كيف تعيد الضربات الأمريكية تشكيل اقتصاد إيران؟

إيطاليا تلغراف متابعة

لم تعد الضربات الأمريكية على السواحل الإيرانية تستهدف تغيير موازين الميدان العسكري فحسب، بل باتت تضغط بصورة متزايدة على ركائز الاقتصاد الإيراني، عبر استهداف الموانئ وشبكات الإمداد والبنية اللوجستية المرتبطة بمضيق هرمز، في مسعى لرفع كلفة الحرب على طهران وتقليص قدرتها على الصمود.

ويكشف هذا التحول عن انتقال المواجهة من استنزاف القدرات العسكرية إلى استهداف مقومات النشاط الاقتصادي، بحيث تصبح حركة التجارة والطاقة والتمويل جزءا من ساحة الصراع، بينما يتزايد التساؤل حول مدى قدرة الاقتصاد الإيراني على تحمل ضغوط حرب طويلة الأمد.

وعبر الشاشة التفاعلية على الجزيرة، أوضح محمد رمال أن التصعيد الحالي يختلف عن الجولات السابقة، إذ تحولت الضربات الأمريكية من عمليات محدودة زمنيا إلى حملة متواصلة، بدأت باستهداف مراكز الدفاع الجوي والرادارات في العمق الإيراني، قبل أن تمتد تدريجيا إلى طول الساحل الجنوبي المطل على الخليج.

وأضاف أن المرحلة اللاحقة ركزت على إضعاف السيطرة الإيرانية على المجال البحري، عبر استهداف المواقع الساحلية بصورة شبه يومية، بعدما ربطت واشنطن بين هذه العمليات والهجمات التي تعرضت لها الملاحة في مضيق هرمز، لتصبح السواحل الإيرانية محور المواجهة العسكرية الجديدة.

وأشار رمال إلى أن الساعات الأخيرة شهدت انتقالا لافتا نحو استهداف البنية اللوجستية، من خلال ضرب 6 جسور في بندر خمير، وهي عقدة تربط ميناء بندر عباس الإستراتيجي بجزيرة قشم والطرق المؤدية إلى الداخل الإيراني، بما يحد من تدفق الإمدادات نحو مسرح العمليات.

وأوضح أن أهمية هذه الضربات لا تقتصر على بعدها العسكري، بل تمتد إلى دورها في تعطيل الحركة التجارية داخل أحد أهم الممرات الاقتصادية الإيرانية، وهو ما انعكس على النقل البحري وحركة البضائع، في وقت يعتمد فيه جزء كبير من النشاط الاقتصادي الإيراني على كفاءة هذه الشبكات.

ومن جانبه، قال الخبير العسكري والإستراتيجي العقيد نضال أبو زيد إن واشنطن استفادت من دروس الجولة السابقة، بعدما أدى الاستهلاك الكبير للصواريخ الدقيقة والذخائر إلى مراجعة خططها، لتتبنى أسلوبا أكثر انتقائية في الاستهداف، يحقق الأثر العسكري المطلوب بأقل كلفة ممكنة.

ويضيف العقيد نضال أبو زيد أن الولايات المتحدة باتت تعتمد ما يعرف عسكريا بمنهجية الاستهداف المتدرج، التي تبدأ بتحديد الهدف وتثبيته وتتبع تحركاته قبل مهاجمته وتقييم نتائج الضربة، وهو ما يسمح بتقليص استهلاك الذخائر الدقيقة وإطالة قدرة القوات على مواصلة العمليات.

اقتصاد تحت الضغط

وفي قراءته للانعكاسات الاقتصادية، يرى الأكاديمي والخبير في اقتصاديات الدفاع الدكتور غازي إبراهيم العساف أن السؤال لم يعد يدور حول ما إذا كان مضيق هرمز مفتوحا أو مغلقا، بل حول الكلفة الاقتصادية للمرور عبره، بعدما أصبحت المخاطر نفسها جزءا من معادلة تسعير النقل والتجارة.

ويشير العساف إلى أن هذا التحول يحمل أثرا مباشرا على الاقتصاد الإيراني، لأن نحو 90% من تجارة البلاد الخارجية تمر عبر المضيق، ما يعني أن أي ارتفاع في تكاليف العبور أو التأمين أو القيود البحرية ينعكس سريعا على حركة الصادرات والواردات والإيرادات العامة.

