كيف يتحول نشر خصوصياتك على فيسبوك ومنصات التواصل إلى تهديد مباشر لأمانك الشخصي؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية قضايا الهجرة والبحث في الفكر والإسلام.

 

 

إن إدمان النشر الرقمي العفوي يمثل أحد أكبر التحديات الأمنية والنفسية في العصر الحديث حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتقارب الإنساني إلى وسائل لانتهاك السيادة الشخصية وتعرية الخصوصية الطوعية أمام ملايين الغرباء. في السابق كان المجرم يتكبد عناء المراقبة الميدانية وتتبع الحركة والمخاطرة باقتحام المساحات الخاصة أما اليوم فقد تغيرت ديناميكيات الجريمة بشكل جذري وأصبح السارق والابتزازي والمحتال يمارسون أنشطتهم بذكاء وراحة تامة من خلف الشاشات مستعينين بالمعلومات الوفيرة التي يضخها المستخدمون أنفسهم على حساباتهم الشخصية بشكل يومي ولحظي.

عندما يقرر شخص ما مشاركة تفاصيل يومه من مكان تواجده الحالي ونوع طعامه والهدايا التي تلقاها وصولاً إلى المشاكل العائلية أو النجاحات المهنية فهو لا يقوم بمجرد تفاعل اجتماعي بريء بل يساهم في بناء ملف استخباراتي متكامل ومحدث باستمرار يسهل لأي عابث اختراقه واستغلاله. هذه البيانات المبعثرة تمنح المتربصين خرائط زمنية ومكانية بالغة الدقة تحدد مواعيد خلو المنازل وجرداً شاملاً للممتلكات يثير أطماع اللصوص فضلاً عن تقديم تحليل سيكولوجي مجاني يكشف عن نقاط الضعف النفسية للمستخدم وهو ما يُعرف في عالم الأمن السيبراني بالهندسة الاجتماعية حيث يتم اختراق الضحية رقمياً ونفسياً قبل استهدافها مادياً أو معنوياً.

إن الاندفاع العاطفي غير المحسوب نحو توثيق كل لحظة وإشراك العامة فيها يلغي المسافات الآمنة والحدود الفاصلة بين الحياة الشخصية والعالم الخارجي مما يجعل الأفراد يعيشون في بيوت زجاجية مكشوفة وهم يظنون أنهم في أمان خلف أبوابهم المغلقة. وتزداد المشكلة تعقيداً بسبب وهم الأمان الرقمي وسيكولوجية الحشود الافتراضية إذ يمنح الضغط على زر النشر شعوراً زائفاً بالدفء والتواصل مع حلقة من الأصدقاء والمحبين بينما الحقيقة الصادمة أن الفضاء الرقمي لا ينسى ولا يحفظ الأسرار وقوائم الأصدقاء التي تتضخم لتضم المئات أو الآلاف من الحسابات تحتوي بالضرورة على أشخاص فضوليين أو حاسدين أو حتى حسابات وهمية تترصد الثغرات لإلحاق الأذى والابتزاز بالآخرين في أوقات ضعفهم وهنا يتجلى التحذير النبوي الشريف في قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «اسْتَعِينُوا عَلَى إِنْجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ، فَإِنَّ كُلَّ ذِي نِعْمَةٍ مَحْسُودٌ».

بناءً على هذا الواقع فإن صون الخصوصية والامتناع عن مشاركة تفاصيل الحياة اليومية لا يعكس خوفاً أو انطوائية أو عقداً نفسية كما يحاول البعض تصويره بل هو أسمى درجات الحكمة والاتزان العاطفي والذكاء الاجتماعي فالإنسان الواعي هو من يفرض سيادته الكاملة على معلوماته ويعرف بدقة ما يجب أن يظهر للعلن وما يجب أن يظل طي الكتمان مؤمناً بأن قيمته الحقيقية ونجاحاته تتجذر في الواقع الفعلي والعمق الإنساني وليس في ميزان الإعجابات والتفاعلات الافتراضية العابرة التي لا تسمن ولا تغني من جوع مصداقاً لقوله تعالى في كتابة الكريم: {مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] وما ينطبق على القول ينطبق اليوم على النشر والكتابة والمشاركة الرقمية. وكما قيل في الأثر والحِكم القديمة: “سلامة الإنسان في حفظ اللسان” وفي عصرنا هذا نقرنها بـسلامة الإنسان في حفظ الحساب والبيان.

