التضليل الرقمي وهندسة الوعي: من صناعة المعلومات المضللة إلى تهديد المناعة المجتمعيّة
الدكتور محمد الخمسي
لم يعد التضليل الرقمي مجرد تداول عابر لمعلومة كاذبة أو مغلوطة، بل أصبح صناعة عالمية تتقاطع فيها التكنولوجيا مع علوم الإنسان، وتتحول فيها المعلومة من وسيلة للتواصل والمعرفة إلى أداة للتأثير والتوجيه وإعادة تشكيل الوعي.
وإذا كان الفضاء الرقمي قد أتاح فرصا غير مسبوقة للوصول إلى المعرفة وتبادل المعلومات، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو: كيف يمكن أن يتحول هذا الانفتاح نفسه إلى بيئة خصبة للتلاعب بالرأي العام وتقويض الثقة في الأفراد والمؤسسات؟
هدف التضليل الرقمي واضح جدا، ويدور حول:
1. فبركة ونشر معلومات كاذبة أو مغلوطة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي؛
2. سلوك منظم بغرض اختراق ثم توجيه الرأي العام وتحقيق مكاسب مشبوهة ضد الأفراد والمؤسسات؛
3. التقليل من دور الأفراد والمؤسسات وتقزيم حجمها ومهمتها عبر تشويه صورتها أو دورها أو مكانتها؛
4. بناء صورة سلبية والانتقاص من قدرات الأفراد والمؤسسات والتشكيك في المنجز، والدعاية للبدائل.
وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد خطأ في إنتاج المعلومة أو تداولها، وإنما بسلوك منظم يسعى إلى التأثير في الإدراك الجماعي. فما هي الآليات التي تجعل التضليل قادرا على الانتقال من معلومة مضللة إلى وعي مضلل؟
هناك مجموعة من آليات وأدوات التضليل:
1. الذباب الإلكتروني؛
2. حسابات وهمية ومبرمجة لشن هجمات منظمة؛
3. تزييف الوعي وتزوير النتائج، بل الوصول إلى عملية غسل الدماغ.
تم توظيف علوم إنسانية وتقنية بنوايا خبيثة، بحيث تقف وراء العملية مجموعة من الخبرات والمهارات، منها علم النفس، وخاصة التي تدرس طرق اختراق المجموعات والمجتمعات واعتماد الحروب النفسية، وعلم الاجتماع المتخصص في دينامية المجموعات، والمتخصصون في الدعاية والإشهار، وكل ذلك من أجل:
1. تصميم هندسة عاطفية متحكم في اتجاهاتها؛
2. استغلال خوارزميات المنصات لتضخيم الانقسامات الفكرية والسياسية والثقافية؛
3. تقليص قيمة المنجزات وتضخيم المنجزات المضادة أو المعادية؛
4. الإشراف على مطابخ رقمية، وهي شبكات تدار عبر خوادم مركزية توظف لتحقيق، على الأقل، أهداف عدوانية منها:
* الابتزاز السياسي والاقتصادي؛
* صناعة أحداث وقصص وصور غير أخلاقية لضرب المصداقية والسمعة والرصيد المعنوي؛
* الانتقاص من الرمزية، وهدم مفهوم القدوة؛
* الردع وإضعاف المواجهة.
وهكذا يصبح التضليل الرقمي بنية مركبة لا تشتغل على إنتاج الكذب فحسب، بل على صناعة الانطباع، وإعادة ترتيب الأولويات، والتحكم في الصورة الذهنية، وتقويض الثقة. ومن هنا، فإن مواجهته لا يمكن أن تظل محصورة في الجانب التقني، بل تستدعي بناء مناعة فردية ومؤسساتية ومجتمعية متكاملة.
في بعض أدوات المناعة:
1. دمج مادة للتربية الإعلامية داخل منظومة التربية والتعليم؛
2. تعزيز مهارات القراءة النقدية والتفكير النقدي لدى الشباب؛
3. دعم منصات التحقق، هدفها تقديم خدمة رقمية عمومية لتتبع الأخبار الزائفة وتفنيدها؛
4. الوعي بالجانب القانوني وعواقب التضليل الرقمي، طبعا مع حماية حرية التعبير ودعمها؛
5. مكافحة التضليل الإعلامي من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية.
