كيف تحافظ على منصبك؟ وكيف تصعد في سلم الترقي؟

 

 

 

الدكتور مصطفى قرطاح
باحث في أصول الفقه ومقاصد الشريعة الإسلامية.

 

 

نحن على مشارف انتخابات تشريعية جديدة، ستفرز لنا حكومة جديدة، وإذا قدر للسيد أحمد التوفيق بارك الله في عمره وحفظه في صحته أن يتولى وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية لولاية أخرى، ويواصل مسيرته المظفرة في توقيف الخطباء ورؤساء المجالس العلمية، فإني أنصحه أن يلحق السيد عبد الخالق حيساني بديوانه، وأن يكلفه بقسم الإعلام والاتصال بوزارة الأوقاف، يدبج البلاغات والبيانات، ويفند الشبهات والادعات، ويسل قرارات السيد الوزير كما تسل الشعرة من العجين.
فالرجل ذو باع طويل في الاتصال بالجماهير والتواصل معهم، والخوض في القضايا الفكرية والسياسية، وذو عارضة قوية في الحجاج ورد الشبه، اكتسب تلك القدرات والمهارات منذ نعومة أظفاره، ولا زال يتدرج في اكتسابها وشحذها إلى أن صار رئيسا لمجلس علمي محلي. والظاهر أن هذا المنصب صار يضيق به، ولا يناسب كفاءاته وطموحاته، وهو يحتاج إلى منصب أكبر وموقع متقدم.
سمع السيد عبد الخالق حيساني من السيد أحمد التوفيق عبارات أطلقها في حق خطباء غير ملتزمين بخطة تسديد التبليغ، وآخرين من غيرهم منتقدين لها، سمع منه عبارات من قبيل: المرضى، والمشوشين، والخوارج، والمجرمين، وصناع فتاوى الإرهاب، فقدر أنها عبارات ومصطلحات لم تعد تفي بالمطلوب، ولا بد من مصطلحات أشد وطء وأبلغ أثرا، فانتدب نفسه لهذه المهمة، ودبج مقالا تحت عنوان: متى تعفي الدولة خطيب الجمعة؟ ثم انهال على الخطباء المعزولين وعلى خطبهم بوابل من الأوصاف التي لا حاجة بنا إلى أن نسميها شتائم؛ وهذه عينة منها: “تهور غير مسؤول”، إخلال بالأمانة العلمية والوظيفية، فشل في تحمل المسؤولية الكبرى المتمثلة في حفظ السلم الاجتماعي ووحدة الصف، ادعاء “الشجاعة”، البحث عن “بطولات زائفة” على حساب استقرار الوطن، المزايدات الشعبوية، الصراخ وتهييج الجماهير، إثارة التشويش والنشاز، الجهل، التحليل السياسي العشوائي، “الخطب الحماسية” التي لا تزيد المواطن إلا تشويشا و الصف تشرذما، والوطن انتكاسا،…
حين تسمع من السيد عبد الخالق هذه التعبيرات والمصطلحات تعود بك ذاكرتك إلى بعض الخطباء ورؤساء المجالس العلمية الذين تم إعفاؤهم، وأكتفي بذكر ثلاثة منهم؛ أولهم رضوان بنشقرون، الخطيب السابق بمسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء، ورئيس المجلس العلمي المحلي لعين الشق، وقد تم إعفاؤه في 14 يوليوز 2010م، وثانيهما: الدكتور محمد أبياط، الذي تولى الخطابة منذ سنة 1989م وتم إعفاؤه سنة 2016، وثالثهم الدكتور محمد العمراوي مدير معهد الإمام مالك للتعليم العتيق بمدينة سيدي سليمان، الذي تم إعفاؤه من رئاسة المجلس العلمي المحلي سنة 2014م، ثم من خطبة الجمعة كذلك، أتذكر هؤلاء بشيبتهم، ومستوياتهم العلمية، وتجربتهم الدعوية، وأقول لهم ولأمثالهم: تعالوا أيها المتهورون لتتعلموا الحكمة وفصل الخطاب من السيد عبد الخالق حيساني، فقد أحاط بما لم تحيطوا به، وجاءكم من طانطان بنبأ طنان. تعالوا لتتعلموا الهدوء والاتزان من رجل يفهم ويدرك سيكولوجية الخطباء وعقلياتهم و طبقاتهم..واتركوا الصراخ وتهييج الجماهير، تعالوا لتتعلموا فقه المآلات وتدركوا طبيعة إدارة شؤون الدين و التدين في الدولة الحديثة..
