كيف أعاد الحوثيون هندسة الاقتصاد اليمني؟

إيطاليا تلغراف متابعة

تتناول دراسة الباحث محمود عقلان، المعنونة “الاقتصاد الموازي.. كيف تعيد جماعة الحوثي تشكيل القطاع الخاص وتحويله إلى رافد لاقتصاد الحرب؟”، والصادرة عن مركز المخا للدراسات الاستراتيجية  التحولات العميقة التي شهدها القطاع الخاص في مناطق سيطرة جماعة الحوثي منذ انقلابها عام 2014 وحتى عام 2025، مركزة على الآليات التي استخدمتها الجماعة لإعادة تشكيل بنية الاقتصاد اليمني وتحويل الأسواق والتجارة والقطاع الخاص إلى أحد أهم مصادر تمويل الحرب.

وتعتمد الدراسة على تحليل ما يقارب 68 ألف سجل وترخيص تجاري، إضافة إلى بيانات وتقارير رسمية ودولية تغطي قطاعات النفط والطاقة، والصرافة، والتحويلات المالية، والاستيراد، والشحن، والأدوية، والخدمات اللوجستية، بما أتاح تتبع صعود شبكات تجارية جديدة مرتبطة بالجماعة، وتراجع نفوذ كثير من بيوت التجارة التقليدية، وصولًا إلى رسم صورة متكاملة لاقتصاد موازٍ أصبح يقوم على السيطرة على الأسواق أكثر مما يقوم على قواعد المنافسة الطبيعية.

من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد الحرب

توضح الدراسة أن الاقتصاد اليمني دخل الحرب وهو يعاني أصلًا من هشاشة هيكلية واعتماد كبير على عائدات النفط والغاز، التي كانت تمثل ما بين ربع وثلث الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من 90% من الصادرات السلعية، ونسبة كبيرة من الإيرادات العامة.

كما اتسم الاقتصاد قبل الحرب بضعف التنوع الإنتاجي، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وهيمنة عدد محدود من بيوت التجارة على حركة الاستيراد والتوزيع والخدمات المالية، الأمر الذي جعل الاقتصاد أكثر عرضة للانكماش بمجرد تعطل مؤسسات الدولة واندلاع الصراع.

وترى الدراسة أن انقلاب جماعة الحوثي عام 2014 ثم اندلاع الحرب في العام التالي أدخلا الاقتصاد اليمني في مرحلة غير مسبوقة من الانكماش، بعد توقف جزء كبير من إنتاج النفط وتعطل الصادرات وفقدان الدولة معظم مواردها من النقد الأجنبي، إضافة إلى انقسام البنك المركزي وظهور سلطتين ماليتين مختلفتين، وهو ما أدى إلى انقسام السوق الوطنية وارتفاع تكاليف التجارة والنقل وتعدد الرسوم والجبايات. وفي ظل هذا الفراغ المالي، اتجهت الجماعة إلى بناء منظومة بديلة للإيرادات، اعتمدت على الضرائب والرسوم والزكاة والجبايات والسيطرة على الاستيراد والوقود والصرافة والشحن، لتتحول الأسواق إلى المصدر المالي الأكثر استقرارًا بالنسبة لها بعد تراجع الموارد السيادية للدولة.

وتشير الدراسة إلى أن هذه التحولات لم تقتصر على زيادة الإيرادات، وإنما غيرت طبيعة الاقتصاد نفسه، إذ انتقل مركز الثقل الاقتصادي من مؤسسات الدولة إلى شبكات نفوذ مرتبطة بالجماعة، وأصبح استمرار النشاط التجاري مرهونًا بالامتثال للمنظومة المالية التي فرضتها، بينما صعد رجال أعمال وشركات حصلوا على امتيازات واسعة، في مقابل تراجع دور بيوت التجارة التقليدية، وبذلك تحولت الأسواق إلى ركيزة رئيسية لتمويل اقتصاد الحرب وتعزيز النفوذ السياسي والعسكري للجماعة.

