نبيل التويول
صحافي ومحلل في الإعلام الدولي
Italia Telegraph
«ما يكتب عن المغرب في العالم لا يعكس فقط ما يجري داخل المملكة، بل يكشف أيضا كيف ينظر العالم إلى موقعها في التحولات الدولية.»
من صورة الإنجاز إلى اختبار إدارة الأزمة
روما — تكشف المتابعة المنهجية للمواد المنشورة حول المغرب خلال الأسبوع الجاري عن تحول ملحوظ في طبيعة الحضور المغربي داخل الإعلام الدولي، ليس من حيث كثافة الظهور فحسب، وإنما من حيث الموضوعات التي أصبحت تؤطر هذا الظهور، والمفردات التي تتحرك داخلها السردية، والزاوية التي تنظر من خلالها المؤسسات الإعلامية الخارجية إلى المملكة.
فبعد أن طغت خلال الفترة السابقة موضوعات التنمية والاستثمار والدبلوماسية والشراكات الدولية على جانب معتبر من التغطية، ثم برز ملف الهجرة وأزمة سبتة باعتبارهما محورا إخباريا متقدما، اتسعت خلال الأسبوع الجاري دائرة الاهتمام لتشمل قضايا السيادة والعلاقات المغربية الإسبانية، والأبعاد الإنسانية والاجتماعية للأزمة، وأوضاع الشباب، إلى جانب استمرار حضور المغرب في مجالات القوة الناعمة والنفوذ المؤسسي الدولي.
وبذلك، لم تعد أزمة سبتة حدثا حدوديا منفصلا عن بقية الملفات، وإنما أصبحت نقطة التقاء بين السياسة الخارجية والأمن والهجرة والمجتمع والعلاقات المغربية الأوروبية، وهو ما يفسر اتساع مساحة الاهتمام الدولي بها وانتقالها بين أكثر من مدرسة إعلامية ومجال جغرافي.
التحول في بنية الحضور الدولي للمغرب
يمكن رصد المسار العام للتغطية خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة باعتباره انتقالا من سردية الإنجاز إلى سردية الأزمة، ثم من الأزمة إلى إعادة تقييم موقع المغرب داخل محيطه الإقليمي والدولي.
ففي المرحلة الأولى، كان المغرب يظهر أساسا من خلال مشروعات التنمية والاستثمار والدبلوماسية والشراكات، وهي موضوعات تمنح الدولة صورة مرتبطة بالصعود الاقتصادي والتحديث والانفتاح الدولي.
وفي المرحلة الثانية، انتقل مركز الثقل إلى الهجرة وسبتة وأمن الحدود، فأصبحت المملكة حاضرة من خلال علاقتها المباشرة بإحدى أكثر القضايا حساسية بالنسبة إلى أوروبا.
أما في المرحلة الراهنة، فقد بدأت هذه الأزمة نفسها تنتج طبقات إضافية من التغطية، فأضيفت إليها مفردات السيادة، والقاصرين، والقضاء، والشباب، والعلاقة الثنائية مع إسبانيا، بما أدى إلى توسيع المجال الذي تبنى داخله الصورة الدولية للمغرب.
وهذا التطور لا يعني بالضرورة انقلابا سلبيا في الصورة الخارجية للمملكة، وإنما يدل بصورة أدق على تغير مؤقت في مركز الجاذبية الإعلامية؛ إذ طغت موضوعات الأزمة على موضوعات التنمية والإنجاز التي كانت حاضرة بقوة في الفترة السابقة.
وكالات الأنباء الدولية — سبتة في مركز التغطية
تقدم تغطيات وكالات الأنباء الكبرى هذا الأسبوع نموذجا واضحا لطبيعة هذا التحول.
فقد ركزت Reuters على أزمة سبتة من خلال تداخل ثلاثة عناصر رئيسية: الهجرة، وأمن الحدود، ومسألة السيادة، بعد التصريحات المغربية بشأن سبتة ومليلية، والموقف الإسباني الرافض فتح نقاش حول وضع المدينتين. وفي السياق نفسه، تابعت الوكالة الإجراءات الأمنية المغربية على الحدود، في ظل المخاوف من محاولات عبور جديدة.
