الانتخابات التشريعية بالمغرب… حين يصبح استعادة ثقة المواطن هي الرهان الأكبر

إيطاليا تلغراف

 

 

 

بقلم: نوفل بوصفي
طالب باحث في العلوم السياسية – جامعة محمد الخامس بالرباط

 

 

 

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية بالمغرب، تدخل الحياة السياسية الوطنية مرحلة دقيقة لا ينبغي اختزالها في صراع انتخابي بين الأحزاب واللوائح والمرشحين، ولا في سباق محموم نحو المقاعد البرلمانية.

فالرهان الحقيقي أعمق من ذلك بكثير؛ إنه رهان استعادة ثقة المواطن في السياسة، وفي الأحزاب، وفي جدوى صوته الانتخابي.

لقد بدأت الحملات الانتخابية، وارتفعت أصوات الأحزاب، وتعددت الشعارات والوعود والبرامج، وعادت صور المرشحين إلى الشوارع والفضاءات العامة، وعادت لغة التواصل المباشر مع الناخبين. لكن، في المقابل، يطرح المواطن سؤالاً بسيطاً وعميقاً في آن واحد:

ماذا تغير منذ الانتخابات السابقة؟ وماذا سيختلف بعد الانتخابات المقبلة؟

ذلك أن الديمقراطية لا تقاس فقط بعدد الأحزاب المتنافسة، ولا بعدد المرشحين، ولا بكثافة التجمعات الخطابية، وإنما تقاس قبل كل شيء بمدى اقتناع المواطن بأن صوته قادر على إحداث الفرق.

أزمة الثقة… السؤال الذي لا يمكن تجاهله

لا يمكن إنكار أن المشهد السياسي المغربي يعيش منذ سنوات حالة من التوتر بين المواطن والعمل الحزبي. وقد أصبحت مظاهر هذه الأزمة أكثر وضوحاً في النقاش العمومي، من خلال الانتقادات الموجهة إلى بعض الأحزاب، وإلى طريقة اختيار المرشحين، وإلى ظاهرة الترحال السياسي، وإلى ما يعتبره المواطنون أحياناً تشابهاً بين الخطابات والبرامج.

والأخطر من اختلاف المواطن مع هذا الحزب أو ذاك، أن يتحول الاختلاف السياسي إلى لامبالاة سياسية، وأن ينتقل المواطن من مرحلة رفض حزب معين إلى مرحلة رفض العملية السياسية برمتها.

وهنا تكمن الخطورة.

فالعزوف عن التصويت ليس مجرد رقم في نتائج الانتخابات، وإنما قد يكون رسالة سياسية صامتة تقول إن جزءاً من المجتمع لم يعد يجد نفسه في الخطاب الحزبي، أو لم يعد مقتنعاً بأن الوعود الانتخابية تتحول بالضرورة إلى سياسات عمومية ملموسة.

إن أزمة الديمقراطية لا تبدأ دائماً من ضعف المؤسسات، وإنما قد تبدأ من فقدان المواطن الإحساس بأن صوته مسموع وأن مشاركته ذات معنى.

بين وعود الحملات وذاكرة المواطن

كلما حلت الانتخابات، تتجدد لغة الوعود.

وعود بالتشغيل، والصحة، والتعليم، والسكن، وتحسين القدرة الشرائية، ومحاربة الفساد، ودعم الشباب، وتطوير الخدمات العمومية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وكلها قضايا مشروعة، بل ضرورية.

لكن المواطن المغربي لم يعد يستمع إلى الوعود بالبراءة نفسها التي كان يستمع بها إليها في السابق؛ فقد أصبحت لديه ذاكرة انتخابية تقارن بين ما قيل بالأمس وما تحقق اليوم.

وهنا تبرز إحدى أكبر مشكلات الخطاب الانتخابي: حين تتحول البرامج إلى وثائق موسمية تظهر مع الانتخابات، ثم تخفت بمجرد انتهاء الاقتراع.

إن المواطن لا يريد من الأحزاب أن تقدم له حلماً انتخابياً، بل يريد أن يعرف: ما الذي يمكن إنجازه فعلاً؟ وبأي وسائل؟ وفي أي آجال؟ ومن سيتحمل مسؤولية الفشل إن لم تتحقق الوعود؟

لقد أصبح من الضروري الانتقال من سياسة الشعارات إلى سياسة الالتزامات القابلة للقياس والمحاسبة.

الأحزاب أمام امتحان مختلف

الانتخابات ليست مجرد امتحان انتخابي للأحزاب؛ إنها امتحان أخلاقي وسياسي أيضاً.

فالحزب الذي يريد أن يطلب من المواطن صوته، عليه أولاً أن يقنعه بأنه يستحق هذا الصوت.

وهذا لا يتحقق فقط بتنظيم المهرجانات الانتخابية أو بتكثيف الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي، وإنما بالإنصات الحقيقي للمواطنين، وتقديم مرشحين يمتلكون الكفاءة والنزاهة والاستقلالية، والابتعاد عن كل الممارسات التي تسيء إلى صورة العمل السياسي.

فالمواطن يريد أن يعرف:

هل المرشح الذي يطلب صوته يحمل مشروعاً سياسياً واضحاً، أم أنه يبحث فقط عن موقع داخل مؤسسة منتخبة؟

وهذا السؤال، في حد ذاته، يعكس حجم التحول الذي طرأ على وعي الناخب المغربي.

