محمد عوام
الشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله تعالى وأعلى مقامه أحد أبرز الدعاة المخلصين، والعلماء العاملين، والقامات الفكرية والعلمية المغربية، تشهد له بذلك مؤلفاته الغزيرة، والمتنوعة، أخذ على نفسه مقاومة الفساد والاستبداد السياسي، فلم يرضخ، ولم يلن، وبطبيعة الحال –نتيجة مواقفه الصلبة- ابتلي ابتلاء شديدا، لا سيما في أواسط سبعينيات القرن الماضي، على إثر رسالته الموسومة بـ(الإسلام أو الطوفان)، والتي قصد منها أن يقدم نصيحة للملك الحسن الثاني رحمه الله، استبان ذلك بشكل صريح وواضح جدا في قوله رحمه الله: “فأنا بك رفيق و لك محب بما أمرني الله من محبة آل بيت نبيه. لكن المحبة التي لا تنصح و الرفق الذي لا يغرك بحلم الله عليك خداع ممقوت.” (ص: 48 نقلا عن موقع جماعة العدل والإحسان).
ولئن كانت هذه هي مواقف الشيخ ياسين رحمه الله ورفع مقامه، الجهر بقول الحق والنصح لأولي الأمر، والدعوة إلى التربية والتزكية على منهج النبوة، فلا جرم أنه كان يُكِنُّ لإخوانه العاملين معه في ساحة الدعوة التقدير والاحترام، وإن اختلف معهم في الوسائل وكيفية تصريف الدعوة، إيمانا منه أن مبدأ الأخوة يعلو على كل الخلافات الوسيلية، أو الخلافات المنهجية، التي تقتضي أحيان تعدد الرؤى، وتنوع الوسائل.
فلم نسمع منه تشهيرا لأحد، ولا اتهاما لجماعة معينة، بأن يطعن في صدق نيتها أو إخلاصها في دعوتها، وإن كان يخالفها في المنحى الذي انتحته، والسبيل الذي سلكته، وإنما كان يناقش ويبدي رأيه، ويأخذ ويعطي وينتقد وينقض، دون التطرق إلى الأشخاص والتشهير بهم. فقد زاره كثير من قادة الحركة الإسلامية مثل أستاذنا الدكتور أحمد الريسوني، والدكتور الشاهد البوشيخي، والأستاذ عبد الله باها رحمه الله وغيرهم، فكانوا دائما يثنون عليه خيرا، ويحاورونه ويتناقشون في قضايا وطنهم وأمتهم.
فالشيخ ياسين رحمه الله رسم طريقه، وحرر منهجه، وأبان عن دعوته، وعرف ما قصد، فهان عليه ما وجد من التضحيات الجسام، دأب على ذلك إلى أن لقي ربه عز وجل، فلم يهن ولم يستكين. وأنا أقرر هنا صدقية الرجل وتفانيه في دعوته، وصديقيته وإخلاصه، ولست بصدد التطرق إلى تحليل منهجه وإبداء ملحوظات حوله، فهذا يحتاج إلى المزيد من الاطلاع على كل مؤلفاته ورسائله وخطبه وتوجيهاته، حتى تخول لنا رؤية عميقة وعلمية. ومهما يكن من أمر فالمشهود للشيخ عبد السلام ياسين رحمه الله الصدق والإخلاص في دعوته، وعدم الخوض في التهجم على غيره.
أقول هذا، للتذكير بمبادئ الشيخ ومنهجه، في الوقت الذي أصدرت فيه جماعة العدل والإحسان بيانها الداعي إلى مقاطعة الانتخابات، مبينة رأيها في ذلك، ومعللة وجهة نظرها. ولها الحق في ذلك، هذا مما لا جدال فيه، ألفينا بعض الإخوة في الجماعة حفظهم الله وهداهم، لم يكتفوا ببيان وجهة نظرهم وهي المقاطعة، وإنما اتخذوا وجهة أخرى، وهي التصدي لحزب العدالة والتنمية، والدعوة إلى عدم التصويت عليه، ولم يكلفوا أنفسهم فيما رأيت وقرأت، أن يتصدوا للمفسدين والمستبدين، مما جعلني –صراحة- أنزعج، وإن كنت لا أنتمي لحزب العدالة والتنمية، فاعتبرت ذلك حملة من أولئك النفر في الاتجاه المعاكس. لقد كان الأولى والأحرى بهؤلاء الإخوة الكرام، الذين خالفوا مبادئ الشيخ في التعامل مع مخالفيه، كما خالفوا منطق بيان المقاطعة، أن يبينوا للناس وجهة نظرهم، فيحللوا ويعللوا ويحرروا، فإذا اقتنع الناس بذلك، فلا ريب أنهم سيستجيبون لهم، فيمتنعوا عن التصويت تلقائيا. وهذا ما لم تفعل هذه الطائفة من الإخوة، وأنا هنا لا أعمم، أعرف طائفة من القياديين العقلاء من الجماعة لم تحشر نفسها في هذا المزلق المفضي إلى المشاكسات والمناكفات، التي لن تخدم الدعوة ولا السياسة.