التضليل الرقمي ودخول الأمم المتحدة على الخط: مقاربة قانونية دولية
نظرا للمخاطر التي تترتب عن التضليل الرقمي في شقه الإعلامي، أعربت الجمعية العامة للأمم المتحدة عن قلقها من انتشار المعلومات المضللة والدعائية، وترتب عن ذلك:
1. الترحيب بجهود الأمين العام الرامية إلى تعزيز التعاون الدولي في مجال مكافحة التضليل الإعلامي؛
2. قدم الأمين العام تقريرا إلى الجمعية العامة يستند إلى المعلومات وأفضل الممارسات التي تشترك فيها الدول وكيانات الأمم المتحدة وأصحاب المصلحة المعنيون بشأن مكافحة التضليل الإعلامي؛
3. بيّن الأمين العام في تقريره «مكافحة التضليل الإعلامي من أجل تعزيز وحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية» التحديات التي يشكلها التضليل الإعلامي وتدابير التصدي له؛
4. حدد الإطار القانوني الدولي ذا الصلة؛
5. ناقش التدابير التي أبلغت الدول ومؤسسات التقانة عن اتخاذها لمكافحة ذلك التضليل.
ومن المقاربة القانونية إلى المقاربة الاستثمارية: ارتفاع الفرص والمخاطر
تتطلب مكافحة التضليل الإعلامي استثمارا دائما في بناء القدرة المجتمعية على الصمود، وعلى اكتساب الدراية الإعلامية والمعلوماتية، من خلال أبعاد وتغيرات واقعية منها:
1. علاقة المعلومات وطبيعتها بالعصر الرقمي؛
2. رصد التحولات التقنية السريعة التي غيرت طرق تفاعل الناس وتواصلهم وسبل حصولهم على المعلومات في كل أرجاء العالم؛
3. امتلاك ساكنة العالم مجمل المعرفة البشرية في أجهزة يحملونها في كفوفهم، مما يعني سرعة تردد الأخبار والمعلومات في كل بقاع العالم في ثوان قليلة معدودة؛
4. ارتفاع الفرص المتاحة والمخاطر المحدقة بالمعلومات وإمكانية التضليل؛
5. فرص جديدة واسعة متاحة لأغراض التثقيف والتنظيم الإعلاميين؛
6. إعادة قراءة وتحليل ما وقع أثناء عمليات الإغلاق الصحية المتعلقة بجائحة كورونا، حيث كانت التقنيات ركيزة أساسية في إتاحة الحصول على المعلومات الصحية الحيوية وتيسير التعليم والعمل وما إلى ذلك، وما رافق ذلك من مخاطر التضليل وإمكانية التلاعب، سواء بالمعطيات أو بالرأي العام؛
7. عرفت تلك الفترة ارتفاع المعدل المتسارع لانتشار المعلومات المغلوطة والتضليل الإعلامي وخطاب الكراهية؛
8. سلطت جائحة كورونا الضوء على هذا الأمر، حيث جرت مناظرات بشأن التدابير الصحية على نطاق واسع؛
9. صعّبت وعقّدت المعلومات المغلوطة وممارسات التضليل الإعلامي تنفيذ تلك التدابير.
إن العصر الرقمي، بهذا المعنى، لا يرفع فقط من سرعة تداول المعلومات، وإنما يضاعف أيضا سرعة انتشار الخطأ والتلاعب. فالأداة نفسها التي تمكن المجتمع من الوصول إلى المعرفة في ثوان، يمكن أن تصبح قناة لإعادة إنتاج الوهم في الثواني ذاتها.
وهنا تتداخل الفرصة مع المخاطر: كيف نستفيد من الإمكانات الهائلة للتكنولوجيا دون أن نترك المجال مفتوحا أمام هندسة التضليل؟
الخلاصة
التضليل الرقمي من تحديات المجتمعات المعاصرة، وأحد أدوات الحروب المستقبلية التي انطلقت ولن تتوقف. والحماية من التضليل الرقمي في المجال الإعلامي تحتاج إلى استثمار وشراكة كاملة بين مؤسسات حكومية وقطاع خاص وهيئات مدنية للحماية من هذا النوع من التضليل.
ومن هنا تكمن أهمية الجمعيات المدنية الفاعلة في التوعية الرقمية، ليس باعتبارها طرفا مكملا فحسب، وإنما باعتبارها أحد مكونات المناعة المجتمعية. فالمواجهة الحقيقية لا تقوم على حجب المعلومات أو التضييق على حرية التعبير، وإنما على بناء مجتمع يمتلك القدرة على التحقق، والتمييز، والقراءة النقدية، وفهم آليات التأثير، والوعي بالحقوق والمسؤوليات.
وعندما تصبح المعلومة ساحة للصراع، تصبح حماية الوعي العام مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمؤسسات والمنصات الرقمية؛ لأن المعركة لم تعد فقط حول ما نعرفه، بل حول من يملك القدرة على تشكيل ما نعتقد أننا نعرفه.