 من اقتصاد السوق إلى خزينة تمويل الحرب

ترى الدراسة أن التحليل الميداني لما يقارب 68 ألف سجل وترخيص تجاري يكشف انتقال القطاع الخاص من بيئة تقوم على المنافسة إلى اقتصاد تحكمه الامتيازات والولاءات السياسية.

فقد أصبحت السجلات والتراخيص والضرائب والرسوم والجبايات والزكاة، إلى جانب السيطرة على الاستيراد والشحن والصرافة والوقود، أدوات متكاملة لإخضاع القطاع الخاص وربطه باقتصاد الحرب. ولم يعد السجل التجاري مجرد وثيقة قانونية لتنظيم النشاط الاقتصادي، بل تحول إلى مدخل لفرض سلسلة متواصلة من الرسوم والجبايات تبدأ منذ التأسيس ولا تنتهي طوال فترة عمل المنشأة.

وتوضح الدراسة أن الشركات الجديدة تركزت بصورة لافتة في القطاعات الأعلى ربحية، وفي مقدمتها التجارة العامة والاستيراد، والمواد الغذائية، وقطع الغيار، والشحن والخدمات اللوجستية، والأدوية، والصرافة، والطاقة، وهي القطاعات التي تمثل أكثر الأنشطة قدرة على توليد التدفقات المالية.

ووفقًا لبيانات الدراسة، استحوذ قطاع التجارة العامة والاستيراد وحده على نحو 17 ألف سجل تجاري جديد، بينما بلغ إجمالي السجلات الجديدة في مختلف القطاعات نحو 68 ألف سجل خلال فترة الدراسة، بما يعكس اتجاه النشاط الاقتصادي نحو المجالات الأكثر قدرة على تمويل اقتصاد الحرب.

 بناء منظومة اقتصادية موازية

توضح الدراسة أن جماعة الحوثي لم تعتمد على السيطرة العسكرية وحدها لإحكام نفوذها على الاقتصاد، وإنما أنشأت منظومة مالية وإدارية متكاملة أخضعت من خلالها القطاع الخاص لسلطتها المباشرة. وشملت هذه المنظومة التحكم في السجلات والتراخيص التجارية، وفرض الضرائب والرسوم والجبايات والزكاة، ومنح العقود والامتيازات التجارية، والسيطرة على قطاعات الاستيراد والصرافة والشحن والوقود، بما جعل استمرار النشاط التجاري مرهونًا بالخضوع لهذه المنظومة. ونتيجة لذلك توسعت قدرة الجماعة على التحكم بالشركات والتجار، وتوجيه جزء متزايد من أموال القطاع الخاص إلى تمويل اقتصاد الحرب.

وترى الدراسة أن السجلات التجارية تحولت من وسيلة لتنظيم النشاط الاقتصادي إلى أداة للسيطرة على الأسواق، إذ ارتبط منح التراخيص وتوسيع النشاط التجاري بسياسات توجه الامتيازات نحو شركات ورجال أعمال موالين، مع توسيع قاعدة التحصيل المالي عبر الضرائب والرسوم والجبايات والزكاة.

وتكشف البيانات أن قطاعات التجارة العامة والاستيراد والمواد الغذائية والشحن والصرافة والطاقة والأدوية استحوذت على النسبة الأكبر من السجلات التجارية الجديدة، وهو ما يعكس توجه النشاط الاقتصادي نحو القطاعات الأعلى قدرة على تحقيق الإيرادات.

وتضيف الدراسة أن الجماعة استخدمت العقود الحكومية والامتيازات الاقتصادية لإعادة توزيع الفرص داخل السوق وفق معيار الولاء، فانتقلت عقود الوقود والنقل والخدمات اللوجستية والاستيراد إلى شركات مرتبطة بقيادات الجماعة أو بشبكاتها الاقتصادية، بينما فقدت شركات وبيوت تجارية أخرى جزءًا مهمًا من أعمالها بعد خروجها من دائرة الامتيازات.

ولم تقتصر استفادة الجماعة على إعادة توزيع العقود، بل أصبحت كل عملية استيراد أو نقل أو خدمة لوجستية مصدرًا جديدًا للضرائب والرسوم والجبايات والأرباح، الأمر الذي وفر موارد مالية متنامية استخدمت في تمويل الإنفاق العسكري والأمني وتوسيع الاحتكار في القطاعات الأكثر ربحية.

