عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
عمل روائي للكاتب والروائي بوحافة العرابي يفتح أسئلة الذاكرة والعدالة والتنمية، ويضع الإنسان في قلب العلاقة بين الأرض والقانون والدولة
في المشهد الروائي المغربي المعاصر، تظهر من حين إلى آخر أعمال لا تكتفي بحكاية شخصياتها، وإنما تجعل من الحكاية مدخلًا إلى أسئلة أكبر تتصل بالمجتمع والذاكرة والعدالة والتحولات التي يعرفها الإنسان في علاقته بالمكان. ومن هذا النوع تأتي رواية “أوراق الفلاح الأخير” للكاتب والصحفي المغربي بوحافة العرابي، الصادرة عن دار مسار للنشر والتوزيع بجمهورية مصر العربية، باعتبارها تجربة سردية تنطلق من فضاء قروي مغربي لتلامس قضايا تتجاوز حدود القرية، وتضع الأرض في مواجهة الورق، والذاكرة في مواجهة القرار، وصوت الفلاح في مواجهة لغة الملفات والإجراءات.
الرواية لا تقدم الأرض باعتبارها مجرد مساحة جغرافية قابلة للتقسيم وإعادة التهيئة، وإنما باعتبارها ذاكرة حية، تحمل آثار الذين عاشوا فوقها، وتختزن علاقات إنسانية واجتماعية تشكلت عبر أجيال. ومن هنا تأتي أهمية “أوراق الفلاح الأخير”، التي تجعل من سؤال بسيط في ظاهره، عميق في دلالته، محورًا للحكاية، ماذا يحدث عندما تصطدم مشاريع التنمية بحق الإنسان في أن يكون حاضرًا في القرار المتعلق بالأرض التي عاش فيها وعاش عليها أسلافه؟
من الصحافة إلى الرواية… حين يتحول التحقيق إلى حكاية
يحمل بوحافة العرابي إلى تجربته الروائية مسارًا مهنيًا ومعرفيًا متنوعًا؛ فهو كاتب وصحفي مغربي مقيم في إيطاليا، درس القانون بكلية الحقوق القاضي عياض بمراكش، قبل أن يلتحق بسلك الوظيفة العمومية، حيث اشتغل في إدارة السجون، ثم واصل مساره في مجال الصحافة والكتابة. ولعل هذا التداخل بين القانون والعمل المؤسساتي والصحافة والكتابة الأدبية يفسر جانبًا مهمًا من طبيعة روايته، التي تتحرك باستمرار بين الوثيقة والحكاية، وبين السؤال القانوني والسؤال الإنساني، وبين ما تقوله الأوراق وما تقوله الأرض.
ولا يبدو حضور الصحفي في الرواية مجرد خلفية لشخصية من شخصياتها، بل يتحول إلى جزء من بنيتها الداخلية. فشخصية “يونس الرداد” تدخل إلى الحكاية وهي تحمل حساسية الصحفي الذي يريد أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يستمع قبل أن يكتب. وعندما يعود إلى “الفيلاج”، لا يعود فقط إلى مكان غادره، بل يعود إلى ذاكرة ظلت مفتوحة في داخله، ليجد نفسه أمام قضية تجعل الصحافة وسيلة لاكتشاف المجتمع، وليس مجرد أداة لنقل الأخبار.
ومن خلال يونس، يطرح الكاتب سؤالًا جوهريًا حول وظيفة الصحافة نفسها، هل الصحفي موجود لكي يصدر الأحكام، أم لكي يجعل ما يحدث مفهومًا؟ وهل يمكن للكلمة الصحفية أن تكون مساحة للوساطة بين المجتمع والمؤسسة بدل أن تكون مجرد أداة للصدام؟
إنها أسئلة تتطور داخل الرواية بهدوء، قبل أن تصل إلى واحدة من أكثر خلاصاتها دلالة، “التنمية ليست سرعة… التنمية فهم.”
