حين تتكلم الخريطة بصمت.. الأقاليم الجنوبية بين رمزية الوحدة وحسابات هندسة الحكومة

 

 

 

 

*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه

 

 

 هناك خريطة سياسية لا تظهر كاملة في الحساب البرلماني، لكنها تتكلم بصمت داخل هندسة المرحلة. إنها خريطة الأقاليم الجنوبية، حيث تتقاطع جغرافيا المقاعد مع رمزية الوحدة ومع سؤال أوسع يتصل بهندسة الحكومة.

وفي ضوء هذا التقاطع تحديدًا يكتسب «عيد الوحدة» دلالة تتجاوز رمزيته، لتفتح زاوية أخرى لقراءة ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحولات في التمثيلية والحكامة وتدبير المجال.

فماذا تقول الخريطة السياسية الترابية للأقاليم الجنوبية في سياق تشكيل الحكومة؟

وهل يشكل «عيد الوحدة» الذي أقر جلالة الملك يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدًا وطنيًا مفتاحًا وبعدًا آخر في قراءة سيناريوهات تشكيل الحكومة؟

إن قراءة نتائج الانتخابات وسيناريوهات تشكيل الحكومة لا تكتمل بالخريطة الوطنية وحدها. فجهتا العيون ـ الساقية الحمراء والداخلة ـ وادي الذهب تمثلان معًا 21 مقعدًا برلمانيًا. وهما ليستا كتلة سياسية منفصلة عن الخريطة الوطنية وإنما جزء من البنية الانتخابية والترابية التي أفرزت الأغلبية والمعارضة.

ومن هنا فإن تمثيلية الأحزاب في الأقاليم الجنوبية تفتح زاوية أخرى لفهم هندسة الائتلاف الحكومي: كيف تتقاطع القوة البرلمانية الوطنية مع الامتداد الترابي والجهوي والرمزي للأحزاب؟

وهذا البعد يكتسب دلالة إضافية في سياق وطني أعيد فيه تأطير معنى الوحدة بصورة مؤسساتية ورمزية جديدة. فقد أقر جلالة الملك يوم 31 أكتوبر من كل سنة عيدًا وطنيًا باسم «عيد الوحدة» وربط البلاغ الملكي هذه المناسبة بالوحدة الوطنية والوحدة الترابية للمملكة وبالتحول التاريخي الذي عرفه مسار القضية الوطنية.

وتكتسب هذه الخريطة دلالة أعمق خاصة ونحن على أبواب مرحلة جديدة قد تجعل الحكم الذاتي ينتقل من مستوى التصور السياسي إلى مستوى التنزيل المؤسساتي والعملي. وعندها لن تعود التمثيلية السياسية للأقاليم الجنوبية مجرد أرقام في الخريطة البرلمانية وإنما ستصبح جزءًا من سؤال أوسع حول من سيمثل المجال ومن سيدبره وكيف ستتوزع الأدوار داخل هندسة مؤسساتية جديدة.

ومن ثم فإن استحضار هذا المعطى في قراءة المرحلة لا يعني وجود علاقة مؤسساتية مباشرة بين «عيد الوحدة» وتشكيل الحكومة. وإنما يضع المفاوضات داخل سياق وطني أوسع تتداخل فيه مفاهيم الوحدة والاستقرار والتماسك المؤسساتي مع التعدد الحزبي والتنافس البرلماني.

وهنا تصبح الخريطة الترابية أكثر من مجرد توزيع جغرافي للمقاعد. إنها تكشف كيف تتوزع القوة السياسية على المجال الوطني وكيف تتقاطع التمثيلية البرلمانية مع الامتداد الجهوي والرمزي للأحزاب. وفي حالة الأقاليم الجنوبية تكتسب هذه القراءة خصوصية إضافية بالنظر إلى مركزية الوحدة الترابية في البناء السياسي والاستراتيجي للمملكة.

في تقديري إذا كان الحوار والمفاوضات يقودهما اتجاه قوي في خلق التسويات وإدارة الخلافات وتدبير التباينات وبناءً على سياسة التناوب القائمة على أساس التراضي التي انتهجها بلدنا منذ حكومة عبد الرحمن اليوسفي فقد نكون أمام مسار تفاوضي يتجاوز الحساب الضيق للمقاعد نحو بناء توافق سياسي أوسع.

وقد يقود هذا المسار إلى شبه إجماع داخل ائتلاف الأغلبية الحكومية بما يفضي إلى أغلبية ذات قاعدة واسعة ومتعددة المكونات. غير أن المفارقة ستظل قائمة: كلما اتسعت قاعدة الأغلبية سياسيًا تقلص مجال توزيع المواقع إذا كانت الحكومة نفسها تتجه نحو عدد أقل من الحقائب.

وهنا تحديدًا تصبح المفاوضات اختبارًا حقيقيًا لفلسفة التشكيل الحكومي: هل تكون الحكومة انعكاسًا رياضيًا للخريطة البرلمانية أم تركيبًا سياسيًا أكثر انتقائية يستند إلى البرامج والأولويات والكفاءة وتوزيع الاختصاصات؟

إن الفرق بين النموذجين ليس تفصيلًا تقنيًا. فالأول ينظر إلى الحكومة باعتبارها حاصل جمع للأحزاب والمقاعد. أما الثاني فينظر إليها باعتبارها بنية مؤسساتية يفترض أن تتحول فيها الأغلبية البرلمانية إلى قدرة تنفيذية منسجمة.

وبين النموذجين تقع المساحة الحقيقية للتفاوض. فالحكومة لا تُبنى بالمقاعد وحدها كما أن الوحدة لا تُختزل في الرمزية. وإنما تتشكل الهندسة السياسية عندما تلتقي الخريطة البرلمانية بالخريطة الترابية وبحاجة الدولة إلى أغلبية قادرة على التماسك والعمل وصناعة القرار.

ومن هنا قد يكون السؤال الأعمق في المرحلة المقبلة ليس فقط: من سيدخل الحكومة؟ وإنما أيضًا: كيف ستنعكس الخريطة السياسية والترابية الجديدة على فلسفة تشكيلها؟

______
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّهِ مفكّر وباحث مغربي متخصّص في العلوم القانونيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، يهتم بقضايا الدولة والمجتمع والسياسات العموميّة والتنمية والتحوّلات السياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة.
له عدة إسهامات فكريّة ودراسات ومقالات في الشأن المغربي والعربي والإسلامي.
ومن أبرز مؤلفاته: «الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية» (2000)، و«الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة» (2015)، و«الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة» (2020).


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...