وتؤكد الدراسة أن شبكة الجبايات والرسوم توسعت حتى شملت معظم الأنشطة الاقتصادية، فلم تعد الأعباء تقتصر على الضرائب النظامية، وإنما أضيفت إليها مساهمات إلزامية ورسوم استثنائية وجبايات تحت مسميات متعددة، لتصبح التجارة والنقل والاستيراد والتصنيع والتوزيع حلقات متتابعة في سلسلة التحصيل المالي.

وتشير البيانات إلى أن رسوم نقاط التحصيل رفعت تكاليف النقل بنسبة تراوحت بين 20 و30%، وانعكس ذلك على أسعار السلع الأساسية التي ارتفعت بنسب وصلت إلى 20%. كما قاربت إيرادات الضرائب والجمارك 700 مليار ريال سنويًا، بينما تجاوزت إيرادات هيئة الزكاة 400 مليار ريال، ووصلت الإيرادات التي جُمعت في مناطق سيطرة الجماعة إلى نحو 2.2 تريليون ريال خلال عام 2023، وهو ما جعل الأسواق مصدرًا دائمًا لتمويل اقتصاد الحرب بعيدًا عن الإيرادات التقليدية للدولة.

عادة توزيع الثروة داخل الأسواق

ترى الدراسة أن سنوات الحرب أحدثت تحولًا جذريًا في أولويات النشاط الاقتصادي داخل مناطق سيطرة الحوثيين، إذ تراجع الاستثمار في الأنشطة الإنتاجية طويلة الأجل، مقابل توسع القطاعات المرتبطة بالتجارة والاستيراد والصرافة والطاقة والشحن، وهي المجالات الأسرع في توليد الإيرادات. ووفقًا لبيانات السجلات التجارية، استحوذت التجارة العامة والاستيراد على 26% من إجمالي الشركات الجديدة، تلتها المواد الغذائية بنسبة 18%، ثم قطع الغيار والزيوت والإطارات بنسبة 13%، ثم الشحن والخدمات اللوجستية والأدوية والصرافة والطاقة، وهو ما يعكس إعادة توجيه الاقتصاد نحو القطاعات التي تحقق أكبر تدفقات مالية.

وتوضح الدراسة أن هذا التحول لم يكن اقتصاديًا فحسب، بل أعاد توزيع مراكز النفوذ داخل السوق، حيث برزت شركات جديدة مرتبطة بشبكات الجماعة، بينما فقدت بيوت التجارة التقليدية جانبًا من حصتها التاريخية في الأسواق. وأصبحت المصالح التجارية أكثر ارتباطًا بعلاقات النفوذ السياسي والعسكري، وتحولت القطاعات التجارية الأكثر ربحية إلى أحد أهم روافد تمويل اقتصاد الحرب، عبر الضرائب والرسوم والاحتكارات والامتيازات التجارية.

كما تكشف الدراسة عن تركز جغرافي واضح للنشاط الاقتصادي في المحافظات الخاضعة بإحكام لسيطرة الجماعة، إذ استحوذت أمانة العاصمة وحدها على 27% من السجلات التجارية الجديدة، تلتها محافظة صنعاء بنسبة 16%، ثم الحديدة وإب وذمار وعمران، بينما شهدت محافظة صعدة توسعًا متأخرًا خلال الفترة بين 2023 و2025، بما يعكس انتقال جزء من النشاط الاقتصادي إلى المعقل الرئيس للجماعة، حيث تتركز شبكات النفوذ والقرار الاقتصادي وتتدفق الموارد المرتبطة بتمويل الأنشطة العسكرية والأمنية.

