ذ.أحمد براو

في الوعي الأوروبي العام ترسخت فكرة تبدو للوهلة الأولى بديهية: أن الدين قد غادر المسرح السياسي الغربي، وأنه لم يعد جزءًا من الحداثة، وأن الديمقراطيات الليبرالية تجاوزته كما تتجاوز آثار الماضي، وأنه بات عنصرًا يخص الشرق الأوسط أكثر مما يخص أوروبا. هذه الفكرة تُعاد يوميًا في الإعلام، وفي الخطاب السياسي، وفي النقاشات العامة، حتى أصبحت أشبه بمسلّمة لا يناقشها أحد. غير أن هذا التصوّر، مهما بدا مطمئنًا وسهلًا، لا يصمد أمام قراءة دقيقة للغة السياسية التي تُستخدم اليوم، ولا ينسجم مع المفردات التي تُصاغ بها القرارات الكبرى، ولا يعكس حقيقة ما يجري خلف واجهة العلمانية الأوروبية. فالدين لم يختفِ، بل غيّر شكله، وتخفّى في خطاب أكثر نعومة، وأكثر رمزية، وأكثر قدرة على التأثير دون أن يُصرَّح باسمه مباشرة. وهنا تكمن المفارقة التي يجب على الرأي العام الأوروبي أن ينتبه إليها: إن ما يُقدَّم له بوصفه علمانية خالصة ليس إلا قناعًا يخفي حضورًا دينيًا مستمرًا، وإن كثيرًا مما يبدو عقلانيًا ومحايدًا ليس إلا امتدادًا غير معلن لرموز دينية ما زالت تعمل في الخلفية.
فعندما يتحدث مسؤول أوروبي عن “الجذور المسيحية للقارة”، لا يكون بصدد توصيف ثقافي بريء، بل يرسم حدودًا سياسية غير مرئية تُحدّد من ينتمي إلى الجماعة ومن يُنظر إليه كغريب. وفي لحظة أوروبية مثقلة بالأزمات الاقتصادية، وبالقلق الاجتماعي، وبالاستقطاب السياسي، وبالتوترات المرتبطة بالهجرة، يتحوّل الدين إلى أداة تُستخدم لطمأنة الداخل، ولتوحيد الجمهور، ولصناعة ثنائية “نحن” و“هم”. إنه خطاب يُعيد تشكيل الهوية الجماعية، ويُحمّل الدين وظيفة سياسية لا تُقال صراحة لكنها تُمارس بوضوح، ويُصبح جزءًا من هندسة الوعي الأوروبي دون أن يشعر القارئ بأنه أمام خطاب ديني.
ويتسلل الدين أيضًا إلى لغة الأمن، لا عبر التصريحات المباشرة، بل عبر الاستعارات والإيحاءات التي تربط بين الهوية الدينية والخطر. فالإرهاب، والتطرف، وعدم الاستقرار الدولي تُقدَّم غالبًا ضمن سردية تُقسّم العالم إلى فضاء يجب حمايته وآخر يجب احتواؤه. وهنا يجب أن ينتبه القارئ: فحين تُقدَّم منطقة كاملة بوصفها مصدرًا للخطر، فإن ذلك لا يعكس الواقع، بل يعكس طريقة انتقاء المعلومات وتوجيهها، ويُعيد إنتاج صورة الغرب بوصفه الضحية التي تدافع عن نفسها، والشرق الأوسط بوصفه مصدرًا دائمًا للتهديد. هذه ليست حقيقة، بل سردية سياسية تُستخدم لتبرير سياسات قائمة، وتُضفي عليها شرعية أخلاقية غير معلنة، وتُعيد تشكيل الوعي العام بطريقة تجعل الخوف جزءًا من الهوية.