ويؤكد أن تقييم قدرة إيران على الصمود يتطلب التمييز بين مفهومين مختلفين؛ الأول هو انكماش الاقتصاد، والثاني هو قدرته على تمويل الحرب، فالتراجع في النمو لا يعني بالضرورة الانهيار، بينما يصبح الخطر الحقيقي عندما تعجز الدولة عن توفير الموارد اللازمة لاستمرار عملياتها.

ويضيف أن إيران، رغم الضغوط المتزايدة، لم تصل بعد إلى هذه المرحلة، إذ لا تزال كلفة تمويل المجهود الحربي أقل من الكلفة التي يمكن أن يفرضها تعطيل الملاحة بالكامل في مضيق هرمز، وهو ما يمنحها هامشا للاستمرار رغم الضغوط الاقتصادية.

ويلفت العساف إلى أن الأزمة لا ترتبط بقدرة إيران على إنتاج النفط، بل بصعوبة تحصيل عائداته، إذ ما تزال نحو 190 مليون برميل عائمة في البحر، تتجاوز قيمتها 15 مليار دولار، وتتجه غالبية هذه الشحنات إلى الأسواق الآسيوية، وفي مقدمتها الصين.

ويحذر من أن استمرار تعطل التدفقات المالية سيعمق الاختلال داخل الاقتصاد الإيراني، لأن النفط يفقد جزءا كبيرا من قيمته عندما يتأخر تحصيل ثمنه، وهو ما يضغط على السيولة العامة ويقيد قدرة الحكومة على تمويل الإنفاق والاستثمار في آن واحد.

مكاسب وتساؤلات

ويشير العساف إلى أن أسواق الطاقة استطاعت خلال الأشهر الماضية امتصاص جزء من الصدمة بالاعتماد على المخزونات الإستراتيجية، ولا سيما في الصين، التي تمتلك احتياطيات تكفي ما بين 60 و70 يوما، إلا أن هذه الآلية لا توفر حلا دائما إذا استمرت الأزمة لأشهر إضافية.

ويضيف أن استمرار التصعيد سيؤدي إلى اتساع الفجوة بين العرض والطلب، خاصة مع اتجاه الدول الأوروبية إلى زيادة التخزين استعدادا لمواسم الاستهلاك المقبلة، وهو ما يرفع الطلب العالمي ويزيد الضغوط على الأسعار، ويعمق الاختلالات في أسواق الطاقة.

وفي موازاة ذلك، قال العقيد أبو زيد إن استنزاف مخزونات الصواريخ الدقيقة دفع الجيش الأمريكي إلى ترشيد استخدامها، لأن إنتاج صاروخ “توماهوك” الواحد يحتاج ما بين 18 و28 شهرا، الأمر الذي فرض الاعتماد بصورة أكبر على الطائرات والزوارق غير المأهولة وتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وأضاف أن أي زيادة في الموازنة الدفاعية الأمريكية ستنعكس على رفع إنتاج الذخائر الدقيقة وتوسيع برامج الجيل الجديد من المنصات غير المأهولة، بما يكرس نمطا عملياتيا جديدا تحكمه اعتبارات الكلفة الاقتصادية بقدر ما تحكمه الأهداف العسكرية.

من جانبه، يرى العساف أن شركات الصناعات الدفاعية الأمريكية لا تواجه أزمة في الطلب، لأن دفاتر الطلبيات ممتلئة بالفعل، وإنما تكمن المشكلة في سرعة التسليم، إذ يتطلب توسيع خطوط الإنتاج واستكمال البنى التحتية سنوات قبل تلبية الطلبات الجديدة.

ويضيف أن شركات مثل “لوكهيد مارتن قلعة السلاح الأمريكي” و”آر تي إكس” و”جنرال دايناميكس” مرشحة لتحقيق مكاسب كبيرة على المدى المتوسط، لكنها تواجه في الوقت نفسه تحديات مرتبطة بإمدادات المعادن والمواد الخام، وهي اختناقات تفاقمت بفعل الاضطرابات التي أصابت سلاسل التوريد العالمية.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...