من “العفاريت والتماسيح” إلى الصراع مع الهمة وأزولاي.. قاموس بنكيران الذي يُشعل الجدل السياسي ويُغضب القصر
لم يكن عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية ورئيس الحكومة الأسبق، يوما، سياسيا تقليديا في طريقة تواصله مع الرأي العام، فمنذ بروزه في واجهة المشهد السياسي أواخر سنوات التسعينات، ارتبط اسمه بخطاب مباشر يعتمد على الدارجة المغربية، ويستعين بالأمثال الشعبية والتعابير غير المألوفة، وهو ما جعل العديد من تصريحاته تتحول إلى مادة للنقاش السياسي والإعلامي، بل وإلى مفردات راسخة في القاموس السياسي المغربي.
آخر هذه المحطات جاءت خلال لقائه التواصلي بمدينة الصويرة، استعدادا للاستحقاقات الانتخابية التشريعية المنتظرة شهر شتنبر المقبل، حين استعمل كلمة “قندوح” في سياق حديثه عن جزء من المؤسسة الملكية، متمثلا في بعض مستشاري العاهل المغربي، لتعود تصريحاته مرة أخرى إلى صدارة النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، غير أن هذه الواقعة ليست الأولى، إذ سبقتها محطات أخرى أثارت جدلا واسعا، واختلفت ردود الفعل بشأنها بين من اعتبرها أسلوبا شعبيا في التعبير، ومن رأى فيها خروجا عن لغة الخطاب السياسي.
2012.. دخول “العفاريت والتماسيح” إلى قاموس السياسة
خلال الأشهر الأولى من توليه رئاسة الحكومة، وفي خضم النقاش حول الصعوبات التي كانت تواجه تنفيذ برنامجه الحكومي، أطلق عبد الإله بنكيران، في سنة 2012، عبارته الشهيرة “التماسيح والعفاريت”، التي سرعان ما تحولت إلى إحدى أكثر الجمل تداولا في الحياة السياسية المغربية، وكان حينها يشير إلى ما يعتبرهم مراكز قوة “تقاوم” نهجه “الإصلاحي”.
ولم يسم بنكيران آنذاك أي جهة أو شخص بعينه، لكنه استعمل الوصف للإشارة إلى ما اعتبره مراكز نفوذ تعمل، بحسب تقديره، على مقاومة الإصلاح وإعاقة تنفيذ عدد من القرارات الحكومية، وهو ما فتح الباب أمام تأويلات متعددة حول الجهات التي كان يقصدها، وذهبت بعض القراءات إلى أشخاص مقربين من القصر الملكي، وأخرى إلى فاعلين سياسيين ذوي نفوذ اقتصادي كبير.
وأثارت العبارة نقاشا واسعا داخل البرلمان ووسائل الإعلام، كما أصبحت موضوعا لتعليقات وتحليلات سياسية امتدت لسنوات، بعدما تحولت إلى رمز للصراع بين الحكومة وبعض دوائر النفوذ، في وقت تمسك فيه بنكيران مرارا بأنه قصد توصيف ظاهرة سياسية أكثر من استهداف أشخاص بعينهم.
ولم تتوقف تداعيات التصريح عند حدود النقاش السياسي، بل انتقل إلى الثقافة الشعبية، إذ باتت عبارة “التماسيح والعفاريت” تستخدم في العديد من السياقات اليومية، وأصبحت واحدة من أكثر العبارات ارتباطا بشخصية بنكيران وخطابه السياسي.
2016.. “مسامير المايدة” والدعم المباشر
في يونيو من سنة 2016، وخلال تجمع خطابي بمدينة القنيطرة في إطار الحملة الانتخابية لشبيبة حزب العدالة والتنمية، عاد عبد الإله بنكيران إلى أسلوبه المعتاد في توظيف التعابير الشعبية، مستعملا عبارة “مسامير المايدة” في معرض حديثه عن الصعوبات التي قال إنه واجهها أثناء قيادة الحكومة، وتحديدا في الشق المتعلق بمنح الأسر المعوزة دعما مباشرا إثر تقليص العمل بصندوق المقاصة.