المقاطعة أو المشاركة
نأتي إلى القضية الجوهرية وهي قضية المقاطعة أو المشاركة في الانتخابات والموازنة بينهما. في ميزان المقاصد، لا تخلوان من مصالح ومفاسد. فأرباب المقاطعة في نظري قد يكونون على صواب وحق، لا سيما عندما يكثر الفساد ويشتد ويتغول الاستبداد، وتصبح الكلمة العليا للتحكم، فتصبح الانتخابات عبارة عن مكياج لتأثيث المشهد السياسي، وإضفاء الشرعية. من هذه الزاوية قد يكون للمقاطعين مسوغات معقولة ومتفهة.
لكن هذه المفاسد الموجودة، مع عدم تفعيل المقاطعة تفعيلا تاما، ووجود أحزاب فاسدة مشاركة، ونظام دولي متسلط، ناهيك عن المشهد السياسي المتحِّكم، وأضف إلى ذلك قلة الوعي الشعبي، بحيث نرى طائفة من الشعب تميل حيث يوجد المال والوعود الكاذبة،… إلخ. فهل يمكن الاعتماد على المقاطعة في تحقيق تغيير حقيقي؟. نعم لو دعت كل الأحزاب إلى المقاطعة، واستنكف الشعب عن بكرة أبيه، أو على الأقل أكثريته عن المشاركة، لكان للمقاطعة بلا ريب أثرها البالغ، ووقعها على النظام السياسي، حتى يغير ويرضخ للمطالب الشعبية.
أما دعاة المشاركة فيرون أنه لا يمكن في ظل هذه الأوضاع، نتوارى إلى الخلف، ونترك المفسدين والمستبدين يفعلون بالبلد ما يشاؤون، فلندخل عليهم الباب، ونسبب لهم الارتياب، ونغير ما أمكن، في ظل ما هو متيسر ومقدور عليه “إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت”. فالتغيير ولو بنسب قليلة وقد تكون فعالة، خير من الجنوح إلى الخلف. ويرون كذلك أن سنة التدافع مع الباطل والفساد تقتضي المواجهة وفضحه وكشفه للناس. ثم العمل على الإصلاح من داخل المؤسسات، أما الانتظار حتى يصفو المكان، فهذا غير ممكن، ولا يمكن أن يقع، فهو بخلاف سنة الله في التغيير.
وأنا حين أوازن بين المسلكين أجد نفسي بناء على نظرية الموازنة بين المصالح والمفاسد، ميالا إلى منطق المشاركة، وهو ما دأب عليه كبار العلماء المصلحين من أمثال: إمام الحرمين في (غياث الأمم في التياث الظلم)، والعز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام في مصالح الأنام)، والقرافي في (الفروق)، وابن تيمية في (الفتاوى الكبرى) فتواه في تولي الولاية في ظل الحاكم الجائر (30/ 356)، ومن المعاصرين الشيخ العلامة يوسف القرضاوي رحمه الله، وأستاذنا العلامة أحمد الريسوني وغيرهما كثير من العلماء والدعاة، وهو ما عملت به أكثر الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي. فهؤلاء الأئمة العظام تحدثوا عن الولاية إذا تعذر من يليها بحق، فما العمل؟.
وإليكم كلام بعضهم، جلبته هنا من غير إطالة، وإلا فكتبهم، وعموما كتب السياسة الشرعي طافحة بذلك
يقول العز بن عبد السلام رحمه الله: “قاعدة: إذا تعذرت العدالة في الولاية العامة والخاصة بحيث لا يوجد عدل، ولينا أقلهم فسوقا وله أمثلة: – أحدها: إذا تعذر في الأئمة فيقدم أقلهم فسوقا عند الإمكان، فإذا كان الأقل فسوقا يفرط في عشر المصالح العامة مثلا وغيره يفرط في خمسها لم تجز تولية من يفرط في الخمس فما زاد عليه، ويجوز تولية من يفرط في العشر، وإنما جوزنا ذلك لأن حفظ تسعة الأعشار بتضييع العشر أصلح للأيتام ولأهل الإسلام من تضييع الجميع، ومن تضييع الخمس أيضا، فيكون هذا من باب دفع أشد المفسدتين بأخفهما” (قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (1/ 85).