وتكشف صياغة التغطية عن انتقال مهم في توصيف الحدث؛ فالمغرب لم يعد حاضرا فقط باعتباره الدولة التي ينطلق منها المهاجرون، وإنما باعتباره طرفا حكوميا مباشرا في معادلة أمنية وسياسية ترتبط بعلاقته بإسبانيا وبالترتيبات الأوروبية لإدارة الحدود.
وفي المقابل، حافظت Associated Press على تركيز واضح على التداعيات الأمنية والإنسانية للأزمة، مع متابعة الانتشار الأمني على الحدود، وتطورات التحقيقات والإجراءات القضائية المتعلقة بالأحداث التي شهدتها منطقة الفنيدق وسبتة.
وهكذا تحركت التغطية في مسار مؤسساتي واضح:
الحدود → الأمن → التدبير الحكومي → القضاء.
وهو مسار يختلف عن التغطية الإنسانية المباشرة التي تركز على صور المهاجرين، لأنه ينقل الحدث إلى مستوى تقييم قدرة مؤسسات الدولة على إدارة تداعيات أزمة جماعية.
الصحافة الإسبانية — الأزمة من الداخل
تكتسب التغطية الإسبانية خصوصية واضحة، بحكم أن سبتة ليست مجرد ملف خارجي بالنسبة إلى مدريد، وإنما جزء من المجال السياسي والإداري الإسباني.
وقد ركزت El País خلال الأسبوع الجاري على التداعيات الداخلية للأزمة، بما في ذلك وضع القاصرين والمهاجرين الموجودين في سبتة، والخيارات القانونية المتعلقة بإعادتهم أو استقبال بعضهم، فضلا عن الضغط الاجتماعي والسياسي الذي أحدثته موجة الوصول الجماعي إلى مدينة صغيرة من حيث عدد السكان والمساحة.
وأفادت الصحيفة بأن الحكومة الإسبانية تقدر إمكانية استقبال ما يصل إلى خمسة آلاف شخص من الموجودين في سبتة ضمن أوضاع قانونية مختلفة، بينما سيعاد آخرون إلى المغرب.
ويؤدي هذا النوع من التغطية إلى تغيير موقع المغرب داخل القصة؛ فالأزمة لم تعد تقدم فقط باعتبارها مشكلة مغربية إسبانية، وإنما باعتبارها أزمة لها تداعيات مباشرة على إدارة الدولة الإسبانية لشؤون مدينة ذات وضع جغرافي وديموغرافي استثنائي.
من أمن الحدود إلى البعد الإنساني
أحد أكثر التحولات أهمية في التغطية الإسبانية هو انتقال جزء منها من الأرقام والإجراءات الأمنية إلى القصص الإنسانية للأفراد الذين وصلوا إلى سبتة.
فالتغطيات التي تناولت الأطفال والنساء والشباب أعادت صياغة الأزمة بلغة مختلفة، حيث لم يعد المهاجر مجرد رقم في إحصائية عبور، وإنما أصبح فردا يحمل قصة شخصية وتصورا خاصا للمستقبل.
وفي هذا السياق، تناولت El País تصريحات الكاتب المغربي الطاهر بن جلون بشأن السماح بعشرات الآلاف من الشباب بالوصول إلى الحدود، مع تأكيده أهمية عدم تحويل الأزمة إلى سبب لقطع العلاقات المغربية الإسبانية.
كما تناولت الصحيفة في مادة أخرى للكاتب ماحي بنبين مفهوم الرغبة في البقاء، في سياق يضع التحولات التنموية المغربية أمام تطلعات جيل شاب أكثر اتصالا بالعالم وأكثر اطلاعا على نماذج الحياة في أوروبا.
ولا يعني ذلك أن العامل الاقتصادي وحده يفسر الظاهرة، إذ تتداخل معه عوامل عديدة، من بينها شبكات التواصل الاجتماعي، والمعلومات المضللة، وديناميات الحشد الرقمي، والظروف الحدودية، والحسابات الفردية للمهاجرين.
الشباب يدخلون إلى مركز الصورة الدولية
يشكل حضور الشباب في التغطية الحالية أحد أبرز المستجدات مقارنة بالأسبوع السابق.
فحين كانت التغطية تركز على الحدود، كان الشباب يظهر كجزء من حركة الهجرة؛ أما في المرحلة الحالية، فقد بدأ يظهر باعتباره موضوعا قائما بذاته داخل النقاش حول مستقبل المغرب.
