مشروع مصنع مراكش للكوبالت يتقدم.. فهل يمنح المغرب فرصة لاستعادة موقعه في سوق المعادن الاستراتيجية بعد تراجع الإنتاج في 2025؟
في وقت تشير فيه المؤشرات الدولية إلى تراجع إنتاج المغرب من معدن الكوبالت خلال السنوات الأخيرة، تتجه الأنظار إلى المشروع الصناعي الجاري إنجازه بضواحي مدينة مراكش، باعتباره خطوة قد تعيد رسم موقع المملكة داخل سلسلة الصناعات المرتبطة بالمعادن الاستراتيجية.
فالمشروع لا يقتصر على استخراج مادة خام أو تصديرها في شكلها الأولي، بل يراهن على الانتقال نحو مرحلة ذات قيمة مضافة أعلى تقوم على تصنيع مشتقات تدخل مباشرة في الصناعات التكنولوجية الحديثة، وعلى رأسها بطاريات السيارات الكهربائية.
وتتواصل حاليا أشغال بناء مصنع لإنتاج كبريتات الكوبالت بمنطقة خماسة الواقعة في محيط مدينة مراكش، تحت إشراف مجموعة “مناجم”، في إطار توجه صناعي يستهدف تعزيز حضور المغرب في منظومة تصنيع مكونات المركبات الكهربائية، خاصة في ظل الارتفاع المتواصل للطلب العالمي على المعادن الضرورية لصناعة البطاريات.
ويكتسي المشروع أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة المادة التي سيختص بإنتاجها، فكبريتات الكوبالت تعد من المواد الأساسية التي تدخل في تصنيع بطاريات الليثيوم الموجهة للسيارات الكهربائية، وهي صناعة تشهد تحولات متسارعة على المستوى الدولي مع توسع الأسواق واعتماد سياسات الانتقال نحو الطاقات النظيفة.
ويأتي هذا التوجه الصناعي في لحظة تفرض فيها المعطيات العالمية تحديات جديدة على المغرب في قطاع الكوبالت، بعدما كشفت “المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية 2026” عن تراجع مستويات الإنتاج الوطني لهذا المعدن خلال العام الماضي.
وبحسب المعطيات الواردة في التقرير، فقد بلغ إنتاج المغرب من الكوبالت نحو 1100 طن خلال سنة 2025، مقابل 1300 ألف طن في السنة التي سبقتها، وهو ما يعكس انخفاضا سنويا ملحوظا، كما تشير البيانات إلى أن المملكة سجلت خلال العقد الأخير اتجاها تنازليا في مستويات الإنتاج، بمعدل تراجع سنوي متوسط.
ولا يرتبط هذا التراجع فقط بحجم الإنتاج، بل يشمل أيضا وضعية الاحتياطيات المتوفرة، إذ تظل حصة المغرب من الاحتياطيات العالمية محدودة للغاية، وهو ما يقلص هامش المناورة أمامه في سوق دولية تشهد منافسة متزايدة على المعادن المصنفة ضمن المواد الحرجة والاستراتيجية.
وفي المقابل، يواصل الطلب العالمي على الكوبالت تسجيل مستويات مرتفعة مدفوعا بالتوسع الكبير لصناعة السيارات الكهربائية والبطاريات القابلة لإعادة الشحن.
وتشير البيانات الدولية إلى أن الإنتاج العالمي من الكوبالت تجاوز خلال سنة 2025 مستوى 273 ألف طن، محافظا على منحى تصاعدي على امتداد السنوات الأخيرة رغم بعض التراجعات الظرفية.
ويأتي مصنع مراكش ليمكن المغرب من التقدم خطوة جديدة أمام المنافسة الدولية المحتدمة، فسوق الكوبالت بات يعرف تمركزا قويا لدى عدد محدود من المنتجين الكبار، وفي مقدمتهم تأتي جمهورية الكونغو الديمقراطية التي تهيمن على الجزء الأكبر من الإنتاج العالمي، بعدما تجاوز إنتاجها ثلثي المعروض العالمي، إلى جانب امتلاكها الجزء الأهم من الاحتياطيات المعروفة.
كما برزت إندونيسيا خلال السنوات الأخيرة باعتبارها فاعلا صاعدا في القطاع، بعدما رفعت إنتاجها بشكل لافت، بينما تحافظ دول مثل أستراليا وكندا وروسيا والصين على مواقعها داخل السوق وإن بحصص أقل.
وسط هذا الواقع، يبدو أن الرهان المغربي لم يعد قائما فقط على رفع كميات استخراج الكوبالت الخام، وإنما على تغيير موقعه داخل السلسلة الصناعية نفسها، فبدل الاكتفاء بدور المنتج الأولي، تتجه المملكة نحو الاستثمار في مراحل التحويل والتصنيع التي توفر قيمة اقتصادية أعلى وعائدا أكبر.
ومن هنا تبرز أهمية مصنع مراكش الجديد، باعتباره جزءا من استراتيجية أوسع تستهدف الاندماج في سلاسل القيمة الخاصة بصناعة السيارات الكهربائية. فإنتاج كبريتات الكوبالت لا يعني مجرد تحويل مادة معدنية، بل يضع المغرب في موقع أقرب إلى الصناعات النهائية التي تشهد نموا عالميا متسارعا.
كما أن المشروع ينسجم مع التوسع الذي يعرفه قطاع السيارات بالمغرب خلال السنوات الأخيرة، والذي أصبح أحد أبرز القطاعات الصناعية المصدرة بالمملكة، وقد فتحت الطفرة العالمية في مجال التنقل الكهربائي المجال أمام فرص جديدة لجذب الاستثمارات المرتبطة بالبطاريات والمكونات الصناعية ذات الصلة.
ويرى متابعون للشأن الصناعي أن تعزيز الصناعات التحويلية قد يشكل بديلا أكثر فعالية من الاعتماد الحصري على رفع الإنتاج الخام، خاصة بالنسبة لدول لا تتوفر على احتياطيات ضخمة، فالقيمة الاقتصادية أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرة الدول على تصنيع المواد وتحويلها إلى منتجات تدخل في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.
وبهذا المعنى، قد لا يكون مصنع كبريتات الكوبالت بمراكش مجرد منشأة صناعية جديدة، بل خطوة ضمن مسار يسعى إلى تحويل التحديات المرتبطة بتراجع الإنتاج إلى فرصة لإعادة تموقع المغرب داخل سوق المعادن الاستراتيجية، عبر الانتقال من منطق استخراج الموارد إلى منطق التصنيع والاندماج في الصناعات المستقبلية.
المصدر: الصحيفة