الحكومة أيضاً أمام مرآة الانتخابات

من الطبيعي أن تتحول حصيلة الحكومة الحالية إلى موضوع رئيسي في النقاش الانتخابي.

فالأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية ستواجه، لا محالة، أسئلة المواطنين حول حصيلة المرحلة، ومدى قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وحول قضايا التشغيل والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والعدالة الاجتماعية وغيرها من الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطن.

لكن الديمقراطية تقتضي في المقابل أن يكون الحكم على الحصيلة قائماً على الوقائع والأرقام والنتائج، لا على الدعاية السياسية وحدها.

فكما لا يجوز للحكومة أن تدعي النجاح في كل شيء، لا يجوز للمعارضة أن تقدم نفسها باعتبارها تملك مفاتيح حل كل المشاكل دون تقديم بدائل واقعية وقابلة للتنفيذ.

المواطن يحتاج إلى نقاش سياسي مسؤول، لا إلى معركة كلامية بين من يدافع عن كل شيء ومن يرفض كل شيء.

المواطن لا يريد أن يكون مجرد رقم انتخابي

المشكلة الأساسية أن المواطن لا يريد أن يشعر بأنه مطلوب فقط في يوم الاقتراع.

لا يريد أن يصبح صوته مهماً خلال أيام الحملة، ثم يعود بعد ذلك إلى هامش الاهتمام السياسي.

إن المواطن يريد ممثلاً يعرفه قبل الانتخابات وبعدها، يسمع مشاكله، يدافع عن مصالح دائرته، ويتواصل معه، ويقدم له حصيلة واضحة عن العمل الذي قام به داخل البرلمان.

وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم النائب البرلماني باعتباره ممثلاً للأمة، وليس مجرد اسم يظهر في اللائحة الانتخابية ثم يختفي خلف أبواب المؤسسة التشريعية.

فالتمثيلية السياسية ليست امتيازاً، وإنما تكليف ومسؤولية وأمانة أمام الناخبين والدستور والمجتمع.

المشاركة السياسية… مسؤولية مشتركة

في خضم هذا المشهد، تبدو المشاركة السياسية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

لكن مطالبة المواطن بالمشاركة يجب أن تكون مصحوبة بسؤال آخر:

ماذا فعلت الأحزاب حتى يشعر المواطن بأن مشاركته تستحق العناء؟

فالمشاركة لا تُبنى بالأوامر، وإنما بالثقة.

والثقة لا تُطلب، وإنما تُكتسب.

وتُكتسب حين يرى المواطن أن صوته يحترم، وأن وعود المرشحين لها معنى، وأن المسؤول السياسي يحاسب على أدائه، وأن المؤسسة المنتخبة ليست مجرد فضاء لتبادل الخطابات، وإنما مؤسسة لصناعة التشريع ومراقبة العمل الحكومي والدفاع عن المصلحة العامة.

ما بعد صناديق الاقتراع

مهما كانت نتائج الانتخابات، فإن التحدي الحقيقي سيبدأ في اليوم التالي لإعلان النتائج.

فالانتصار الحقيقي ليس أن يحصل حزب على أكبر عدد من المقاعد، وإنما أن يستطيع تحويل الثقة الانتخابية إلى عمل سياسي مسؤول.

والنجاح الحقيقي ليس في عدد الأصوات التي يحصل عليها المرشح، وإنما في عدد الملفات التي يستطيع الدفاع عنها، والقوانين التي يساهم في تحسينها، والمواطنين الذين يشعرون بأن أصواتهم لم تذهب سدى.

إن المغرب يحتاج اليوم إلى أحزاب قوية، لا بكثرة أعضائها فقط، وإنما بقوة أفكارها وكفاءة أطرها ونظافة ممارستها السياسية.

ويحتاج إلى برلمان قوي، لا بعدد أعضائه فقط، وإنما بقدرته على التشريع والمراقبة والنقاش الجاد.

ويحتاج، قبل هذا وذاك، إلى مواطن يشعر بأن السياسة تعنيه، وأن صوته له قيمة، وأن مشاركته قادرة على صناعة المستقبل.

كلمة أخيرة

إن الانتخابات ليست مجرد يوم نضع فيه أوراقاً داخل صناديق الاقتراع.

إنها لحظة لتجديد العقد السياسي بين المواطن وممثليه.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه الديمقراطية ليس اختلاف المواطنين مع الأحزاب؛ فالاختلاف صحي وطبيعي، وإنما أن يفقد المواطن الرغبة في الاختلاف والمشاركة معاً، وأن يصل إلى قناعة مفادها أن صوته لن يغير شيئاً.

ومن هنا، فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى جميع الأحزاب والمرشحين واضحة:

لا تطلبوا من المواطن أن يثق بكم لأن الانتخابات حلت، بل اجعلوه يثق بكم لأنكم أثبتم، بالفعل والممارسة، أنكم تستحقون ثقته.

فصناديق الاقتراع قد تمنح المقاعد، لكنها وحدها لا تمنح الشرعية السياسية والأخلاقية.

تلك الشرعية لا تُنتزع بالشعارات، ولا تُشترى بالوعود، وإنما تُبنى بالصدق، والكفاءة، والنزاهة، والوفاء للالتزامات.

وفي نهاية المطاف، ستبقى الانتخابات أكبر من مجرد منافسة حزبية؛ إنها اختبار حقيقي لمدى قدرة السياسة المغربية على استعادة المواطن، لا مجرد استعادة صوته.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...