ويقول أيضا: “إذا تفاوتت رتب الفسوق في حق الأئمة قدمنا أقلهم فسوقا، مثل إن كان فسق أحد الأئمة بقتل النفوس وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع، وفسق الآخر بالتضرع للأموال، قدمنا المتضرع للأموال على المتضرع للدماء والأبضاع، فإن تعذر تقديمه قدمنا المتضرع للأبضاع على من يتعرض للدماء، وكذلك يترتب التقديم على الكبير من الذنوب والأكبر والصغير منها والأصغر على اختلاف رتبها.
فإن قيل: أيجوز القتال مع أحدهما لإقامة ولايته وإدامة تصرفه مع إعانته على معصيته؟ قلنا: نعم دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين من التفاوت ودرءا للأفسد فالأفسد، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة أنا نعين الظالم على فساد الأموال دفعا لمفسدة الأبضاع وهي معصية.
وكذلك نعين الآخر على إفساد الأبضاع دفعا لمفسدة الدماء وهي معصية، ولكن قد يجوز الإعانة على المعصية لا لكونها معصية بل لكونها وسيلة إلى تحصيل المصلحة الراجحة وكذلك إذا حصل بالإعانة مصلحة تربو على مصلحة تفويت المفسدة كما، تبذل الأموال في فدى الأسرى الأحرار المسلمين من أيدي الكفرة والفجرة”. (قواعد الأحكام في مصالح الأنام» (1/ 86، 87)
«وسئل الشيخ – قدس الله روحه -:
عن رجل متول ولايات ومقطع إقطاعات وعليها من الكلف السلطانية ما جرت به العادة وهو يختار أن يسقط الظلم كله ويجتهد في ذلك بحسب ما قدر عليه وهو يعلم أنه إن ترك ذلك وأقطعها غيره وولى غيره فإن الظلم لا يترك منه شيء؛ بل ربما يزداد وهو يمكنه أن يخفف تلك المكوس التي في إقطاعه فيسقط النصف والنصف الآخر جهة مصارف لا يمكنه إسقاطه فإنه يطلب منه لتلك المصارف عوضها وهو عاجز عن ذلك لا يمكنه ردها. فهل يجوز لمثل هذا بقاؤه على ولايته وإقطاعه؟ وقد عرفت نيته واجتهاده وما رفعه من الظلم بحسب إمكانه أم عليه أن يرفع يده عن هذه الولاية والإقطاع وهو إذا رفع يده لا يزول الظلم بل يبقى ويزداد. فهل يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع كما ذكر؟ وهل عليه إثم في هذا الفعل؟ أم لا؟ وإذا لم يكن عليه إثم. فهل يطالب على ذلك؟ أم لا؟ وأي الأمرين خير له: أن يستمر مع اجتهاده في رفع الظلم وتقليله أم رفع يده مع بقاء الظلم وزيادة. وإذا كانت الرعية تختار بقاء يده لما لها في ذلك من المنفعة به ورفع ما رفعه من الظلم. فهل الأولى له أن يوافق الرعية؟ أم يرفع يده. والرعية تكره ذلك لعلمها أن الظلم يبقى ويزداد برفع يده.
