في إطار الرد على العنصريّة في الجمعيّة الوطنيّة بفرنسا * الهجرة حين تُستدعى… ويُغيَّب السؤال الحقيقي
الدكتور محمد الخمسي
خاطب البرلماني الفرنسي (لويس بويار) ممثلي الأمة في الجمعية الوطنية، ولا سيما أحزاب اليمين التي يسكنها هاجس الهجرة والخطاب العنصري، قائلاً: “أصل إلى الجمعية الوطنية في خضم موجة حر، فإذا بحزبي التجمع الوطني (RN) والاتحاد من أجل الجمهورية (UDR) يعودان للحديث عن تدقيق أوضاع الأجانب الراغبين في الزواج، بدل مناقشة القضايا الحقيقية.”
ثم أضاف:
“فكروا في الأطباء الأجانب الذين يضمنون استمرار عمل مستشفياتنا العامة، وفي عمال البناء في مواقع العمل، وفي الشباب الذين يؤدون امتحانات البكالوريا في ظل درجات حرارة مرتفعة للغاية.
لا تنبع أي من مشاكلنا من الهجرة، بل إن مشاكلنا سببها أصحاب المليارات الذين يمتلكون 90% من وسائل الإعلام. إنهم يروجون لهواجسهم المتعلقة بالهوية للتشبث بالسلطة، وتجنب رفع الأجور، والتهرب من المساءلة بشأن الاحتباس الحراري، وحماية امتيازاتهم.
في عام 2027، ومع فوز (جان لوك ميلونشون)، سنتحدث أخيرًا عن القضايا الحقيقية، لأن محور حديثهم اليوم، بل حديثهم الوحيد، هو الهجرة.
أيتها السيدات، أيها السادة، عندما ذهبت إلى قسم الطوارئ، كان الأطباء ذوو البشرة السمراء هم من عالجوني، وأنا ممتن لهم من صميم قلبي.
والأمر نفسه عندما عانيت من ألم في الأسنان؛ فلم يستقبلني أي طبيب أسنان، باستثناء واحد، ويا للمفارقة، لم يكن من أصل فرنسي، ومع ذلك استقبلني رغم انشغاله الشديد.”
انتهت المداخلة.
* تعقيب:
من المعلوم أن فرنسا، في سياق حملاتها الانتخابية، تعيش على وقع جملة من القضايا الاجتماعية؛ بعضها حقيقي وموضوعي، وبعضها الآخر يجري إنتاجه داخل ما يمكن تسميته بـ”مختبرات صناعة الرأي وغسل الأدمغة”. ومن أبرز هذه القضايا:
1. الترويج لفكرة أن الإسلام والمسلمين يشكلون خطرًا على الثقافة والحضارة الغربية. ولتحقيق ذلك، تُنتقى أحداث ونصوص بعينها، وتُوظف خارج سياقاتها، ويُربط العنف والقتل بالدين الإسلامي، مع استحضار أسماء أشخاص عُرفوا بالتطرف والعنف، في محاولة لتعميم حالات فردية وترسيخ صورة ذهنية في الخيال الجمعي تربط الحضارة الإسلامية بالتطرف.
وفي المقابل، يُحال دون وصول كل رأي حكيم أو عقلاني، أو كل توضيح صادر عن مؤسسات ومنظمات وشخصيات علمية وفكرية، يهدف إلى رفع اللبس وبيان أن تلك التأويلات المختطفة لا تمثل المسلمين، وإنما تصدر عن أفراد معدودين على رؤوس الأصابع.
2. يغيب النقاش، في المقابل، حول النجاحات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي حققها أبناء المهاجرين، بل إن كثيرًا منهم ينتمي اليوم إلى الجيلين الثالث والرابع، ولم يعرف وطنًا غير فرنسا.
ومع ذلك، لا يُسلَّط الضوء على هذه الفئة الواسعة، ولا على دورها في خدمة المجتمع الفرنسي، فتُختزل الهجرة في صور العنف والتطرف، وهي حالات محدودة، بينما يُعتَّم على نماذج التفوق والمواطنة الإيجابية التي كان أحد روافدها الهجرة.
3. في المقابل، بدأت تظهر داخل فرنسا طبقة سياسية تتحلى بالشجاعة السياسية والأخلاقية في إنصاف المهاجرين، أو على الأقل المهاجرين القادمين من الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، والدفاع عن دورهم ومساهمتهم في مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والرياضية.
هذا، ويُعد المنتخب الفرنسي لكرة القدم، على سبيل المثال، حجة دامغة ومحرجة لأصحاب الفكر والسلوك العنصري.
غير أن هذه الأصوات كثيرًا ما تُهمَّش داخل الإعلام الفرنسي، وتعاني من تحيزات واضحة، وربما من تأثيرات وتوجهات تتجاوز الإطار الوطني الفرنسي، ولا تجعل من النقاش الديمقراطي السليم أولوية.
قد يقول قائل: لماذا ينبغي لنا أن نهتم بالانتخابات الفرنسية؟
والجواب بكل بساطة أن نتائج هذه الانتخابات تنعكس، بدرجات متفاوتة، على:
1. صناعة العدو في الخطاب السياسي، وتوظيف الهجرة والهوية لصرف النقاش عن القضايا الاجتماعية، مع بيان أن ما يجري في فرنسا ينعكس على المغرب.
2. ثمن رغيفنا اليومي.
3. مستقبل تعليمنا وصناعة نخبنا.
4. درجة تطور ثقافتنا وهويتنا، ومستوى دعمهما وحمايتهما.
وباختصار، فإن لهذه الانتخابات صدى يمتد إلى مختلف مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية في المغرب.
وإلى أن يثبت العكس، يبقى الاهتمام والمتابعة والرصد أمرًا ضروريًا وأساسيًا.
أما الذين لم يتجاوز اهتمامهم حدود الهدر المدرسي أو الانشغال بالحاجات الأولية، فقد لا تبدو لهم هذه الخيوط واضحة، لأن سقف الإدراك لديهم لم يتجاوز بعد مستوى الحاجات الأساسية، وفق ما يورده هرم أو مخروط ماسلو.