وإنني إذ اخترت التطرق إلى هذا الموضوع الحساس فإن ذلك ينبع من واقع ما أشاهده وأقرأه يومياً على منصات التواصل الاجتماعي من اندفاع غير واعي نحو كشف الخصوصيات. ومن هذا المنطلق أتوجه بنصحي الصادق وتحذيري إلى الجميع وبشكل خاص إلى أولئك الذين تجمعنا وتربطنا بهم أواصر عقيدة التوحيد وقيم الهوية والروابط الإنسانية المشتركة داعياً إياهم إلى وقفة تأمل ومراجعة لما يتم نشره صوناً لأنفسهم ومجتمعاتهم من هذه المخاطر الرقمية المحدقة.

ولحماية الذات من الوقوع في هذه الشباك الرقمية المعقدة يتعين على كل مستخدم تبني استراتيجيات دفاعية صارمة في سلوكه اليومي تبدأ من تطبيق قاعدة التعتيم الزمني الصارمة بحيث يتم تأخير نشر أي محتوى أو صور متعلقة بالأنشطة والرحلات والمناسبات حتى يتم مغادرة الموقع تماماً والعودة إلى أمان الحصن المنزلي مما يحرم المتربصين من فرصة الاستغلال اللحظي للموقع الجغرافي. كما يتطلب الأمر شجاعة رقمية وفلترة حازمة ومستمرة لقوائم الأصدقاء والمتابعين متبعين المبدأ القائل بأن من لا يملك حق الدخول إلى بيتك في العالم الواقعي لا يملك حق الاطلاع على تفاصيل حياتك في العالم الافتراضي.

وقبل الإقدام على نشر أي مادة يجب إخضاعها لاختبار الفرضية الأسوأ عبر التفكير العقلاني في كيفية إمكانية استخدام هذه الصورة أو المعلومة من قبل شخص سيء النية وإذا تبين وجود ثغرة بنسبة ضئيلة جداً فإن الاحتفاظ بالمحتوى داخل المعرض الخاص بالهاتف يكون هو القرار الحكيم. إن الحفاظ على قدسية التفاصيل الصغيرة وعدم عرض كل تفاصيل المعيشة والروتين اليومي أمام الأعين يمنح الحياة الأسرية والشخصية حصانة حقيقية ودفئاً يحميها من طاقات الفضول السام وتطفل العابرين، فالبيوت لها حرمات، وقد أدبنا الله تعالى في سورة النور بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النور: 27]، وإذا كانت هذه حرمة البيوت المادية، فإن إشهار تفاصيل البيوت رقمياً يهدم هذه الحرمة طواعية.

في نهاية المطاف يظل المنزل هو الحصن المنيع والأسرار الشخصية هي الجدران التي تدعم هذا الحصن ومن غير المنطقي أن يقوم الإنسان بهدم جدران أمانه بيده لمجرد إبهار أشخاص خلف الشاشات لا يعنيهم أمره في حقيقة الأمر متذكرين التوجيه النبوي الحكيم في قوله صلى الله عليه وسلم: «مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ» فالقاعدة الذهبية الراسخة في عالم الأمن والوعي الإنساني تؤكد دائماً وأبداً أن ما لا يعرفه الآخرون عنك لن يمتلكوا القدرة على استخدامه ضدك بأي شكل من الأشكال.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...