“الفيلاج” و”دوار العرصة”… مكان متخيل يشبه أماكن كثيرة
اختار المؤلف بوحافة العرابي فضاءً روائيًا يحمل اسم “الفيلاج”، وداخل هذا الفضاء يظهر “دوار العرصة” باعتباره المسرح الأساسي للأحداث. غير أن المكان، رغم كونه متخيّلًا، لا يبدو منفصلًا عن الواقع المغربي؛ فهو قرية بكل تفاصيلها اليومية، بمقاهيها، وحقولها، وساقيتها، وبيوتها، وشخصياتها، وعلاقاتها المتشابكة، وبالطريقة التي تنتقل بها الأخبار من فم إلى آخر قبل أن تصل إلى المكاتب الرسمية.
وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الرواية، فالكاتب لا يحاول أن يجعل القرية مجرد خلفية للأحداث، بل يمنحها شخصية خاصة. فالمكان يتحرك مع الشخصيات، ويؤثر فيها، ويحتفظ بذاكرتها. والطريق ليست طريقًا فقط، والساقية ليست مجرد مجرى للماء، والزيتونة أو شجرة التين ليستا مجرد عناصر طبيعية في المشهد. فكل شيء يحمل أثرًا، وكل تفصيل صغير يمكن أن يتحول إلى شاهد على علاقة الإنسان بمحيطه.
لهذا تبدو “العرصة” في الرواية أشبه بمختبر اجتماعي صغير، تتقاطع فيه المصالح الفردية مع المصلحة العامة، وتتواجه فيه لغة الإدارة مع لغة الفلاح، وتلتقي فيه الدولة بالمجتمع على أرض حقيقية، لا على صفحات التقارير.
امبارك بن عسو… الفلاح الذي رفض أن يتحول إلى رقم
في قلب هذه الحكاية يقف “امبارك بن عسو”، الشخصية التي تمنح الرواية عنوانها الأخلاقي والإنساني الأعمق. إنه ليس فلاحًا يرفض التنمية من حيث المبدأ، ولا رجلًا يقف ضد التغيير لمجرد الوقوف في وجهه، وإنما يمثل شخصية تسأل عن معنى التنمية عندما تصل إلى الأرض دون أن تستمع إلى أصحابها.
هنا امبارك لا يتحدث بلغة البيانات والمذكرات الإدارية، وإنما بلغة الأرض. وبالنسبة إليه، الأرض ليست سلعة فقط، والساقية ليست قناة ماء، والبيت ليس مجرد بناء يمكن تعويضه بمبلغ مالي. بل هناك شيء لا يظهر في الوثائق، لكنه حاضر في الذاكرة، ويكمن في صورة علاقة الإنسان بالمكان.
ولهذا تصبح شخصية امبارك أكثر من شخصية روائية حكوية ؛ إنها صوت طبقة اجتماعية كاملة تخشى أن يتحول الإنسان إلى رقم داخل ملف، وأن يتحول تاريخ المكان إلى مساحة قابلة للقياس فقط. وهو ما تلخصه الفكرة المركزية التي تتردد في فضاء الرواية، والتي مفادها أن “الحقيقة ليست في السوق، بل الحقيقة في الأرض.”
وعموما فالرواية لا تمنح امبارك بطولة سهلة أو انتصارًا مباشرًا. وهذه نقطة مهمة في البناء الروائي. فالرجل لا يهزم الدولة، والدولة لا تسحقه، وإنما تحدث بين الطرفين مساحة من الفهم والتفاوض والتعديل. وحين تنحرف الطريق قليلًا، وحين تُحفظ الساقية، وحين تُصان بعض التفاصيل التي كان يمكن أن تضيع تحت عجلة المشروع، يصبح الانتصار الحقيقي هو أن التنمية لم تعد نقيضًا للذاكرة.
الساقية… الشخصية التي لا تتكلم لكنها تقول كل شيء
وإذا كان امبارك يمثل الصوت الإنساني للأرض، فإن الساقية تمثل صوت الأرض نفسها. إنها واحدة من أكثر الرموز حضورًا في الرواية، لأنها تتجاوز وظيفتها الطبيعية لتصبح صورة لعلاقة الإنسان بالمكان.
كان يمكن للطريق أن تُبنى بطريقة أسهل، حيثةيتم قطع المجرى، وتغيير مساره، أو التضحية به باسم المشروع. لكن الرواية تختار طريقًا آخر؛ طريقًا يسمح للطريق بأن تمر وللماء بأن يستمر في الجريان.
