فاطمة ياسين
كاتبة سورية، صحفية ومعدة ومنتجة برامج سياسية وثقافية
الحرس الثوري الإيراني الذي يُقرأ اسمه بالتوازي مع التطرّف وتشدّد السياسات ومحاولات الهيمنة الإقليمية، وبوصفه السلاح الرئيسي الذي استخدمه الولي الفقيه في تطبيق تصدير النفوذ إلى الخارج، هذه المنظمة لم تولد من الفراغ، فمنذ الأيام الأولى لنجاح الثورة الإسلامية في إيران ولدت بقرار من الخميني، ولم تكن موجودة قبل ذلك إلا على شكل أفكار وجماعات مبعثرة ذات طبيعة دينية. كان خوف الخميني كبيراً من بقايا دولة الشاه وجيشه، والذاكرة الشعبية التي ما زالت مشبعة بصور تعكس اتجاهات متعدّدة في الشارع. وضع الخميني الحرس الثوري في مواجهة ذلك كله لبناء نظامه الجديد، وأصبحت المنظّمة لاحقاً مؤسّسةً ضخمة، مهمّتها المعلنة حماية الثورة، وتُركت مهمّة حراسة الحدود للجيش النظامي، بينما تفرّغ الحرس الثوري لحماية العقيدة الجديدة لنظام ولاية الفقيه.
ظاهرة عدم الثقة بالمؤسّسات التقليدية للدولة، مثَّلها الحرس الثوري بشكل كبير، فقد أصبح كياناً موازياً يحمل كل سمات القوة، يمكن أن يترك أدوات الحكم المدنية والاقتصادية لآخرين، ولكنه قادرٌ على التدخّل في الوقت الذي يريده لحسم الأمور لمصلحته. ومن هنا، نشأ في إيران مصطلح المتشدّدين مقابل المعتدلين أو الإصلاحيين، وهو أسلوبٌ استخدمه الملالي للتلاعب بالمجتمع الدولي، والإيحاء بأن لدى إيران طيفاً لا بأس به من التنوّع السياسي، ولكن الحقيقة أن الحسم كان دائماً في مصلحة تلك المؤسّسة.
منذ تأسيس الحرس الثوري، بدت لديه القدرة على تجاوز القوانين باسم الثورة. وتحت هذا العنوان، هاجمت مجموعات طلبة ثوريين سفارة الولايات المتحدة بطهران في حادثة احتجاز الرهائن عام 1979، واحتجزت 444 يوماً الدبلوماسيين الأميركان. كان ذلك المشهد من المشاهد الافتتاحية لما ستكون عليه إيران، فتحولت إلى حالة التعبئة العامة. ومن تلك التعبئة، تحولت الحرب العراقية الإيرانية إلى تاريخ امتد أكثر من ثماني سنوات، أصبح فيه الحرس الثوري أداة حربية، ثم تمدّد إلى الاقتصاد ودخل بفضل القوة التي امتلكها إلى السياسة.
نفذ الحرس الثوري مهمته الخارجية، وصدَّر نموذجه إلى كل مكانٍ استطاع الوصول إليه، فولد حزب الله في لبنان محاكاةً لنموذج الحرس الثوري. وبمباركة مباشرة منه، نشأ حزب الله عام 1982 خلال الحرب الأهلية قوةً مقاومة، ثم تحوّل تدريجياً إلى دولة داخل الدولة، وصار يملك قرارات الحرب والسلام. وكانت له، حتى وقت قريب، القدرة على تنصيب رئيس الجمهورية أو إبقاء كرسيه خالياً للمدة التي يحدّدها. وبعد سقوط نظام صدّام حسين في العراق، ظهرت مليشيات الحشد الشعبي، وهي مجاميع مسلحة تمتلك عقائد الحرس الثوري، وتقف على مقربة من الحكومة، ولديها تأثير في شكل نتائج الانتخابات وطبيعة رئيس الوزراء. ولم يتأخّر ظهور مجموعات الحوثي في اليمن، وهي ذراعٌ مسلّحٌ يهدّد البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ولديه القدرة على التحرّش بالجيران. ولم يتأخّر الحرس الثوري في الدخول إلى سورية عقب اندلاع الثورة ضد الأسد، فجيَّش مجموعاتٍ عنيفة أصبحت وظيفتها في قمع الثورة توازي مهام جهاز الأمن والجيش النظامي. كل البلدان التي دخلها الحرس الثوري تحولت ممزّقة بوحدة وطنية منهارة وجبهة داخلية فائقة الهشاشة.
أدركت الولايات المتحدة دور الحرس الثوري في إيران والمنطقة، وقد استهدف الرئيس ترامب في ولايته الأولى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري، اللواء قاسم سليماني. وخلال حملتها العسكرية أخيراً على إيران، قضت أميركا بالتشارك مع إسرائيل على عدة قادة من نخبة الحرس الثوري، وقد أملت بذلك أن تخفّف قبضة التشدّد عن هيئة الحكم الإيراني، لتتمكّن من التفاوض مع مجموعة أقلّ تعنّتاً، وأكثر فهماً لطبيعة العلاقات الدولية، ولكن يبدو أن عقيدة التشدّد التي رعاها الحرس الثوري قد انغرست عميقاً في السياسة الإيرانية، وأصبح من الصعب إنهاؤها بالضربة القاضية. ولذلك تبدو أميركا مضطرّة إلى بذل جهد أكبر، حتى تستطيع الجلوس قبالة مَن يمكن التفاهم معه على التسوية بشكلٍ جدّي.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





