مارك فايفل
نائب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض في عهد الرئيس جورج دبليو بوش.
حقق دونالد ترمب في أنقرة الانتصار الذي كان يطمح إليه في إطار حلف الناتو: إعادة تأكيد المادة الخامسة أو “مبدأ الدفاع الجماعي”، وتخصيص 70 مليار يورو إضافية كمساعدات عسكرية لأوكرانيا، وإحراز تقدم كاف في مسألة تقاسم الأعباء ليتمكن من إعلان النجاح.
وفي غضون ساعات، أجبرت الهجمات الإيرانية- على السفن التجارية في مضيق هرمز، والرد الأمريكي، والضربات الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية باتجاه الكويت والبحرين- واشنطن على العودة إلى حالة التأهب للأزمات العسكرية.
وغادر ترمب أنقرة وهو يتصدر عناوين الأخبار، وإيران هي التي قررت ما حدث بعد ذلك.
كشفت مذكرة التفاهم عن الاختلاف بين الجانبين: واشنطن خططت للتنفيذ، أما طهران فخططت للمقاومة.
بدت خطوات الإدارة الأمريكية واضحة: إعادة فتح مضيق هرمز، وتأمين اليورانيوم المخصب، وبدء عمليات التفتيش، ثم تقديم الإغاثة المالية.
أما إيران فاتبعت تسلسلا مختلفا: فقد حافظت على قدرتها على تهديد الملاحة البحرية، وأخرت عملية التحقق الفعلي للاتفاق، وأبقت على حزب الله كورقة ضغط في لبنان، وانتظرت حتى تعلن واشنطن عن إحراز تقدم قبل اختبار حدود الاتفاق.
كانت واشنطن قد تفاوضت على مذكرة تفاهم، أما طهران فقد أعدت حملة.
على مدى ما يقرب من 5 عقود، دأبت إيران على تحويل الضغط بدلا من استيعابه، فيتحول الضغط العسكري إلى ضغط على الملاحة البحرية، ويتحول الضغط على الملاحة البحرية إلى ضغط في مجال الطاقة، وكذلك يتحول الضغط في مجال الطاقة إلى ضغط سياسي.
ولا تزال واشنطن تقسم المشكلة بين الوزارات، أما طهران فتتعامل معها على أنها أجزاء من نفس الصراع.
لا تحتاج إيران إلى هزيمة البحرية الأمريكية أو إغراق كل ناقلة تدخل المضيق، بل تحتاج إلى أن يقتنع قباطنة السفن وطواقمها وشركات التأمين والحكومات بأن أي عبور قد يتحول إلى المواجهة العسكرية التالية.
تسعى إيران لتحويل مضيق هرمز إلى طريق برسوم مرور تفرض بواسطة الصواريخ والطائرات المسيرة والقوارب السريعة. ورسالتها صريحة: ادفعوا لنا رسوم المرور ولن نقصفكم.
هذا ليس نزاعا حول تكاليف الشحن، فإيران تستخدم القوة لتقرر من يحق له عبور أحد أهم الممرات المائية في العالم وتحت أي شروط.
وتتبع العواقب الاقتصادية العنف، حيث يواجه البحارة الخطر، وتتوقف السفن التجارية أو تغير مسارها، وترتفع أسعار النفط، وترسل الحكومات قوات عسكرية مرة أخرى إلى المنطقة.
وتستخدم إيران نفس الأسلوب في برنامجها النووي وفي جنوب لبنان، فعدم اليقين بشأن اليورانيوم المخصب يحافظ على نفوذها في مواجهة العقوبات.
أما أسلحة حزب الله وشبكاته المالية ونفوذه السياسي فلم يمس، فحافظت بذلك على نفوذها داخل لبنان، فيما تحافظ التهديدات في هرمز على نفوذها بالمنطقة والاقتصاد العالمي الأوسع.
لن تحل مذكرة أخرى هذه المشكلة، ولن تحلها جولة أخرى من الاجتماعات أيضا.
يجب على الوكالة الدولية للطاقة الذرية استئناف عمليات التفتيش اليومية، ويحتاج المفتشون إلى الوصول إلى المنشآت النووية، والأختام، والكاميرات، والعينات، والسجلات، ومخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
ويجب على واشنطن وشركائها حجب الإغاثة المالية الكبيرة حتى يحصل المفتشون على حق الوصول الكامل وإنشاء سلسلة حيازة واضحة.