فأجاب:
الحمد لله، نعم إذا كان مجتهدا في العدل ورفع الظلم بحسب إمكانه وولايته خير وأصلح للمسلمين من ولاية غيره واستيلاؤه على الإقطاع خير من استيلاء غيره كما قد ذكر: فإنه يجوز له البقاء على الولاية والإقطاع ولا إثم عليه في ذلك؛ بل بقاؤه على ذلك أفضل من تركه إذا لم يشتغل إذا تركه بما هو أفضل منه. وقد يكون ذلك عليه واجبا إذا لم يقم به غيره قادرا عليه. فنشر العدل – بحسب الإمكان ورفع الظلم بحسب الإمكان – فرض على الكفاية يقوم كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك إذا لم يقم غيره في ذلك مقامه ولا يطالب والحالة هذه بما يعجز عنه من رفع الظلم. وما يقرره الملوك من الوظائف التي لا يمكنه رفعها لا يطالب بها وإذا كانوا هم ونوابهم يطلبون أموالا لا يمكن دفعها إلا بإقرار بعض تلك الوظائف وإذا لم يدفع إليهم أعطوا تلك الإقطاعات والولاية لمن يقرر الظلم أو يزيده ولا يخففه كان أخذ تلك الوظائف ودفعها إليهم خيرا للمسلمين من إقرارها كلها ومن صرف من هذه إلى العدل والإحسان فهو أقرب من غيره ومن تناوله من هذا شيء أبعد عن العدل والإحسانمن غيره والمقطع الذي يفعل هذا الخير يرفع عن المسلمين ما أمكنه من الظلم ويدفع شر الشرير بأخذ بعض ما يطلب منهم فما لا يمكنه رفعه هو محسن إلى المسلمين غير ظالم لهم يثاب ولا إثم عليه فيما يأخذه على ما ذكره ولا ضمان عليه فيما أخذه ولا إثم عليه في الدنيا والآخرة إذا كان مجتهدا في العدل والإحسان بحسب الإمكان… والذي ينهى عن ذلك لئلا يقع ظلم قليل لو قبل الناس منه تضاعف الظلم والفساد عليهم فهو بمنزلة من كانوا في طريق وخرج عليهم قطاع الطريق فإن لم يرضوهم ببعض المال أخذوا أموالهم وقتلوهم. فمن قال لتلك القافلة: لا يحل لكم أن تعطوا لهؤلاء شيئا من الأموال التي معكم للناس فإنه يقصد بهذا حفظ ذلك القليل الذي ينهى عن دفعه ولكن لو عملوا بما قال لهم ذهب القليل والكثير وسلبوا مع ذلك فهذا مما لا يشير به عاقل فضلا أن تأتي به الشرائع فإن الله تعالى بعث الرسل لتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان. فهذا المتولي المقطع الذي يدفع بما يوجد من الوظائف ويصرف إلى من نسبه مستقرا على ولايته وإقطاعه ظلما وشرا كثيرا عن المسلمين أعظم من ذلك ولا يمكنه دفعه إلا بذلك إذا رفع يده تولى من يقره ولا ينقص منه شيئا هو مثاب على ذلك ولا إثم عليه في ذلك ولا ضمان في الدنيا والآخرة”. (مجموع الفتاوى 30/ 356، 359).
لا أريد أن أطنب وأستفيض في جلب كلام العلماء، وما ذكروه في ولاية سيدنا يوسف في ظل الحاكم الكافر، وما ذكروه من الموازنة بين المصالح والمفاسد، فهذا مما لا يتسع له هنا المجال، وإنما يكفينا هنا هذه النصوص المنبهة، المبنية على الميزان القرآني.
عود على بدأ
في رأيي لا تخلو كل من المقاطعة والمشاركة من مصالح ومفاسد وخطورة أيضا، والمهم عندي أن يعمل كلا الفريقين على شاكلته، ويبين دعوته ومسلكه، وما هو مقتنع به، بكل صدق وإخلاص وأخلاق، من غير التصدي أو التشنيع على المخالف، ووصفه بأقذع الأوصاف، أو اتهامه في عرضه وشخصه، والتشكيك في نيته. فليس لدينا وقت لخوض معارك هامشية بين العاملين للإسلام.
كما في تقديري نحتاج لهاتين الوجهتين (المقاطعة والمشاركة)، فقد يأتي يوم –وما يدريك والله أعلم- قد تكون نظرية المقاطعة على صواب، إذا سدت الآفاق بالمرة، وعسر الإصلاح، وتغول الاستبداد والتحكم، واستشرى الفساد، فلا نجد أمامنا سوى مقاطعة الفساد والعبثية والغوغائية السياسية. كما يمكن أن تتغير الأوضاع ولو نسبيا نحو الإصلاح، فتثبت نظرية المشاركة جدارتها وفعاليتها. والله أعلم. فليس هناك قطع بصوابية مسلك على آخر، وإنما ترجيح أحدهما على الآخر بحسب الزمان والمكان وتغير الأحوال. والله أعلم.
قال الله عز وجل”إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡم سُوٓءا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ” [الرعد: 11].
وختاما فنسأل الله تعالى لنا ولجميع إخواننا السداد والرشاد والهدى والتقى، فكلنا في خندق واحد، وإن اختلفنا في التقديرات والاجتهادات، فمحبتنا للعاملين للإسلام وأهله واجبة. قال تعالى: “إنما المؤمنون إخوة”
والحمد لله رب العالمين
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