وهذا التحول مهم للغاية من الناحية الإعلامية، لأن صورة الدولة تتغير عندما تنتقل التغطية من سؤال حركة الأشخاص إلى سؤال الأسباب التي تشكل خياراتهم المستقبلية.
وبذلك بدأت سبتة تؤدي وظيفة إعلامية تتجاوز جغرافيتها؛ إذ أصبحت مدخلا للحديث عن العلاقة بين التنمية والتوقعات الاجتماعية، وبين المشاريع الكبرى والحياة اليومية، وبين التحول الاقتصادي وشعور الشباب بالفرص المتاحة أمامهم.
ومن الناحية العلمية، لا تسمح المعطيات المتاحة باختزال موجة الهجرة في عامل واحد، كما لا تسمح بتحويل الأزمة إلى حكم شامل على التجربة التنموية المغربية؛ إلا أن بروز هذا الملف في الإعلام الدولي يكشف أن الشباب أصبح عنصرا متزايد الأهمية في الطريقة التي ينظر بها الخارج إلى مستقبل المملكة.
السيادة تعود إلى مركز المشهد
بالتوازي مع البعد الإنساني والاجتماعي، أعادت التصريحات المتعلقة بسبتة ومليلية ملف السيادة إلى مركز الاهتمام.
وهنا اتخذت التغطية مسارا مختلفا تماما؛ إذ انتقلت من إدارة الهجرة إلى التاريخ السياسي للحدود المغربية الإسبانية.
وتناولت Le Monde سبتة باعتبارها منطقة شديدة الخصوصية من حيث التركيبة السكانية والجغرافية والتاريخية، مع تركيز على التوترات الاجتماعية والهوية داخل المدينة.
كما نشرت الصحيفة حوارا مع الباحث الإسباني كارلوس إتشيفيريا خيسوس، الذي ربط الأزمة بما يعتبره طموحات مغربية تجاه سبتة ومليلية، واستخدم مفهوم «الحرب الهجينة» في توصيفه للأحداث. وهذه، من منظور مهني، وجهة نظر الباحث الواردة في الحوار، ولا ينبغي تقديمها باعتبارها موقفا جماعيا للصحيفة أو حقيقة مثبتة بذاتها.
وتكمن أهمية هذا النوع من التغطية في أنه يعيد وضع أزمة الهجرة داخل سياق أعمق و متصل بالتاريخ الاستعماري، والحدود، والهوية، وموازين القوى في غرب المتوسط.
العلاقات المغربية الإسبانية — الاعتماد المتبادل يتقدم على الخلاف
رغم عودة ملف السيادة إلى الواجهة، فإن المعطيات التي تعكسها التغطيات الدولية لا تشير إلى انهيار بنية العلاقات المغربية الإسبانية.
على العكس، تكشف الأزمة عن درجة عالية من الاعتماد المتبادل.
فإسبانيا تحتاج إلى التعاون المغربي في إدارة الحدود والهجرة والأمن، والمغرب يحتاج إلى شراكة استراتيجية مع إسبانيا باعتبارها بوابة رئيسية إلى الاتحاد الأوروبي، فضلا عن المصالح التجارية والاستثمارية والسياحية والأمنية المتشابكة بين البلدين.
ومن ثم فإن العلاقة لا يمكن اختزالها في ثنائية الصداقة أو الخصومة؛ فهي تقوم على نموذج أكثر تعقيدا يجمع التعاون والتنافس والاختلاف والاعتماد المتبادل في آن واحد.
وهذا يجعل الأزمات، جزءا من اختبار نضج العلاقة أكثر مما يجعلها بالضرورة مقدمة لانهيارها.
الوجه الآخر للمغرب — القوة الناعمة والنفوذ الدولي
وفي الوقت الذي كانت فيه سبتة تستحوذ على قدر كبير من الاهتمام، ظهر المغرب في الإعلام الدولي من خلال مسار مختلف تماما.
فقد نقلت Reuters دعم الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم لجياني إنفانتينو، إلى جانب اتحادات عربية أخرى، في سياق التنافس داخل FIFA.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية تتجاوز المجال الرياضي؛ لأن الرياضة أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أدوات القوة الناعمة، ومنصات لبناء العلاقات الدولية وتعزيز الحضور المؤسسي.
وهنا تظهر صورة مغايرة للمغرب: دولة لا تظهر فقط على الحدود الأوروبية، وإنما تتحرك أيضا داخل المؤسسات الدولية، وتستخدم الرياضة والاستضافة والبنية التحتية كجزء من منظومة أوسع للحضور الخارجي.
