تقديرات عديدة إلى أن غياب قوة منظمة قادرة على الحلول محل النظام جعل سيناريو السقوط السريع غير واقعي
ماذا يعني بقاء النظام الإيراني؟
إن النتيجة الأهم للحرب ليست انتصارًا كاملًا لإيران ولا انتصارًا كاملًا لخصومها، بل الوصول إلى وضع يمكن وصفه بـ”إيران الجريحة ولكن الباقية”
فالتقارير الغربية الحديثة تتحدث عن
أضرار اقتصادية واسعة
تراجع في القدرات العسكرية
خسائر قيادية كبيرة
ضغوط اجتماعية متزايدة
لكنها تتحدث في الوقت نفسه عن استمرار النظام وبقاء مؤسساته الأساسية وقدرته على التكيف مع الواقع الجديد.
وهذا يعني أن هدف تغيير النظام لم يتحقق، وأن الحرب انتهت – أو تقترب من الانتهاء – عند حدود إضعاف إيران لا إسقاطها
احتمالات الاتفاق الأمريكي – الإيراني
تشير المعطيات الدبلوماسية الحالية إلى وجود توجه متزايد نحو اتفاق يوقف الحرب ويحول الصراع من الميدان العسكري إلى طاولة التفاوض
وتتحدث التسريبات والتقارير عن تفاهمات تتعلق بـ
وقف العمليات العسكرية
ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز
بحث تخفيف العقوبات
إطلاق مفاوضات حول البرنامج النووي
تبادل بعض الترتيبات الأمنية والاقتصادية
غير أن معظم التحليلات ترى أن أي اتفاق محتمل لن يحل الخلافات الجوهرية بين الطرفين، بل سيؤسس لهدنة استراتيجية مؤقتة أكثر منه سلامًا دائمًا
تداعيات الاتفاق على المنطقة
إذا استقر وقف إطلاق النار وتم التوصل إلى تفاهم أمريكي–إيراني أوسع، فإن المنطقة ستواجه جملة من التحولات المهمة
تراجع احتمالات الحرب الشاملة
سيؤدي الاتفاق إلى خفض احتمالات الانفجار الإقليمي الكبير الذي هدد أسواق الطاقة والتجارة العالمية خلال الحرب
صعود دور التفاوض بدل المواجهة المباشرة
ستنتقل المنافسة الأمريكية–الإيرانية من الصدام العسكري المفتوح إلى الصراع السياسي والدبلوماسي والاقتصادي
تعزيز نفوذ التيار الأمني داخل إيران
تشير معظم الدراسات إلى أن الحرب عززت مكانة الحرس الثوري والتيار الأمني داخل الدولة، ما قد يجعل النظام أكثر تشددًا في بعض الملفات الإقليمية والاستراتيجية
إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط
لن تعود المنطقة إلى ما كانت عليه قبل الحرب، لأن الجميع بات يدرك أن إسقاط النظام الإيراني بالقوة الجوية وحدها أكثر صعوبة مما كان يُعتقد، كما أن إيران باتت تدرك حدود قدرتها على المواجهة المفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل
خاتمة
تكشف تجربة الحرب الأخيرة أن سر صمود النظام الإيراني لا يكمن في قوة الأفراد بقدر ما يكمن في طبيعة البنية المؤسسية التي تراكمت خلال أكثر من أربعة عقود. فقد أثبتت الحرب أن اغتيال القيادات العليا، مهما كان مؤثرًا، لا يؤدي بالضرورة إلى إسقاط الأنظمة التي تمتلك مؤسسات بديلة وآليات منظمة للخلافة وإدارة الأزمات. كما أظهرت أن الحرس الثوري وشبكة المؤسسات الأمنية والدينية والسياسية شكلت معًا “دولة عميقة” قادرة على امتصاص الصدمات وإعادة إنتاج القيادة.
وبناءً على المعطيات الحالية، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة عنوانها: نظام إيراني أضعفته الحرب لكنه لم يسقط، وولايات متحدة حققت بعض أهدافها العسكرية لكنها لم تنجح في فرض تغيير جذري للنظام، واتفاق محتمل قد يوقف القتال دون أن ينهي جذور الصراع الاستراتيجي بين الطرفين.
المواد المنشورة تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه الفكري أو التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف.





