فرنسا تبدأ تشغيل الجيل الجديد من القطارات فائقة السرعة لربط باريس بمارسيليا.. والمغرب التالي عبر خط الدار البيضاء – مراكش بصفقة قيمتها 781 مليون يورو
دخل الجيل الجديد من القطارات الفرنسية فائقة السرعة الخدمة التجارية، أمس الجمعة 6 نونبر 2026، بعد إنجاز أول رحلة بين باريس ومرسيليا، منهيا بذلك تأخرا استمر لأكثر من عامين عن الموعد الأصلي لتشغيله، الذي كان مقررا خلال الألعاب الأولمبية بباريس سنة 2024، في حدث يهم المغرب بشكل مباشر، باعتباره من زبائن شركة “ألستوم” الفرنسية، التي تعاقد معها المكتب الوطني للسكك الحديدية لاقتناء 18 قطارا من الجيل التكنولوجي نفسه، ضمن مشروع تمديد شبكة القطارات فائقة السرعة إلى مراكش.
القطار الجديد، الذي يحمل الاسم التجاري “TGV Inoui Nouvelle Génération”، انطلق من محطة ليون بالعاصمة باريس، بحضور الرئيس المدير العام للشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية، جان كاستيكس، ومسؤولين عن مجموعة “ألستوم”، قبل أن يصل إلى مرسيليا قبيل الساعة الواحدة بعد الزوال، في الموعد المحدد، وهو ما شكل نهاية مرحلة طويلة من التطوير والتجارب التقنية، تسببت في تأجيل دخوله الخدمة منذ صيف 2024.
ويتعلق الأمر بالجيل الخامس من القطارات فائقة السرعة في فرنسا، منذ تشغيل أول قطار من هذا النوع سنة 1981، والذي يتميز بتصميم خارجي جديد، خصوصا على مستوى مقدمته التي أصبحت أكثر انسيابية، بهدف تقليص مقاومة الهواء واستهلاك الطاقة، إلى جانب تعديلات شملت تجهيزاته الداخلية وأنظمة الجر والتشغيل، في إطار تطوير منصة “أفيليا هورايزون” (Avelia Horizon)، التي تعتمد عليها الشركة الفرنسية لتصنيع قطاراتها الجديدة.
وتبلغ السرعة التجارية القصوى لهذا القطار 320 كيلومترا في الساعة، وهي السرعة نفسها المعتمدة في عدد من القطارات الفرنسية الحالية، غير أن الاختلاف الأساسي يتعلق بقدرته الاستيعابية وتجهيزاته التقنية، إذ يمكن أن يستوعب ما يصل إلى 740 مسافرا، موزعين على تسع عربات من طابقين، بزيادة تناهز مائة مقعد مقارنة ببعض القطارات السابقة، فضلا عن توفير مساحات إضافية للأمتعة بنسبة 20 في المائة.
وشملت التغييرات أيضا المقاعد، التي أصبحت مزودة بمساند رأس قابلة للتعديل، مع توفير مساحات إضافية للأرجل تصل إلى نحو 15 سنتيمترا، وتحسين أنظمة الإضاءة والتدفئة والتكييف، إلى جانب إحداث عربة جديدة للمطاعم والخدمات التجارية من طابقين، تحمل اسم “بيسترو”، يخصص مستواها السفلي لاقتناء الوجبات والمشروبات، بينما يضم الطابق العلوي فضاء للجلوس وتناول الطعام.
أما على المستوى التقني، فتؤكد “ألستوم” والشركة الوطنية للسكك الحديدية الفرنسية أن القطار الجديد يستهلك كهرباء أقل بنسبة 20 في المائة، مع تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بنسبة 32 في المائة، مقارنة بالمرجع المعتمد في تطويره، كما يتوفر على بطاريات احتياطية تسمح له بمواصلة التحرك لمسافة محدودة عند انقطاع التغذية الكهربائية، بما يتيح الوصول إلى محطة قريبة عوض التوقف وسط السكة، فيما ارتبط تطوير هذا الجيل بإيداع نحو 400 براءة اختراع.
ويعتمد القطار على عربتي جر في المقدمة والمؤخرة، مع تسع عربات للركاب من طابقين، إلى جانب تقليص عدد مجموعات العجلات والمحاور، المعروفة تقنيا باسم “بوغيات”، وهو ما يسمح بتخفيض تكاليف الصيانة وتحسين استغلال المساحات الداخلية، فضلا عن اعتماد تصميم قابل للتعديل بحسب متطلبات الشركات المشغلة، سواء من حيث عدد المقاعد أو توزيع التجهيزات والخدمات.
الصفقة المغربية
وبالنسبة للمغرب، فإن دخول هذا القطار الخدمة في فرنسا يكتسي أهمية خاصة، بالنظر إلى أن المكتب الوطني للسكك الحديدية تعاقد مع مجموعة “ألستوم” للحصول على 18 قطارا من منصة “أفيليا هورايزون” نفسها، بموجب صفقة أعلنت عنها الشركة الفرنسية يوم 28 مارس 2025، تبلغ قيمتها 781 مليون أورو، أي ما يعادل نحو 8.2 مليارات درهم، وذلك في إطار برنامج تطوير النقل السككي المغربي استعدادا لاستضافة نهائيات كأس العالم 2030.