وبذلك فإن السردية الدولية هذا الأسبوع تحمل صورتين متزامنتين:
المغرب كشريك أمني لأوروبا، والمغرب كفاعل يمتلك أدوات متنامية للقوة الناعمة.
الصورة الرسمية والصورة الخارجية
في موازاة ما تنتجه المؤسسات الإعلامية الدولية، تظل وكالة المغرب العربي للأنباء إحدى القنوات الرئيسية التي تنقل المواقف والمعطيات الرسمية المغربية إلى الخارج.
وهنا تظهر مسألة ذات أهمية استراتيجية في دراسة الصورة الدولية للمملكة: الفارق بين ما تنتجه الدولة عن نفسها، وما تنتجه المؤسسات الإعلامية الدولية عنها.
فالدولة تمتلك روايتها الرسمية، والإعلام الدولي يمتلك أدواته الخاصة في الانتقاء والترتيب والتفسير، بينما يتشكل الرأي العام الدولي في المسافة الفاصلة بين الاثنين.
ولهذا فإن قوة الدولة الاتصالية لا تتحدد فقط بقدرتها على إصدار البيانات، وإنما بقدرتها على فهم البيئة الإعلامية الدولية التي تستقبل تلك البيانات، ومعرفة آليات ترتيب الأولويات داخلها، وتوقع كيفية انتقال الخبر من المصدر الرسمي إلى الوكالة ثم إلى الصحيفة ثم إلى الجمهور.
وهذا تحديدا أحد الأسباب التي تجعل الرصد الإعلامي الدولي أداة استراتيجية وليس نشاطا صحفيا ثانويا.
الخريطة التحريرية للحضور المغربي هذا الأسبوع

يمكن تلخيص توزيع الاهتمام الدولي بالمغرب خلال الأسبوع الجاري في الصورة التالية:
المجال الحضور في التغطية
الهجرة وسبتة مرتفع جدا
الحدود والأمن مرتفع جدا
العلاقات المغربية الإسبانية مرتفع
السيادة وسبتة ومليلية مرتفع
القاصرون والبعد الإنساني مرتفع
الشباب متصاعد
القضاء والتدبير المؤسساتي متصاعد
القوة الناعمة والرياضة متصاعد
الاقتصاد والاستثمار أقل حضورا
الدبلوماسية العامة متوسط
والخلاصة المهنية لهذه الخريطة أن المغرب لم يفقد حضوره الإيجابي، وإنما فقد مؤقتا احتكار الإنجاز لمساحة الاهتمام الدولي، بعدما فرضت الأزمة الحدودية نفسها موضوعا أكثر قابلية للاستهلاك الإعلامي وأكثر قدرة على إنتاج التطورات اليومية.
التحول الحقيقي في السردية
عند مقارنة الأسابيع الثلاثة، يظهر تغير واضح في المفردات التي تحيط بالمغرب:
المرحلة الأولى:
تنمية — استثمار — شراكات — دبلوماسية — مشاريع.
المرحلة الثانية:
هجرة — سبتة — حدود — أمن.
المرحلة الثالثة:
سيادة — إسبانيا — شباب — قاصرون — قضاء — نفوذ دولي.
وهذه الحركة لا تعني انتقال الصورة من الإيجاب إلى السلب، بل انتقالها من صورة الدولة التي تستعرض منجزاتها إلى صورة الدولة التي تختبر قدرتها على إدارة أزمة متنامية.
وهذه نقطة مركزية في فهم التغطية الدولية.
فكلما توسع حضور دولة ما، ارتفعت درجة التدقيق الذي تخضع له، وتنوعت الملفات التي تقاس من خلالها قدرتها على إدارة الأزمات.
ما تكشفه الأزمة عن المرحلة المقبلة
تضع هذه التطورات العلاقات المغربية الإسبانية أمام حاجة واضحة إلى إعادة تنشيط قنوات الحوار السياسي والمؤسساتي، ليس فقط لاحتواء تداعيات أزمة سبتة، وإنما لحماية شبكة المصالح الممتدة بين البلدين من انتقال الخلاف من ملف إلى آخر.