وهنا يتحول الحل الهندسي إلى معنى روائي خارق يغوص في عمق الواقعية الصرفة، بعيدا عن خيال السينما. فالقنطرة التي تمر تحتها الساقية ليست مجرد منشأة صغيرة، بل تصبح صورة لما يمكن أن يحدث عندما لا تُفهم التنمية باعتبارها انتصارًا لطرف على طرف. إذ يتمكن الطريق من العبور، والماء معه في نفس المسار، ومعهما يبقى الإنسان حاضرًا بذاته وحقه.
ولذلك فإن الساقية، في النهاية، تصبح واحدة من الشخصيات الصامتة الأكثر تأثيرًا في الرواية؛ فهي لا تتكلم، لكن استمرارها في الجريان يصبح جوابًا عن السؤال الذي حملته الحكاية منذ بدايتها: كيف نبني دون أن نقطع؟
القانون حين يلتقي بضمير الأرض
من العناصر اللافتة في رواية “أوراق الفلاح الأخير” حضور البعد القانوني المؤسساتي دون أن يتحول النص إلى درس في القانون. وهذا أمر يرتبط، بصورة واضحة، بخلفية الكاتب الأكاديمية والمهنية. فالرواية تستحضر قضية الأراضي الجماعية والسلالية، والتعويضات، واللوائح، والحقوق، والقرارات الإدارية، لكنها لا تسمح للمصطلحات القانونية بأن تبتلع الإنسان، وتمزق الطابع الأدبي.
وهنا تظهر “سلمى الطوس” بوصفها إحدى الشخصيات التي تجسد هذا الجسر بين عالمين؛ عالم القانون والمؤسسة من جهة، وعالم القرية والأرض والذاكرة من جهة أخرى. ومن خلالها يفتح النص مجالًا للتأمل في سؤال بالغ الأهمية: هل يكفي أن يكون القرار قانونيًا حتى يكون مفهومًا وعادلًا في نظر من يعيش نتائجه؟
وللإجابة على هذا الطرح، تذهب الرواية فوق أفق الانتظار، فهي لا تقدم إجابات مباشرة، ولا تحاول أن تتحول إلى مرافعة سياسية أو قانونية، وإنما تضع الشخصيات أمام الأسئلة، وتترك للقارئ مهمة اكتشاف التعقيد الذي يوجد بين النص القانوني وبين الحياة اليومية، بل وتجبر خياله على السباحة لنسج خريطة من الحلول قد تتوافق مع رؤية النص الروائي، وربما تذهب عكس ذلك.
يونس الرداد… الصحفي الذي اختار أن يفهم قبل أن يكتب
يكتسب حضور يونس أهمية خاصة لأنه يمثل عين الرواية. ولإنه الصحفي الذي يأتي من خارج المشهد ثم يجد نفسه جزءًا منه. حيث يبدأ بالمراقبة، ثم يسأل، ثم يحقق، ثم يكتب، وفي النهاية يكتشف أن الصحافة لا تستطيع أن تكتفي بنقل الوقائع إذا كانت تريد أن تفهم المجتمع.
ولهذا فإن المقال الذي يكتبه يونس في نهاية الرواية لا يبدو إضافة خارجية إلى الحكاية، بل امتدادًا طبيعيًا لها. فهو يحاول أن يمنح الأحداث ذاكرة مكتوبة، بعدما كانت في البداية مجرد نزاع محلي يمكن أن يختفي داخل الملفات الادارية بين رفوف الجماعة الترابية أو العمالة أو أرشيف الولاية.
وتصل الرواية هنا إلى تصور عميق لوظيفة الصحافة: فالصحافة ليست بالضرورة صوتًا أعلى من أصوات الآخرين، وإنما يمكن أن تكون هي عينها المساحة التي تسمح للأصوات المتفرقة بأن تُسمع في سياق واحد.
وفي هذا السياق تأتي عبارة يونس: “الدولة ليست دائمًا وقود الجرافة… أحيانًا تكون أذنًا.” وهي عبارة تختصر التحول الذي شهدته الحكاية، من مشروع كان يمكن أن يتحول إلى صدام، إلى تجربة أصبح فيها الاستماع جزءًا من الحل.