وجاء إبرام هذه الصفقة بعد التفاهمات التي توصل إليها المغرب وفرنسا خلال الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة في أكتوبر 2024، والتي شهدت توقيع اتفاقات للتعاون في القطاع السككي، بما في ذلك الترتيبات المتعلقة بالتمويل، قبل أن يقع الاختيار على الشركة الفرنسية لتوريد القطارات الجديدة، امتدادا للتعاون الذي جمع الطرفين في مشروع “البراق”، الذي دخل الخدمة سنة 2018 على الخط الرابط بين طنجة والقنيطرة.
ورغم انتماء القطارات التي اقتناها المغرب إلى المنصة التكنولوجية نفسها التي دخلت الخدمة في فرنسا، فإن النسخة المغربية ستختلف من حيث بعض التجهيزات والقدرة الاستيعابية، إذ ستوفر 640 مقعدا للركاب في القطار الواحد، مقابل طاقة قصوى تصل إلى 740 مقعدا في النسخة الفرنسية، مع الاحتفاظ بسرعة قصوى تبلغ 320 كيلومترا في الساعة، واعتماد عربات من طابقين وأنظمة جر كهربائية حديثة، إلى جانب تجهيزات تتلاءم مع متطلبات الاستغلال على الشبكة المغربية.
وفي ما يتعلق بمواعيد التسليم، كشفت المعطيات التي قدمها وزير النقل واللوجستيك، عبد الصمد قيوح، خلال مناقشة مشروع الميزانية القطاعية لسنة 2027، أن المغرب يرتقب تسلم أول قطار من هذه الصفقة في شتنبر 2027، على أن تتواصل عمليات التسليم بشكل تدريجي إلى غاية يونيو 2030، موعد وصول القطار الثامن عشر والأخير، فيما بلغت نسبة إنجاز الدراسات والتصاميم الخاصة بهذه القطارات نحو 78 في المائة، وفق المعطيات المتداولة في بداية نونبر الجاري.
وترتبط هذه الطلبية بمشروع تمديد الخط فائق السرعة من القنيطرة إلى مراكش، على مسافة تقارب 430 كيلومترا، وباستثمارات تقدر بنحو 53 مليار درهم، حيث سيسمح هذا الامتداد بربط طنجة بمراكش عبر الرباط والدار البيضاء، وتقليص المدة الزمنية للرحلات بين عدد من المدن الكبرى، إلى جانب تحسين الربط السككي بالمطارات والمراكز الاقتصادية، في إطار الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030.
وكان وزير النقل واللوجستيك قد كشف أن نسبة تقدم الأشغال في مشروع الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش بلغت نحو 41 في المائة مع بداية نونبر 2026، مقابل وصول الالتزامات التعاقدية إلى 96 في المائة، مشيرا إلى أن الانتهاء من أشغال الهندسة المدنية مرتقب في أكتوبر 2027، فيما ينتظر استكمال تجهيزات التشوير في دجنبر 2028، على أن يجري تسليم المشروع في شتنبر 2029، أي قبل نحو تسعة أشهر من الموعد المحدد لتسلم آخر قطار من الطلبية الفرنسية.
ولا تنحصر الصفقة في اقتناء القطارات الجديدة، إذ تشمل أيضا بعدا صناعيا يرتبط بحضور “ألستوم” في المغرب، حيث يرتقب أن تساهم منشآت المجموعة بمدينة فاس في توفير بعض التجهيزات الكهربائية وحزم الأسلاك المستخدمة في القطارات، في حين ستتولى مصانع الشركة بفرنسا عمليات التصنيع والتجميع، وذلك ضمن برنامج أوسع للمكتب الوطني للسكك الحديدية تبلغ قيمته 29 مليار درهم، ويشمل اقتناء 168 قطارا جديدا، موزعة بين 18 قطارا فائق السرعة و40 قطارا بين المدن و110 قطارات لخدمات النقل الجهوي والحضري.
ويأتي دخول الجيل الجديد من القطارات الفرنسية الخدمة التجارية بعد تأخر استمر لأكثر من عامين، بسبب الصعوبات التي واجهت تطوير بعض الأنظمة التقنية وإجراء الاختبارات اللازمة قبل الترخيص باستغلالها، وهو ما أقر به المدير العام لمجموعة “ألستوم”، مارتان سيون، الذي اعتبر أن إدماج المزيد من الابتكارات والتكنولوجيات يرفع مخاطر التأخر في المشاريع الصناعية، مؤكدا أن الشركة تمكنت من تجاوز هذه الصعوبات، في وقت سيكون فيه احترام مواعيد تسليم الطلبية المغربية، الممتدة بين شتنبر 2027 ويونيو 2030، من بين العوامل الأساسية لضمان دخول القطارات الجديدة الخدمة على الخط الرابط بين طنجة ومراكش، وفق الجدول الزمني المحدد قبل مونديال 2030.
المصدر: الصحيفة