وتزداد هذه الحاجة بالنظر إلى اتساع أجندة التعاون المغربي الإسباني لتشمل الأمن والهجرة والتجارة والطاقة والبنية التحتية والربط المتوسطي، فضلا عن الاستحقاقات الدولية الكبرى التي تجعل استقرار العلاقات بين الرباط ومدريد مصلحة مشتركة تتجاوز الحكومتين إلى المجال الأوروبي والمتوسطي.
وفي هذا السياق، يمكن أن يمثل مفهوم «حوار القرن» بين المملكتين الصديقتين، إطارا استشرافيا مناسبا: ليس حوارا لإطفاء أزمة ظرفية، وإنما مسارا لإعادة تعريف الشراكة المغربية الإسبانية على أساس المصالح المتبادلة وإدارة الاختلافات، بحيث لا تتحول القضايا التاريخية والسيادية إلى عوائق دائمة أمام الملفات التي تحتاج إلى تعاون طويل الأمد.
الخلاصة الاستراتيجية
يظهر المغرب في الإعلام الدولي هذا الأسبوع داخل مشهد متعدد الطبقات: دولة تواجه أزمة حدودية ذات بعد أوروبي، وشريك أمني لا يمكن الاستغناء عنه، وطرفا في نقاش حساس حول السيادة، ومجتمعا يبرز شبابه بصورة متزايدة في النقاش الدولي، ودولة تستخدم الرياضة والاستضافة والقوة الناعمة لتوسيع حضورها العالمي.
ولا تسمح هذه الصورة المركبة باختزال المغرب في أزمة سبتة، كما لا تسمح بتجاهل الأزمة بسبب الإنجازات التي حققتها المملكة.
فالمنهج المهني يقتضي وضع الأمرين داخل الصورة نفسها:
إنجازات حقيقية لا تلغي أزمات حقيقية، وأزمات حقيقية لا تلغي إنجازات حقيقية.
وهنا تكمن القيمة الأساسية للرصد الدولي: الفصل بين الخبر والانطباع، وبين المعطى والتفسير، وبين موقف المصدر والحقيقة، وبين تغير السردية وتغير الواقع نفسه.
وفي هذا المستوى، تكشف حصيلة الأسبوع الثالث أن المعركة الأساسية ليست مع الصحافة الدولية، وإنما مع سرعة تشكل الصورة في عصر تتقدم فيه المعلومة على المؤسسات، وتتحول فيه لحظة محلية إلى حدث دولي خلال ساعات، وتتداخل فيه وكالات الأنباء والصحافة وشبكات التواصل والرأي العام في إنتاج صورة واحدة يصعب تفكيكها بعد اكتمالها.
ومن ثم، فإن امتلاك منظومة وطنية متقدمة لرصد الإعلام الدولي وتحليل اتجاهاته لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره ترفا مؤسساتيا، بل باعتباره جزءا من أدوات الدولة الحديثة في إدارة صورتها ومصالحها وعلاقاتها الخارجية.
فالمغرب الذي أصبح حاضرا في ملفات أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط والمؤسسات الدولية، يحتاج، بالقدر نفسه، إلى معرفة دقيقة بما يقال عنه في هذه المجالات، وإلى القدرة على التمييز بين النقد المهني، والتحليل السياسي، والخطاب الدعائي، والخبر غير الدقيق، والسرديات التي تتشكل بصورة طبيعية، وتلك التي تتضخم بفعل تكرارها وانتقالها بين المنصات.
وفي نهاية هذا الأسبوع، تبدو الصورة الدولية للمغرب أقل بساطة من أن توصف بالإيجاب أو السلب؛ إنها صورة دولة صاعدة تدخل مرحلة أكثر تعقيدا من حضورها الخارجي، حيث يصبح النجاح في إدارة الأزمات جزءا لا ينفصل عن النجاح في صناعة النفوذ، وحيث تصبح القدرة على تفسير الذات للعالم إحدى صور السيادة الحديثة.
وهنا يستعيد برنامج «المغرب في عيون الصحافة الدولية» وظيفته الأساسية: ليس إصدار حكم على المغرب، ولا الدفاع عنه، ولا محاكمته، وإنما تقديم خريطة دقيقة لكيفية تشكل صورته خارج حدوده، أسبوعا بعد أسبوع، ومادة بعد مادة، ومؤسسة إعلامية بعد أخرى، حتى يصبح التحول في السردية مرئيا قبل أن يتحول إلى واقع سياسي.