وأوضح بنكيران أن حكومته كانت تعتزم توجيه جزء من الأموال التي وفرتها إصلاحات صندوق المقاصة نحو دعم الفئات الاجتماعية الهشة، غير أنه اعتبر أن أطرافا نافذة حالت دون تنفيذ هذا التوجه، مستعينا بتعبير “مسامير المايدة” لوصف أشخاص، لم يسمهم، قال إنهم تمسكوا ببقاء الأوضاع على حالها وعرقلوا عددا من المبادرات الحكومية.
ولم يحدد رئيس الحكومة آنذاك هوية الأشخاص الذين كان يقصدهم، الأمر الذي فتح الباب أمام موجة واسعة من التأويلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية، حيث ربط البعض العبارة بما وصفه بنكيران في مناسبات أخرى بـ”جيوب المقاومة”، بينما رأى آخرون أنها تعكس استمرار التوتر بين الحكومة وبعض مراكز القرار خلال تلك المرحلة.
وسرعان ما تحولت عبارة “مسامير المليدة” إلى واحدة من أكثر المصطلحات تداولا في النقاش السياسي آنذاك، لتنضم إلى سلسلة من التعابير التي التصقت بخطاب بنكيران، مثل “التماسيح والعفاريت”، وقد اعتبرها مؤيدوه محاولة لتبسيط النقاش السياسي وتقريبه من المواطنين، في حين رأى منتقدوه أنها تضفي الغموض على الخطاب العام وتترك المجال مفتوحا أمام تفسيرات متباينة بشأن الجهات المقصودة.
2017.. البلوكاج وزيارة الهمة
بعد أشهر من تعثر مشاورات تشكيل الحكومة عقب انتخابات 2016، أصدر الملك محمد السادس، في 15 مارس 2017، قرارا بإعفاء عبد الإله بنكيران من مهمة تشكيل الحكومة، قبل تكليف سعد الدين العثماني باستكمال المشاورات، وذلك بعد أن نجح رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، عزيز أخنوش، وحلفاؤه، في دفع المشاورات نجو الطريق المغلقة، في ما عُرف إعلاميا بـ”البلوكاج”.
وبعد أيام قليلة من الإعفاء، استقبل بنكيران في منزله مستشار الملك فؤاد عالي الهمة، في زيارة أثارت اهتماما واسعا، خصوصا بعد انتشار تأويلات متباينة بشأن مضمون اللقاء، وهو ما فتح الباب أمام موجة جديدة من الجدل السياسي والإعلامي.
وتوالت بعد ذلك تصريحات بنكيران التي تناول فيها الزيارة وظروفها، قبل أن يصدر فؤاد عالي الهمة بيانا نادرا نفى فيه عددا من الروايات التي راجت بشأن اللقاء، مؤكدا أن ما جرى تداوله لا يعكس حقيقة الزيارة، وهو ما أعاد القضية إلى واجهة النقاش العمومي.
وترددت في أوساط سياسية وإعلامية أن الدافع للزيارة حينها، كان هو أحداث الريف التي عاشها إقليم الحسيمة، ما دفع الهمة إلى خروج إعلامي نادر نفى فيه ذلك، قائلا إن الأمر كان يتعلق بزيارة شخصية، وأنه لم يكن مبعوثا من طرف الملك لمناقشة تلك الأحداث مع رئيس لحكومة السابق.
وشكلت تلك الواقعة إحدى أبرز المحطات التي ارتبط فيها اسم بنكيران بشكل مباشر بأحد مستشاري الملك، وظلت تستحضر في العديد من المناسبات السياسية باعتبارها من أكثر الملفات التي أثارت نقاشا واسعا بعد مرحلة “البلوكاج” الحكومي.
