تتحرك إيران على أكثر من مسار قبيل اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بين اتصالات وساطة باكستانية وقطرية، وتحرك دبلوماسي في نيويورك، واستنفار عسكري داخلي، بينما تلوح واشنطن بعقوبات جديدة وتبدي في الوقت نفسه انفتاحا مشروطا على لقاء مباشر مع طهران.
وقال مراسل الجزيرة من طهران عمر هواش إن زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي لإيران لم تكشف حتى الآن عن تفاصيل واضحة بشأن مهمتها، رغم بحثه مع نظيره الإيراني جهود الوساطة التي تقودها إسلام آباد، ولقائه الرئيس مسعود بزشكيان.
وبحسب هواش، فقد تحدثت الرئاسة الإيرانية عن تعزيز العلاقات بين البلدين، لا سيما الممرات الحدودية البرية، في حين ذكرت وكالة تسنيم أن نقوي لا يحمل رسالة أمريكية إلى طهران، ولا رسالة إيرانية إلى واشنطن، وهو ما أبقى طبيعة مهمته موضع تضارب.
وتكتسب الحدود البرية أهمية إضافية لطهران في ظل الضغوط المفروضة على موانئها، إذ تبحث إيران عن منافذ بديلة لإدخال السلع والمواد الأساسية، وفي هذا السياق، طُرح تفعيل المعابر القائمة وفتح معبر جديد مع باكستان لتوسيع حركة التجارة.
ويتزامن التحرك الباكستاني مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى قطر قبل توجهه إلى نيويورك، إذ قالت الخارجية الإيرانية إنه بحث قضايا إقليمية مع مسؤولين قطريين، في مؤشر على عودة تفعيل الوساطة القطرية بين طهران وواشنطن.
وفي نيويورك، يشارك بزشكيان وعراقجي في اجتماعات الجمعية العامة، حاملين خطابا يركز على عرض الموقف الإيراني أمام المجتمع الدولي، وقال بزشكيان قبل مغادرته إن بلاده تريد إيصال صوتها وانتقد ما وصفه بالصمت الدولي تجاه هجمات طالت إيران والمنطقة.
الحسابات الأمريكية
ومن واشنطن، قال مراسل الجزيرة أحمد الرهيد إن وجود وزير الخارجية الإيراني في الولايات المتحدة ووصول بزشكيان إليها يفتحان، وفق متابعين، نافذة للتحرك الدبلوماسي، لكن ترتيب لقاء مباشر بين الرئيسين يظل محفوفا بصعوبات، في ظل استمرار لغة الضغط والتهديد الأمريكية.
وأبدى الرئيس دونالد ترمب انفتاحا على لقاء بزشكيان، لكنه تحدث في الوقت نفسه عن خيارات تتعلق بالضغط الاقتصادي أو العسكري أو التوصل إلى اتفاق. وقال الرهيد إن الإدارة الأمريكية تفضل المسار التفاوضي لتحقيق مطالبها وشروطها تجاه إيران.
ويظهر الضغط الاقتصادي في تشديد العقوبات على قطاع الطيران الإيراني، بعدما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت إجراءات جديدة، قال إنها ستدفع شركات الطيران الإيرانية إلى التوقف، ويرتبط ذلك بتهديدات سابقة للدول التي توفر بنية تحتية لإيران.
في حين أشار جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي إلى تركيز الإدارة على تدفقات النفط والغاز عبر مضيق هرمز، وعلى الحصول على ضمانات تمنع إيران من إعادة برنامج تخصيب اليورانيوم. وتضع هذه المطالب الملف النووي في صلب أي تفاوض محتمل.
وتتزامن هذه المواقف مع تشدد أمريكي بشأن البرنامج النووي، إذ قال الرهيد إن مبعوث واشنطن لدى الأمم المتحدة مايك والتز طالب بضمانات تتجاوز التصريحات الإيرانية، وتحدث عن منشآت تخصيب محصنة قد تحاول طهران إعادة بنائها، فضلا عن موقع جبل الفأس.
وأشار هواش إلى أن حظر الطيران المدني الإيراني، الذي يدخل حيز التنفيذ غدا الأربعاء، سيزيد الضغوط على قطاع يعاني أصلا من العقوبات، وقال إن طهران تعتمد على حدودها البرية، لكن ذلك قد يفاقم صعوبات التنقل والتجارة دون أن يعني بالضرورة تنازلات تفاوضية.
رهانات اللقاء المباشر
بدوره، يرى الكاتب الصحفي المتخصص بالشأن الأمريكي محمد المنشاوي أن الحرب، التي دخلت شهرها السابع، تضع ترمب أمام حاجة إلى تحقيق نتيجة يستطيع تقديمها باعتبارها انتصارا، خصوصا بعد تعهداته السابقة بأن تكون الحروب الأمريكية في المنطقة قصيرة ومحدودة.
ويحدد المنشاوي عناصر النتيجة التي قد تبحث عنها واشنطن في إعادة فتح مضيق هرمز دون قيود، وإنهاء البرنامج النووي الإيراني. وفي المقابل، يرى أن طهران تحتاج أيضا إلى مخرج تفاوضي يحفظ لها ما يمكن تقديمه داخليا باعتباره مكسبا.
وحسب المنشاوي، فإن اللقاء المباشر بين ترمب وبزشكيان قد يكون أكثر حسما من استمرار الاتصالات عبر الوسطاء، معتبرا أن طبيعة الرئيس الأمريكي في إدارة العلاقات الدولية تجعل المواجهة المباشرة قادرة على اختصار مسارات دبلوماسية طويلة ومعقدة.
ويطرح هذا المسار معادلة تقوم على أن يترجم كل طرف ما يحققه إلى إنجاز سياسي يمكن عرضه أمام جمهوره، إذ لا يتوقع المنشاوي حصول أي منهما على جميع مطالبه. ويرى أن التسوية في الحروب غالبا ما تنتهي عند نقاط وسط.
في المقابل، يستمر التوتر العسكري إلى جانب المسار الدبلوماسي، مع إعلان إيران إسقاط مسيرات أمريكية في أجواء مضيق هرمز، وتحذيرات الحرس الثوري من أي هجوم جديد، مؤكدا امتلاك طهران أهدافا ومعدات عسكرية لم تستخدمها بعد.
المصدر: الجزيرة