ولا يمكن لإيران أن تحصل على المزايا أولا وتتفاوض بشأن التحقق بعد ذلك. التحقق أولا، فلا ثقة في شيء.
ويحتاج لبنان إلى إجراءات على الأرض، فالاجتماعات والتوقيعات لن تزيل حزب الله من جنوب لبنان، كما يجب على الجيش اللبناني استعادة السيطرة حيا حيا وقرية قرية، مع العمل المتزامن للدعم الاستخباراتي، وفرض الأمن على الحدود، واعتراض الأسلحة، والتحقيقات المالية.
لقد قدمت الولايات المتحدة ما يقرب من 200 مليون دولار لتعزيز قوة الجيش اللبناني، ومساعدته على استعادة جنوب لبنان من حزب الله. لا يمكن لإسرائيل ولبنان أن يواصلا عقد الاجتماعات ووصف ذلك بأنه تقدم، عليهما تنفيذ الإطار كل يوم والرد على كل انتهاك.
يجب على قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) أن تتوقف عن حساب عدد الاجتماعات وتبدأ في حساب النتائج.
أين استعاد الجيش اللبناني السيطرة؟ أين لا يزال حزب الله ينشط؟ أين يمكن لقوات حفظ السلام التحرك بحرية؟ إذا لم تستطع “يونيفيل” مساعدة الدولة اللبنانية على استعادة سيادتها في الجنوب، فإن ولايتها وتمويلها يستحقان إعادة نظر جادة.
كما يتطلب مضيق هرمز تشكيل تحالف أوسع، فقد عرضت فرنسا وبريطانيا وحلفاء آخرون المساعدة في حماية الملاحة التجارية.
وينبغي لواشنطن قبول تلك المساعدة وتشكيل بعثة تحالفية تتبادل المعلومات الاستخباراتية، وترافق السفن، وتزيل الألغام، وتعمل مباشرة مع طواقم السفن وشركات الشحن وشركات التأمين.
وينبغي للولايات المتحدة أن تقود هذا الجهد، لكن لا ينبغي لها أن تتحمل العبء بمفردها في حين تعتمد أوروبا وآسيا على نفس الممر المائي.
لقد أرسلت المملكة العربية السعودية وقطر وعمان والعراق ممثلين إلى جنازة آية الله علي خامنئي، في الوقت الذي كانت فيه بلدانها تتحمل الضغوط الإيرانية على طرق الشحن والقواعد العسكرية والأمن الإقليمي. تعتمد دول الخليج على الشراكة الأمنية الأمريكية، لكنها ستظل جارة لطهران عندما تنتهي هذه الأزمة.
إنها تسعى إلى الحصول على الضمانات الأمنية الإستراتيجية من الولايات المتحدة دون تحويل بلدانها إلى ساحة معركة لكل مواجهة أمريكية-إيرانية، وطهران تدرك هذا الأمر وتستغله.
إن واشنطن تقسم مشكلة إيران بين الوزارات، أما طهران فلا تفعل ذلك.
تتولى وزارة الخارجية الشؤون الدبلوماسية، ويدير البنتاغون العمليات العسكرية والمرافقة البحرية، وتدير وزارة الخزانة العقوبات، وتتعقب وكالات الاستخبارات الشبكات الإيرانية، ويراقب مسؤولو الطاقة النفط والغاز الطبيعي المسال، وتشرح فرق الاتصالات القرارات بعد أن تبدأ الأحداث في التطور.
في المقابل، تستخدم طهران اليورانيوم والوكلاء وتخفيف العقوبات والدبلوماسية ووسائل الإعلام والشحن البحري كحملة واحدة.
وما لم تنظم واشنطن جهودها حول نقاط النفوذ بدلا من الحدود البيروقراطية، فستستمر طهران في وضع الاختبار التالي.
ولهذا السبب جادلت مؤخرا في “ريال كلير ديفانس” (RealClearDefense)- موقع دراسات وبحوث سياسية وعسكرية- بأن واشنطن بحاجة إلى “مبدأ الضغط”: خريطة يومية واحدة توضح أين يمارس الضغط، ومن يتحمله، وإلى أين يتجه بعد ذلك، وكيف يخطط الخصم للرد عليه.
لم تفشل المذكرة مع إيران فحسب، بل كشفت أن واشنطن كانت تخطط للمرحلة الأولى، بينما كانت طهران قد انتقلت بالفعل إلى المرحلة الثانية.
الحكومة التي تمارس الضغط دون الاستعداد للضغط المضاد لا تنفذ إستراتيجية، إنها تقامر.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





