سورية.. تحدّيات أمنية وتشريعية

 

 

 

 

 

فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية

 

مع إعلان تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد، واكتمال عدد أعضائه بحسب الإعلان الدستوري، تكون مؤسسات الدولة قد أضافت إلى نفسها ركناً أساسياً من أركان وجودها، السلطة التشريعية التي تراقب عمل السلطة التنفيذية وسنّ القوانين وإقرارها حتى اعتماد دستور دائم للبلاد. المدة الممنوحة لهذا المجلس 30 شهراً، وهي نصف السنوات الخمس التي حدّدها الرئيس أحمد الشرع مرحلةً انتقالية للعبور بالدولة السورية من الحالة الحرجة إلى حالة الدولة المستقرّة التي لديها تشريعات وقوانين ناظمة بشكل دائم. ولكن يجب الاعتراف بأن إعلان اكتمال المجلس لا يعني أن الوضع قد أصبح مستقرّاً، فهناك جملة من التحديات المحدقة بالكيان السوري الوليد، بعضها داخلي وبعضها خارجي، وجميعها جدّية وتهدّد بعرقلة العمل التشريعي والحكومي كله.

قبل لحظات الإعلان الأولى لاستكمال المجلس، شهد الجنوب السوري اضطراباً في قرية عابدين، عندما نفذت إسرائيل اختراقاً آخر غير مألوف، تصدى له السكان المحليون بما يملكون من وسائل بسيطة، ولا يعني تراجع القوات المهاجمة بأن التهديد توقف، فقد قصفت إسرائيل بعد يومين مكاناً فارغاً في المنطقة التي جرت مواجهتها فيها، في رسالة تعني أن ما بدأته لن يتوقف. وقد يحمل تزامن التصعيد في عابدين مع إعلان تشكيل المجلس مضامين أمنية جادّة، ويشمل التهديد الأمني أيضاً منطقة السويداء التي تشهد حالة استعصاء ذات صلة وثيقة بالحالة الإسرائيلية في الجنوب. وترافق إعلان المجلس مع محاولة هجوم من مليشيا “الحرس الوطني” على مناطق حكومية متاخمة، جرى الرد عليها بقوة، ولكن المضمون العملي لهذا الهجوم لا يبتعد كثيراً عن رسالة إسرائيل الضمنية. الحدث الأكثر خطورة، التفجير في دمشق قرب إحدى مؤسّسات السلطة القضائية، وهي السلطة التي تكمل المعمار الحكومي، بالإضافة إلى سلطتي التشريع والتنفيذ، ويهدف ضرب مثل هذه النقطة إلى تهديد أمن مؤسّسة القضاء، ومحاولة لإظهار ضعف بنيوي في هيكل الدولة.

يجب عدم تجاهل تحدٍّ آخر يحمل أثراً مباشراً يكمن في بنية المجلس التشريعي الجديد، ويتعلق بتركيبته الجندرية، فقد اقتصرت مرحلة اللجان على وجود عدد أقل بكثير من نسبة ال20%المقرّرة من النساء. ورغم أن حصة الرئيس حاولت تدارك الأمر وأدرجت 15 اسماً لنساءٍ أصبحن أعضاء في المجلس، إلا أن نسبة الذكور إلى الإناث بقيت تشهد خللاً واضحاً، وهو ما قد ينعكس على طبيعة القرارات المتخذة ودرجة شموليتها والجهات المستهدفة بها، ربما لم يلحظ القائمون على اختيار الأعضاء أن سورية قد شهدت حرباً قاسية، حصدت، بحسب تقديرات، مليون ضحية، كثير منهم رجالٌ سقطوا في ساحات القتال، ما أوجد زيادة في نسبة النساء في المجتمع، الأمر الذي يستدعي وجوداً نسائياً أكثر كثافةً في مرفق أساسي في الدولة، وهو المجلس التشريعي الذي ستُناط به مهمة اقتراح القوانين وإقرارها. أما احتواؤه على هذه النسبة الكاسحة من الرجال، فقد يؤدي إلى زعزعة الثقة المجتمعية بقدرته على التمثيل وإيصال الأصوات واعتماد القوانين الأنسب.

ما زال هناك تحدٍّ من نوع تقني، طبيعة العلاقة بين السلطتين، التنفيذية والتشريعية، فقد رسم الإعلان الدستوري حدوداً واضحة بينهما، ولكن الواقع يقول إن السلطة التنفيذية اختارت عمليّاً جميع أعضاء السلطة التشريعية. والمفترض أن يراقبها المجلس الذي اختارته السلطة التنفيذية ويصحّح أخطاءها. وهنا يمكن طرح سؤال: هل سيدين المجلس التشريعي بوجوده للسلطة ويحاول مجاملتها أو العمل بموجب توجيهاتها، أم سيتمكّن من ممارسة دوره كاملاً؟ وما هي جدّية النقاشات التي يمكن أن تدور تحت قبة المجلس بين السلطتين، والعلاقة بينهما علاقة تعيين؟ وقد علّمتنا التجارب السابقة أن المؤسّسة لا تحمل قيمة بذاتها بنفسها، وأول مساءلة يمكن أن توجّه إلى الحكومة.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...