لغة الرواية… فصحى السرد ودفء الدارجة
على المستوى الفني، تعتمد الرواية سردًا عربيًا فصيحًا واضحًا، فيما تأتي الحوارات في كثير من المواضع بالدارجة المغربية، وهو اختيار مثالي وذكي، يمنح الشخصيات صوتها المحلي وخصوصيتها الاجتماعية. فالفلاحون لا يتحدثون كما يتحدث موظفو الإدارة، والقرية لا تتحدث بلغة البيانات، والشخصيات تحمل في كلامها شكل وقيمة طبقتها الاجتماعية وتجربتها ومكانها.
هذه المزاوجة بين الفصحى والدارجة لا تؤدي وظيفة جمالية فقط، بل تخدم الواقعية الداخلية للنص. فحين يتحدث امبارك أو سعيد أو رجال الدوار، يشعر القارئ أن الصوت صادر من المكان نفسه، وليس من راوٍ يحاول تقليد المكان، مما يجهل القارئ ينصهر في الكتلةالنصية ليصير بطلا أو مشاهدا يعيش الرواية.
أما السرد، فيتحرك بين التفاصيل اليومية والمشهد الاجتماعي والحوار والتأمل، بشكله البطئ كحياة القرى، وهو ما يمنح الرواية طبيعة خاصة، تجعلها قريبة في بعض مستوياتها من الحس الصحفي للكاتب، دون أن تفقد انتماءها إلى الفن الروائي.
الطريق… من مشروع عمراني إلى استعارة للحياة
ربما يكون “الطريق” هو الرمز الأكثر اتساعًا في الرواية. ففي البداية يظهر باعتباره مشروعًا عمرانيًا، ثم يتحول تدريجيًا إلى سؤال عن اتجاه المجتمع نفسه: إلى أين نمضي؟ وكيف نمضي؟ ومن يمشي معنا؟
وعندما تكتمل الطريق في نهاية المشروع التأهيلي، لا يكون اكتمالها مجرد نهاية للأشغال. فالطريق التي عبرت الساقية دون أن تقتلها، والتي أمكن أن تستوعب الأرض بدل أن تمحوها، أصبحت صورة لنوع آخر من التنمية، تنمية لا ترى في الأرض عقبة، ولا في الإنسان عائقًا، ولا في الذاكرة شيئًا يجب التخلص منه.
ومن هنا تأتي إحدى أكثر الحكم التي تختزنها الرواية من حيت الدلالة الفنية، “الطريق ليست إسفلتًا… الطريق طريقة.”
إنها ليست عبارة عن الطريق وحدها، وإنما عن كيفية بناء المستقبل. فالمشكلة ليست دائمًا في الوصول، وإنما في الطريقة التي نصل بها.
رواية عن المغرب… ولكنها لا تتوقف عند المغرب
رغم أن “أوراق الفلاح الأخير” تنطلق من تفاصيل مغربية واضحة، فإن أسئلتها تتجاوز حدود المكان. فالأرض، والتنمية، وحقوق السكان، والذاكرة، والعدالة، والعلاقة بين المؤسسة والمجتمع، كلها قضايا يمكن أن يجد القارئ صداها في أماكن كثيرة من العالم.
وهذا ما يمنح الرواية إمكانية الوصول إلى قارئ خارج السياق المغربي أيضًا. فالقارئ الأوروبي مثلا، أو العربي، قد لا يعرف “دوار العرصة”، لكنه يعرف معنى أن تتغير الأمكنة تحت ضغط التنمية، ويعرف الخوف من أن تضيع ذاكرة المكان عندما تتغير خرائطه، ويعرف السؤال الأبدي حول الحدود بين المصلحة العامة والحق الفردي.
بهذا المعنى، لا تقدم الرواية القرية المغربية باعتبارها حالة محلية مغلقة، وإنما تجعل منها نافذة على سؤال إنساني واسع، يتمثل في كيف يمكن للحداثة أن تتقدم دون أن تدوس على الإنسان؟
رواية مهاجر يحمل الوطن إلى الورق
ولعل صدور الرواية عن كاتب مغربي مقيم في أرض المهجر يضيف إلى التجربة بعدًا آخر. فالكتابة من المهجر لا تعني بالضرورة الكتابة عن الغربة وحدها؛ أحيانًا يصبح الابتعاد الجغرافي وسيلة لرؤية الوطن بصورة أكثر تركيبًا وتعقيدا. فالوطن الذي يُرى من بعيد لا يعود مجرد مكان للحنين، بل يتحول إلى موضوع للتأمل وإعادة القراءة.