ولا يقتصر الأمر على الداخل، بل يمتد إلى السياسة الخارجية. ففي الولايات المتحدة، تأثير الحركات الإنجيلية والصهيونية المسيحية موثّق جيدًا، إذ تُسهم في تفسير الصراعات في الشرق الأوسط عبر روايات توراتية، وتؤثر في التحالفات الاستراتيجية، وتُعيد قراءة التاريخ من منظور ديني. أما أوروبا، رغم علمانيتها، فهي ليست بمنأى عن هذه الديناميكيات؛ فخطاب حماية الأقليات الدينية، والدفاع عن “الجذور الثقافية”، ودعم بعض الروايات الدينية في السياسة الإسرائيلية، كلها عناصر تُسهم في تشكيل الموقف السياسي الأوروبي. وهنا يجب أن يدرك القارئ أن الأخلاق التي تُستخدم لتبرير السياسات الخارجية ليست دائمًا حيادية، بل تحمل في طياتها إرثًا دينيًا غير معلن، وتُستخدم لإضفاء شرعية على خيارات سياسية قد تكون مثيرة للجدل.
وحين يتحدث سياسي غربي عن “الواجب الأخلاقي للغرب”، فهو لا يقدّم خطابًا إنسانيًا محضًا، بل يستخدم الأخلاق — بما تحمله من جذور دينية — لإضفاء شرعية على قرارات سياسية. بهذه اللغة، تصبح القرارات ليست مفيدة فحسب، بل “صحيحة”، وليست استراتيجية فحسب، بل “أخلاقية”، وليست عملية فحسب، بل “ضرورية”. وهنا يجب أن يسأل القارئ نفسه: هل هذه الأخلاق حيادية فعلًا؟ أم أنها جزء من سردية تُستخدم لتوجيه الرأي العام نحو قبول سياسات معينة؟ وهل يمكن للأخلاق أن تكون أداة سياسية دون أن تفقد حيادها؟ هذه الأسئلة ليست نظرية، بل أساسية لفهم كيف يُعاد تشكيل الوعي الأوروبي اليوم.
وتبرز المشكلة حين نلاحظ التباين الصارخ في النظرة إلى الدين بين ضفتي المتوسط: فحين يستخدم الغرب الدين، يُنظر إليه كجزء من الثقافة، وحين يستخدمه الشرق الأوسط، يُنظر إليه كعلامة تطرف. هذه الازدواجية ليست مسألة تحليلية فحسب، بل مشكلة سياسية تُضعف قدرة أوروبا على فهم ديناميكيات المنطقة، وتُقوّض مصداقيتها في ملفات الحقوق والديمقراطية والحوار الدولي. فلا يمكن لقارة تعجز عن قراءة خطابها الداخلي أن تدّعي فهم خطاب الآخرين، ولا يمكن لسياسة تُخفي جذورها الدينية أن تُقدّم نفسها بوصفها نموذجًا عالميًا للعلمانية والحياد.
وإذا أرادت أوروبا أن تبقى فاعلًا سياسيًا محترمًا، فعليها أن تعترف بأن الدين لم يغادر خطابها السياسي، بل أعاد تشكيل نفسه داخله، وتكيّف مع السياقات الجديدة، وتحول إلى رمز سياسي يُستخدم بذكاء وهدوء. تجاهل هذه الحقيقة يعني الاستمرار في تفسير العالم عبر مفاهيم ناقصة، أما إدراكها فيعني اكتساب وضوح أكبر، وفعالية أعلى، ومصداقية أوسع. وحين يدرك الرأي العام أن ما يُشاع عن علمانية كاملة ليس إلا نصف الحقيقة، وأن فهم النصف الآخر ضروري لبناء وعي سياسي ناضج، سيصبح أكثر قدرة على قراءة الخطاب السياسي بعيون يقظة، وأكثر استعدادًا لرفض السرديات الجاهزة، وأكثر قدرة على فهم العالم كما هو، لا كما يُقدَّم له.
فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تُدار فقط بالقوانين والمؤسسات، بل تُدار أيضًا باللغة، وبالرموز، وبالصور التي تُقدَّم للجمهور. وحين يدرك القارئ أن الدين ليس “آخرًا” غريبًا عن الغرب، بل جزءٌ من لغته السياسية، سيصبح أكثر قدرة على تحليل الخطاب، وتفكيك المفاهيم الخاطئة، ورؤية الحقيقة خلف القناع الذي ترتديه العلمانية الأوروبية.