تداعيات الاقتصاد الموازي

تؤكد الدراسة أن أخطر نتائج السياسات الاقتصادية التي انتهجتها جماعة الحوثي لا تتمثل في زيادة مواردها المالية فحسب، وإنما في إحداث تغيير بنيوي في طبيعة الاقتصاد اليمني. فقد أدى بناء اقتصاد موازٍ إلى تقويض دور مؤسسات الدولة، وإضعاف قواعد المنافسة، وتحويل السوق إلى فضاء تحكمه شبكات النفوذ والامتيازات، الأمر الذي أفرز بيئة اقتصادية تختلف جذريًا عن الاقتصاد الذي كان قائمًا قبل الحرب. وأصبح نجاح الشركات أو استمرارها مرتبطًا بدرجة قربها من مراكز النفوذ أكثر من ارتباطه بالكفاءة أو القدرة التنافسية، وهو ما أضعف ثقة المستثمرين، وقلل من فرص نمو القطاع الخاص المستقل.

وترى الدراسة أن توسع اقتصاد الحرب انعكس بصورة مباشرة على معيشة المواطنين، نتيجة ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والاستيراد، وتعدد الرسوم المفروضة على السلع في مختلف مراحل تداولها. ولم يعد المستهلك يتحمل تكلفة السلعة فقط، بل أصبح يتحمل أيضًا كلفة شبكة الجبايات والرسوم والاحتكارات التي تراكمت على طول سلسلة الإمداد، وهو ما أدى إلى زيادة أسعار كثير من السلع الأساسية، وإضعاف القدرة الشرائية، وتعميق حالة الركود الاقتصادي في الأسواق المحلية. وفي الوقت نفسه، أصبحت الموارد التي يجري تحصيلها من الأسواق تُوجَّه بدرجة كبيرة إلى تمويل المجهود الحربي، بدلاً من إعادة استثمارها في تحسين الخدمات أو تنشيط الاقتصاد الوطني.

وتضيف الدراسة أن استمرار هذه المنظومة خلق طبقة اقتصادية جديدة تدين في نفوذها ومصالحها للجماعة، وأصبحت هذه الطبقة جزءًا من بنية اقتصاد الحرب، بما يضمن استمرار تدفق الموارد المالية إليها، ويعزز ارتباط المصالح الاقتصادية ببقاء الوضع القائم. ونتيجة لذلك، لم يعد الاقتصاد يؤدي وظيفته الطبيعية في خلق فرص العمل وتحفيز الاستثمار والإنتاج، وإنما تحول تدريجيًا إلى أداة لتثبيت السيطرة السياسية والعسكرية وإدامة الصراع.

الخاتمة

تخلص الدراسة إلى أن جماعة الحوثي نجحت، خلال سنوات الحرب، في الانتقال من سياسة فرض الجبايات والرسوم إلى بناء اقتصاد موازٍ متكامل أعاد تشكيل القطاع الخاص ليصبح أحد أهم روافد اقتصاد الحرب. وترى أن الجماعة لم تكتف بالسيطرة على الموارد العامة، بل أعادت رسم خريطة السوق نفسها، عبر إنشاء شبكات تجارية ومالية جديدة، ومنح الامتيازات لشركات ورجال أعمال مرتبطين بها، والسيطرة على القطاعات الأعلى ربحية، مثل الاستيراد، والصرافة، والطاقة، والشحن، والأدوية، والخدمات اللوجستية.

وتؤكد الدراسة أن هذا النموذج الاقتصادي أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة، وتشويه قواعد المنافسة، وإعادة توزيع الثروة والنفوذ داخل الأسواق على أساس الولاء السياسي، بما جعل الاقتصاد أكثر ارتباطًا باستمرار الحرب. كما أفضى إلى ارتفاع تكاليف التجارة والإنتاج، وزيادة الأعباء على القطاع الخاص والمستهلكين، وتراجع فرص الاستثمار الحقيقي، في مقابل توسع اقتصاد قائم على الاحتكار والجبايات والامتيازات.

وفي المحصلة، ترى الدراسة أن الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين لم يعد مجرد قطاع متأثر بالحرب، بل أصبح جزءًا من بنيتها؛ إذ تحولت الأسواق والقطاع الخاص إلى مكون رئيس في تمويل الصراع، وترسيخ النفوذ، وإدامة المنظومة الاقتصادية التي أنشأتها الجماعة خلال سنوات الحرب.

 

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...