وفي “أوراق الفلاح الأخير”، يبدو الوطن حاضرًا في التفاصيل الصغيرة، كالأرض، الماء، الأشجار، الطريق، المقاهي، الإدارة، اللهجة، والذاكرة الجماعية. إنه وطن لا يُقدم في صورة مثالية، ولا في صورة سوداء، وإنما باعتباره فضاءً حيًا تتجاور فيه المشكلات مع إمكانات الحل، ويصطدم فيه القديم بالجديد، ثم يبحث الطرفان عن صيغة تسمح لهما بالاستمرار.
حين يصبح الفلاح الأخير ذاكرة لا اسمًا في لائحة
تكتسب الرواية عمقها الأكبر عندما نصل إلى مصير امبارك بن عسو. فالرجل الذي ظل طوال الحكاية يرفض أن يكون مجرد اسم في ملف، ينتهي به الأمر إلى مغادرة المشهد دون أن يوقع، لكن أثره لا يغادر المكان.
وهنا لا يعود “الفلاح الأخير” هو الرجل وحده، بل يصبح عنوانًا لذاكرة كاملة. قد تتغير الأرض، وقد يُعبد الطريق، وقد تتغير الخرائط، لكن الإنسان الذي وقف ليسأل عن معنى ما يحدث يترك أثرًا لا تستطيع الأوراق محوه.
أما يونس، فيقوم بما يستطيع الصحفي أن يفعله أمام الزمن، أن يكتب. وبذلك يصبح القلم امتدادًا لذاكرة امبارك، كما تصبح الرواية نفسها امتدادًا لصوت رجل كان يمكن أن يختفي في صمت الدوار أمام جرافة الدولة.
وهنا تلتقي الشخصيتان في معنى واحد: امبارك قاوم النسيان بوقوفه فوق أرضه، ويونس قاومه بالكتابة عنها.
عمل روائي يطرح سؤالًا ولا يغلقه
“أوراق الفلاح الأخير” ليست رواية تقدم للقارئ وصفة جاهزة للتنمية، ولا نصًا يريد أن يحاكم طرفًا واحدًا، بل عمل يضع الجميع أمام المرآة، الدولة، والفلاح، والصحفي، والمنتخب، والجمعية، والمجتمع المحلي، كل أم نصيب من المسؤلية، من دون تسلط أو تنطع.
وهنا تكمن قيمة الرواية من الناحية التقنية، فهي لا توزع أحكام القيمة، لأنها لا تقول إن الطريق خطأ، ولا إن الفلاح دائمًا على صواب، ولا إن المؤسسة دائمًا مخطئة. إنها تقول شيئًا أكثر نضجًا من ذلك: إن الوصول إلى المستقبل لا ينبغي أن يكون على حساب الذين يعيشون في الحاضر، وإن التنمية تصبح أكثر إنسانية عندما تصغي إلى المكان قبل أن تغيره.
ومن هذه الزاوية، تصبح “أوراق الفلاح الأخير” أكثر من رواية عن الأرض؛ إنها رواية عن الإصغاء. عن تلك المسافة الدقيقة التي تفصل بين أن تفعل شيئًا للناس، وأن تفعله معهم.
وفي زمن تتسارع فيه المشاريع والخرائط والقرارات، تأتي الرواية لتذكر القارئ بأن هناك أشياء لا تقاس بالسرعة. هناك ذاكرة الإنسان، وحقه في أن يُسمع، وعلاقته بالأرض التي حملت خطواته قبل أن تحمل الإسفلت.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة أخرى لرواية “أوراق الفلاح الأخير”، حينما تمنح للأرض صوتًا، وتمنح للفلاح ذاكرة، وتمنح الصحافة دورًا يتجاوز نقل الخبر، وتضع التنمية أمام امتحانها الأصعب، أن تتقدم، دون أن تنسى المكان، والأشخاص قبل أن تصل إلى الأرض.





