سامح راشد
باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط.
رغم مرور عشرة أيّام فقط منذ توقيع اتفاقية مكّة للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية، تتزايد التساؤلات بشأن أسباب عدم انضمام مصر إليها، بعد أن كانت جزءاً من المشاورات والتنسيقات بين الدول الأربع في الأشهر الماضية. ما اضطرّ مصر الرسمية، ممثّلةً في وزير الخارجية بدر عبد العاطي، إلى التعليق وتوضيح الموقف. لكنّه اكتفى بالقول إنّ القاهرة تدرس فكرة الانضمام إلى الاتفاقية، مشيراً إلى الاعتبارات الدستورية الحاكمة لتحريك الجيش المصري خارجياً. وهو ما يعني أنّ الموقف غير محدّد بعد، أو على الأقلّ، هذا ما تريد مصر إظهاره حالياً.
في العموم، يمكن تفسير (وليس تبرير) حالة الغموض، أو بالأدقّ الارتباك، التي تعانيها السياسة المصرية بشكل عام في الإقليم بالنظر إلى وضعية مصر في المنطقة، وإلى طبيعة علاقاتها مع مختلف الأطراف الإقليمية. لم تعد الصعوبة، في المشهد الإقليمي الحالي، تكمن في قلّة الخيارات، وإنّما في تعدّدها، وهو ما أشار إليه عبد العاطي بقوله: “هناك أفكار ومبادرات كثيرة حول الترتيبات الأمنية في الإقليم”.
لتلك اللفتة دلالة غاية في الأهمّية، إذ تدرك مصر أنّ الشرق الأوسط نظام إقليمي معقّد ومتشابك، وتتعدّد مستويات الأمن فيه، بل هو ذاته يضمّ نظماً إقليمية فرعية عدّة، بما يعنيه ذلك من وجود صيغ مختلفة، وربّما تصوّرات متباينة لترتيبات الأمن والاستقرار.
تقليدياً، تلتزم مصر الحذر في تحرّكاتها الإقليمية، وبخاصّة تجاه التحالف أو التنسيق العميق مع دول المنطقة، وخصوصاً غير العربية منها. غير أنّ التطوّرات المتلاحقة وتبعاتها تدفع القاهرة دفعاً إلى مواكبة مقتضياتها والتفاعل مع مجرياتها. الملاحظ أنّ مصر تحرص في ردّات فعلها على تجنّب المحاور والاستقطاب الحادّ، إلّا إذا كان الأمر جوهرياً للمصالح الاستراتيجية أو يتعارض مع مقوّمات “الدولة” المصرية، كما كان الحال خلال “الربيع العربي”.
ومن المفارقات تزامُن عودة السياسة المصرية إلى التموضع طرفاً محايداً ومؤهَّلاً للوساطة ومقبولاً من الجميع، مع احتدام النزاعات الإقليمية وتزايد حدّة الخلافات، بما يفرض على مختلف الدول اتخاذ قرارات قاطعة غير توازنية، والسير في مسارات واضحة غير ملتبسة. وقد تعرّضت مصر بالفعل لعدد من الاختبارات في الأعوام الماضية، بدءاً بالحرب الروسية الأوكرانية، حيث المفاضلة بين تأييد موسكو، الحليف التاريخي وراعي البرنامج النووي المصري السلمي، أو الانحياز إلى كييف، رأس حربة المعسكر الغربي، وبخاصّة القطب الأميركي ذي العلاقة الوثيقة متعدّدة المسارات مع مصر، وبخاصّة اقتصادياً وعسكرياً.
ومع “طوفان الأقصى”، وجدت مصر نفسها في موقف أشدّ إحراجاً وإرباكاً، ولم تنجح في تخطّي المأزق بضغوطه الداخلية والخارجية، سوى بفضل تمادي بنيامين نتنياهو في صلفه واضطرار دونالد ترامب إلى ممارسة ضغط مباشر وحاسم لوقف المجازر في غزّة، ولو شكلياً.
كان نشوب الحرب الأميركية الإيرانية بمثابة التحدّي الأكبر إقليمياً أمام مصر، إذ صار مطلوباً من القاهرة توجيه بوصلتها بدقّة وسرعة، والاختيار من بين بدائل متعارضة، بل متناقضة. وأمام صعوبة الاختيار والقيود المصاحبة لكلّ بديل، فضّلت مصر التحرّك في المساحة الرمادية، لتتواصل وتتفاعل وتناور وتلاعب كلّ الأطراف معاً، من دون الاضطرار إلى تسديد فواتير أو الوفاء بالتزامات الاصطفاف المُسبَق. وها هي تراهن مجدّداً على الوقت وتنتظر مبادرات الأطراف الأخرى لتدرس خياراتها وتزن حدود استجابتها واتجاهها.
ليست مشكلة مصر في اتفاقية مكّة ذاتها، فثمّة وقت قبل مأسستها وتحويلها إلى هيكل منظَّم وآلية نشطة للدفاع والأمن، كما أنّ كلاً من أنقرة وإسلام أباد يتفهّمان تعقّد الحسابات المصرية وقيودها. لكنّ المعضلة الفعلية والدائمة لمصر هي الإمساك بكلّ الخيوط، وتوهّم القدرة على موازنة العلاقة مع مختلف الأطراف وإرضائها جميعاً.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





