الذكاء الاصطناعي والاستعمار الجديد

 

 

 

 

 

 

 الدكتور محمد الخمسي

 

 

 

في كلمة للسياسي الفرنسي، زعيم حركة “فرنسا الأبية”، جان لوك ميلونشون، وهو يتحدث عن الذكاء الاصطناعي وعلاقته بالولايات المتحدة الأمريكية، أكتفي بمختصر لكلمته ثم أعقّب عليها:

– المختصر:

1- في مواجهة ثورة رقمية تمضي قدمًا بالفعل، نردّ بـ”إنهاء الاستعمار الرقمي” في علاقتنا بالولايات المتحدة الأمريكية.

2- نردّ بتكريس السيادة الكاملة للشعب الفرنسي على تخزين البيانات، والحواسيب فائقة الأداء، والكابلات، وأنظمة الذكاء الاصطناعي.

3- سندعم، على الأراضي الفرنسية، ابتكار تلك القفزات التكنولوجية التي تترقبها البشرية، مثل الحاسوب الكمي.

4- نحن لا نضع ثقة عمياء في التكنولوجيا كما يفعل الآخرون، لكننا ملتزمون بأن نكون في طليعة كل ما من شأنه التخفيف من المعاناة الإنسانية وتعزيز علاقات متناغمة بين البشر والطبيعة.

انتهى ملخص مداخلته حول الذكاء الاصطناعي.

– التعقيب:

فيما يتعلق بالنقطة الثانية من مداخلته، فإنها تشير إلى أهمية البيانات والمعطيات وحساسيتها في استقلال القرار الاقتصادي والاجتماعي، وهو من صميم السياسة العليا للدولة. فالمعلومات والبيانات مفاتيح للأمن الشامل، ابتداءً من الأمن المائي والغذائي، وانتهاءً بحماية الممتلكات والأرواح. كما أن المعلومات المتعلقة بالوضع الصحي للشعوب تكتسي أهمية قصوى وحساسية بالغة في سوق الدواء والعلاج والصناعات الطبية.

أما النقطة الأولى، فهي اعتراف من سياسي له وزنه وذكاؤه ومساره، حين استعمل عبارة “الاستعمار الرقمي”، بما تعنيه من هيمنة على سيادة دولة أخرى. وإذا كان هذا هو وضع فرنسا، فكيف هو وضع أفريقيا كقارة، والمغرب من ضمنها؟

إنه الاستعمار الجديد والخفي الذي يشتغل ويتوسع باستمرار، حتى أصبحنا أمام استعمار ناعم لا تبدو عليه آثار العدوان الجسدي، لكن عدوانه من نوع آخر، يمتد إلى الثقافات والهويات والموارد، بل وإلى المعادن النفيسة والاستراتيجية التي يحتاج إليها تطوير الذكاء الاصطناعي.

أما النقطة الثالثة، فهي تعالج مسألة السيادة الفرنسية في مجال الذكاء الاصطناعي.

وباختصار، نحن أمام عودة نموذج آخر من الاستعمار، لا يحتاج إلى أن تعبر جيوشه الحدود الجغرافية، بل يكفي الارتباط بالشبكات العالمية حتى تتحول الدول والأنظمة إلى ما يشبه مريضًا يعيش على “آلة تنفس اصطناعي”؛ فإذا عُزل عنها تعطلت حياته الاجتماعية والاقتصادية، وشُلّت فاعليته السياسية.

وقد عبّر ميلونشون عن اليقظة إزاء الثقة العمياء في التكنولوجيا، بما يعني ضرورة أن تبقى سلطة الإنسان فوق الآلة، وأن يظل الإنسان هو المرجع في القرار.

وبناءً على ما سبق، فإذا كانت الرقمنة والذكاء الاصطناعي ضرورة فرضتها “حتمية تاريخية”، فلا ينبغي الاستسلام لكل الشروط المصاحبة لها دون حوار ونقاش عميقين، ودون عقول تساهم وتمتلك، ولو جزءًا من مساحة صناعة القرار داخل الدول المهددة بهذا النوع من الاستعمار، مستعينة بكل ما يمكن أن يحسن شروط الاستعمال، ويحمي المصالح، ويساهم في تطوير ما يجيب عن أسئلتنا ويواجه تحديات مجتمعاتنا.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...