عمد السيد حيساني في إثبات تهور الخطباء المعزولين إلى تلبيس الحق بالباطل، إذ لجأ إلى الاختباء وراء مؤسسة إمارة المؤمنين مشبها لها بالبوصلة الاستراتيجية للبلاد، وهنا نقول للسيد حيساني: لقد صدقت القول، وأحسنت التشبيه، ولكن أيلزم من دقة البوصلة وانضباطها، ومن استقامة الطريق وجودتها، أن يسير السائق أو الربان في الاتجاه الصحيح؟ ألا يمكن أن يكون السائق أو الربان واهن القدرات ضعيف المهارات؟ وهنا يحسن أن نذكرك بالأحداث الآتية:
تساءل أمير المؤمنين في خطاب 30 يوليوز 2014م: أين الثروة؟ وهل استفاد منها جميع المغاربة؟
وفي خطاب 14 أكتوبر 2016 بمناسبة افتتاح السنة التشريعية للبرلمان ، انتقد أمير المؤمنين الفساد الإداري وقال: “يقال كلام كثير بخصوص لقاء المواطنين بملك البلاد، والتماس مساعدته في حل العديد من المشاكل والصعوبات عن غير أن الإدارة يجب أن تقوم بواجبها، فالمواطنون الأكيد أنهم يلجؤون إلي بسبب انغلاق الأبواب أمامهم، أو لتقصير الإدارة في خدمتهم، أو للتشكي من ظلم أصابهم”
حسب “فهامات” السيد عبد الخالق، يكفي المسؤولين عن الوزارات أن يجيبوا: إنما نحن مؤسسات تابعة لأوركسترا الدولة؟ وإنما نحن نعزف وراء المايسترو الحكيم؟
إنك يا سيد عبد الخالق تنسب من حيث لا تدري إلى إمارة المؤمنين الأخطاء الإجرائية التي ترتكبها الوزارات والإدارات، ومنها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية والمديريات التابعة لها، وتحمل إمارة المؤمنين أوزار الظلم والضعف والتقصير الذي ترتكبه، وما ذلك إلا بسبب فهمك الرجعي عن الدولة والمؤسسة الملكية في علاقتها بالسياسات العمومية والوزارات القائمة عليها.
ولأنك رئيس مجلس علمي، يفترض فيك الرجوع إلى الشرع الحنيف عند معالجة قضية معينة، أجد من اللائق أن أذكرك بأحاديث نبوية في شأن التعامل مع المسؤولين، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ستكون أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله، فما تأمرنا؟ قال: ” تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم» ، وقوله عليه الصلاة والسلام: «إنه يستعمل عليكم أمراء. فتعرفون وتنكرون. فمن كره فقد برئ. ومن أنكر فقد سلم. ولكن من رضي وتابع» . والشاهد عندي في الحديثين هو الحث على الإنكار، ولم يدع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصمت أو إلى تبرير الفساد بأنه أمور مصلحية اقتضتها شؤون الدولة.
يدعو السيد حيساني كل “داعية إلى الخير” و كل “صاحب منبر حق” أن يساهم إلى جانب إمارة المؤمنين في الدفاع عن اختيارات الدولة”، ونقول: أجل، إذا كان الأمر يتعلق بمغربية الصحراء وترسيخ الثوابت الدينية وحفظ التماسك المجتمعي والإسهام في التنمية، فإني لا أعلم داعية أو صاحب منبر حق تخلى عن هذا الواجب أو تقاعس عنه، وعلى رأسهم الخطباء ورؤساء المجالس العلمية المعزولون، وإذا كنتَ تقصد باختيارات الدولة بعض التوجهات والتصرفات التي يحاول بعض النافذين تمريرها من قبل السماح لسفينة الشواذ جنسيا بالرسو في ميناء طنجة والتجول في أحيائها، أو تقصد تمرير العلاقات الجنسية الرضائية بدعوى احتضان كأس العالم؛ كما ذهب إلى ذلك وزير العدل في تصريحه، فنقول: إن الصمت عن هذه الموبقات هو عين الفوضى والتشويش، وتشردم الصف وانتكاسة الوطن، بل وخسارة الدنيا والآخرة.
ختاما، نعود إلى السؤال الذي ترجم به السيد عبد الخالق مقالته، ونقول: إن السؤال الحقيقي الذي تنطق به أسطر المقالة هو: كيف تحافظ على منصبك الديني؟ وكيف تصعد في سلم الترقي؟ والجواب: قمع الخطباء القائمين، وجلد الخطباء المعزولين، والتصفيق للسيد الوزير في كل قراراته، نسأل الله تعالى العفو والعافية، وحسن العاقبة، والحمد لله رب العالمين..

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...