فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
بعد أكثر من عام ونصف على رحيل نظام الأسد عن سورية ووصول حكّام جُدد قدّموا أنفسهم على أساس مختلف، وباشروا منذ اللحظة الأولى مزاولة سلطة فعلية، ورسموا “على الورق” شكل المستقبل السياسي للبلاد، لم يعد السؤال المفيد ما إذا كان الرئيس المؤّقت أحمد الشرع قد نجح في تثبيت نفسه، فقد تجاوز الرجل هذا السؤال بمراحل، ومرّ بتحدّيات عديدة في ما يخصّ تثبيت سلطته. لكنّ السؤال الأكثر صعوبة: هل نجحت السلطة التي بناها الشرع في تثبيت الدولة؟
ذلك أنّ السلطة والدولة شيئان مختلفان؛ فيمكن لرئيسٍ أن يجلس فعلياً في قصر الشعب، وأن يكون له مجلس وزراء وبرلمان وأجهزة أمن ومحافظون، وحضور في الشارع، ما قد يعني أنّ السلطة ثابتة بالفعل وقد اكتملت أركانها. أمّا الدولة فتبدأ من مكان أكثر تعقيداً. وهي، بالطبع، بحاجة إلى تلك البنى المؤسّسية كلّها التي أُنشِئت، لكنّها بحاجة أكثر إلى أن يسير عمل هذه المؤسّسات من دون أن يكون الرئيس حاضراً في كلّ تفصيل، وأن تعمل الأجهزة على منع وقوع اختراقات أمنية، وأن يؤدّي الجيش واجبه الوطني بعيداً من حسابات ماضيه الفصائلي.
في حالة سورية، تعاني الدولة من بعض الوهن. فقبل أيّام انفجرت عبوةٌ ناسفةٌ مزروعةٌ في حافلة نقل صغيرة في ضاحية جرمانا بريف دمشق، وأُصيب أشخاص عدّة. وقبلها بنحو شهر، انفجرت عبوتان ناسفتان على مقربة من الفندق الذي استضيف فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عندما زار دمشق. وقبل تلك الحادثة بأيّام، وقع انفجار في مقهى قرب قصر العدل في دمشق، قضى فيه عدّةُ محامين. ولا يعني هذا وغيره أنّ دمشق قد تحوّلت إلى مدينة خارجة عن السيطرة، فالانتشار الأمني فيها جيّد، لكنّ استمرار هذه الحوادث يُوصل رسالة مفادها بأنّ بعض الخلايا ما زالت قادرةً على زعزعة الأمن، وإن بصورة مؤقّتة، ما يعني أنّ احتكار الدولة للعنف ليس كاملاً، وما زالت هناك ثغرات متفرّقة يتوجّب إغلاقها. وهذه بالتحديد مرحلة خطيرة في حياة الدولة التي خرجت لتوّها من أتون الحرب، وتتلمّس طريقاً نحو الأمن، الذي هو شرط أساس لتحرّك اقتصادي منتج للتنمية.
منذ الخمسينيّات، امتلكت سورية حكومةً وجيشاً وبرلماناً، لكنّها لم تكن تملك بنيةً مؤسّسيةً تضبط جيشها الذي أصبح وسطاً منتجاً للسلطة عبر سلسلة طويلة من الانقلابات، بدأت بعد الاستقلال بثلاث سنوات، في بحث لم يتوقّف لحظةً واحدةً عن السلطة، في مقابل غيابٍ شبه كلّي للدولة. وبعد انقلاب 1970، ووصول حافظ الأسد إلى كرسي الحكم، أعاد الأخير ترتيب السلطة ووزّعها بين الأمن والحزب، ووضع فوق كلّ شيء، فابتلعت السلطة الدولة، ودخلت شخصية الأسد في بنية كلّ مؤسّسة من مؤسّسات الدولة، حتّى أصبحت سورية، بكلّ ما فيها، رهينةً في يد واحدة. وهذه المركزية الشديدة أنتجت سنوات الرصاص الخمس عشرة في عهد الوريث (بشّار)، فقد كانت السلطة “تدافع عن نفسها”، وتعتبر الاحتجاجات تهديداً لوجودها. وكانت الدولة، بالطبع، غائبة، أو جرى اغتيالها والاستعاضة عنها بشعارات وتذويب المؤسّسات تحت تلك الشعارات.
أمّا اليوم، فتبدو الطريق طويلة، وتجرى في هذه اللحظة تعديلات عسكرية وإدارية قد تعطي مؤشّراً إلى أنّ النظام الجديد يعيد تقييم أدائه، ولم يعد يوزّع المناصبَ مكافآتٍ للرفاق القدامى. وهي خطوة ضرورية تحرّك الحياة في بعض مفاصل الدولة، على الرغم من دلالتها الأخرى التي تنمّ عن عدم اكتمال استقرار المؤسّسات، وهو الأمر الذي يمكن تفهّمه في سياق المرحلة الانتقالية. أمّا سلاسة التغيير، فيمكن أن تقودنا إلى سؤالنا الأوّل: هل نجح الشرع في بناء مركز قوي للسلطة؟ ويبدو أنّ الإجابة هي نعم، وبصورة أقوى من المتوقَّع. فقد حصل على اعتراف واسع محلّياً وعالمياً، ولم يعد هناك شكّ في استقرار السلطة، لكنّ الدولة ما زالت تنتظر جهداً أكبر لترسيخ بنية فوقية تعكس المبادئ الأساسية، وتجعل الحقوق والحدود والاتجاهات واضحة.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