تصريحات متواصلة تغضب القصر
بعد عودته إلى قيادة حزب العدالة والتنمية، واصل بنكيران حضوره القوي في اللقاءات الحزبية، معتمدا الأسلوب نفسه الذي اشتهر به منذ سنوات، والقائم على مخاطبة الجمهور بلغة بسيطة وتوظيف أمثلة من الحياة اليومية، وهي تصريحات تحولت في الكثير من الأحيان إلى نقطة البداية لجدل سياسي وإعلامي.
وفي أكثر من مناسبة خلال سنتي 2024 و2025، شدد على ضرورة عدم الزج بالمؤسسة الملكية في التجاذبات السياسية، مؤكدا أن الملك محمد السادس هو ملك لجميع المغاربة، وأن الخلافات الحزبية يجب أن تبقى بعيدة عن المؤسسة الملكية.
وفي المقابل، لم يتردد في توجيه انتقادات لبعض الفاعلين السياسيين والإداريين، معتبرا أن بعضهم يسعى إلى توظيف اسم الملك في النقاش السياسي، وهو ما أثار ردود فعل متباينة بين مؤيدين اعتبروا تصريحاته دفاعا عن المؤسسة الملكية، ومنتقدين رأوا أنها تحمل إيحاءات سياسية غير مباشرة.
وأكد بنكيران في أكثر من لقاء أن مواقفه لا تستهدف المؤسسة الملكية، وإنما تركز على ما يعتبره ممارسات سياسية خاطئة، وهو خطاب ظل يرافق مختلف خرجاته الإعلامية والحزبية خلال السنوات الأخيرة.
هذا الاستدعاء المستمر لعلاقته بالملك خلال فترة ترؤسه للحكومة، لم يحظَ بالقبول لدى العديد من رفاق درب بنكيران، لعل أبرزهم مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات، ثم وزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان، والذي كشف في شهادات مصورة أن لسان بنكيران سبق أن تسبب له مرارا في صدام مباشر مع القصر، كما أن الملك حذره بشكل شخصي من بعض التصريحات.
2026 “قندوح”: كلمة جديدة وصدام جديد
في الخامس من يوليوز 2026، عاد اسم عبد الإله بنكيران ليتصدر النقاش العمومي، بعدما استعمل خلال لقاء تواصلي مع أعضاء المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية بمدينة الصويرة كلمة “قندوح”، في سياق حديثه عن العلاقة بين العمل السياسي والمؤسسة الملكية، وتحديدا، المستشاران فؤاد عالي الهمة وأندري أزولاي، منبها إلى أن العاهل المغربي يمثل جدار الصد أمام محاولات بعض الأشخاص التسلط على المغاربة.
وخلال مداخلته، شدد على أن المغاربة يجمعهم ملك واحد هو الملك محمد السادس، قبل أن يستحضر اسمي مستشاري الملك أندري أزولاي وفؤاد عالي الهمة، ثم يطلق الكلمة في إشارة إلى شخص ثالث لم يسمه، وهو ما أثار تفاعلا واسعا داخل القاعة، حيث قوبلت العبارة بالضحك قبل أن تنتشر مقاطع الفيديو الخاصة بها على مختلف منصات التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما تحولت الكلمة إلى محور للنقاش، إذ انشغل متابعون بمحاولة معرفة المقصود بها، بينما تداول آخرون معناها في الدارجة المغربية، باعتبارها وصفا يطلق على شخص غير مستحب أو غير مرغوب فيه، في حين انقسمت الآراء بين من رأى فيها امتدادا لأسلوب بنكيران المعروف في استعمال التعابير الشعبية، ومن اعتبرها غير مناسبة لخطاب سياسي.
وأعادت هذه الواقعة إلى الواجهة الجدل القديم حول أسلوب بنكيران في التواصل، الذي ظل، على امتداد أكثر من عقد من الزمن، يعتمد على مفردات شعبية وعبارات غير مألوفة، جعلت كثيرا من خطاباته تتجاوز مضمونها السياسي لتتحول إلى أحداث إعلامية ونقاشات واسعة داخل الفضاء العام.
المصدر: الصحيفة





