من أهم وعود الديمقراطية الأمريكية ألا يتحدد الانتماء للوطن بالأصل أو الدين أو الخلفية العرقية؛ فالمواطن، رجلا كان أم امرأة، ينبغي أن يُحكم عليه بأفكاره وأخلاقه وقدرته على الإسهام في الصالح العام، لا بظروف مولده أو بالدين الذي يعتنقه.
ويسهُل الاحتفاء بهذا المبدأ نظريا، غير أن تطبيقه ليس يسيرا دائما. ويأتي انتخاب عبدول السيد لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي ليذكرنا بأن هذا الوعد لا يزال قابلا للتحقق، رغم استمرار التحيز والاستقطاب السياسي.
أخبار مقترحة
هذا الفوز علامة فارقة
يشكل فوز السيد على نحو مفهوم، مصدر فخر للأمريكيين العرب والمسلمين، بل لكثيرين في أرجاء العالم العربي والإسلامي؛ فللمرة الأولى يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ الأمريكي، إحدى أقوى المؤسسات التشريعية في العالم، رجل من أصل عربي يدين بالإسلام، وهو ابن مهاجرين مصريين وطبيب سبق أن ترأس دائرة الصحة في ديترويت.
ويُعد إنجازه هذا تاريخيا، غير أن أهميته الكبرى قد لا تكمن في هوية الشخص المنتخب فحسب، بل في اتساع القاعدة الانتخابية التي اختارته؛ فقد قيمته أغلبية ناخبي ميشيغان في نهاية المطاف -أيا كانت خلفياتهم العرقية أو معتقداتهم الدينية- بوصفه سياسيا أمريكيا، وقررت أن تأتمنه على مسؤولية تمثيلها في واشنطن. وقد حدث ذلك رغم حملة شرسة صورته بخبث شخصا خطيرا، بل جهاديا على الأرجح يسعى إلى إلحاق الأذى بأمريكا.
وتدفقت الأموال بسخاء أيضا في مسعى إيقافه؛ ففي الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، أنفقت مجموعات خارجية نحو 62 مليون دولار دعما لمنافسته النائبة “هيلي ستيفنز”، أي قرابة تسعة دولارات مقابل كل دولار أُنفق لصالحه، وكان نصيب “لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية” (أيباك)، جماعة الضغط المؤيدة لإسرائيل، قرابة 30 مليون دولار منها.
ومع ذلك، تمكن عبدول السيد من الفوز في 4 أغسطس/آب، وإن بفارق ضئيل للغاية: 48.45% مقابل 47.55%، أي بفارق يقل عن 14 ألف صوت. ثم استقطبت الانتخابات العامة إنفاقا إعلانيا تجاوز 100 مليون دولار.
وفي الأيام الأخيرة من الحملة تخطت ستيفنز نفسها الخطوط الحزبية لتعلن تأييدها للمرشح الجمهوري “مايك روجرز”، متهمة حملة السيد بـ”الكراهية”، بيد أنه فاز، رغم الصعاب وانقسام الحزب. ويُظهر ذلك أن المال، وإن كان عنصرا أساسيا في السياسة الأمريكية، لا يكون دائما العامل الحاسم.
على عبدول أن يقاوم إغراء التحول إلى ممثل عرقي أو ديني في المقام الأول؛ فتفويضه، كما يدل عليه حجم فوزه، أوسع من ذلك بكثير، إذ انتُخب ليمثل جميع سكان ميشيغان، وسيتوقف نجاحه على قدرته على مخاطبة مصالحهم المشتركة، لا على الاكتفاء بهموم جالية بعينها
أول مسلم أمريكي
يُعد عبدول السيد أول مسلم أمريكي يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ، لكنه ليس أول أمريكي من أصل عربي يخدم في هذه المؤسسة؛ إذ يعود هذا السبق إلى جيمس أبو رزق، وهو أمريكي مسيحي من أصل لبناني مثّل ولاية داكوتا الجنوبية من 1973 إلى 1979. وتبعه آخرون من ذوي الجذور اللبنانية، من بينهم جورج ميتشل عن ولاية مين، وجون إي. سنونو عن ولاية نيوهامبشير، والأبرز سبنسر أبراهام ابن ميشيغان نفسها، وهو جمهوري شغل مقعدا في مجلس الشيوخ من 1995 إلى 2001.
وعليه، فالسابقة الحقيقية دينية لا عرقية، ويشكل هذا التاريخ في حد ذاته تذكيرا هادئا بأن الأصل العربي لم يكن قط عائقا مطلقا أمام تولي المناصب الرفيعة في أمريكا. ومع ذلك يمثل انتخاب عبدول السيد علامة فارقة بالغة الأهمية، إذ يأتي في وقت باتت فيه قضايا الهجرة والهوية الدينية والانتماء الوطني موضع جدل متزايد في السياسة الأمريكية.
انتُخب لخدمة جميع ناخبيه
يحسُن بعبدول السيد مع ذلك، أن يتأمل نصيحة واحدة: فبعد أن حطم حواجز العرق والدين، ينبغي له مستقبلا ألا يُكثر من الحديث عن تحطيمها. وتقول حكمة سياسية قديمة جديرة بالتذكر: إن أردت الاحتفاء بكسر الحواجز، فالأفضل غالبا ألا تطيل الوقوف عند الحواجز ذاتها؛ فخيرُ تكريم لإنجاز في مجال الإدماج أن تجعله أمرا عاديا.
أصبح عبدول السيد الآن عضوا في مجلس الشيوخ الأمريكي، يمثل ميشيغان وهي ولاية بالغة الأهمية، متنوعة السكان، ذات ثقل اقتصادي وسياسي كبير. وتمتد مسؤولياته لتشمل كل مواطن في هذه الولاية، بصرف النظر عن أصله أو دينه أو ميوله السياسية.
وتكتسب هذه التفرقة أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الجالية العربية الأمريكية في ميشيغان، إذ يبلغ تعدادها بضع مئات الآلاف، وتشكل جزءا كبيرا وبارزا من سكان الولاية. ومن المفهوم تماما أن يرغب السيد في أن يكون صوتا لهذه الجالية، إذ سيتطلع إليه كثير من الأمريكيين العرب، بطبيعة الحال، ليعبر عن هموم يشعرون بأنها لم تنل ما تستحقه من اهتمام في واشنطن.
ينبغي لعضو مجلس الشيوخ الناجح أن يدرك الفرق بين ما هو مرغوب فيه وما يمكن إنجازه واقعيا؛ فالقدرة على التفاوض والتسوية وتحقيق تحسينات تدريجية كثيرا ما تكون أثمن من القدرة على صياغة طموحات كاسحة
لا يتعلق الأمر بمنح صوت لأقلية
لكن عليه أن يقاوم إغراء التحول إلى ممثل عرقي أو ديني في المقام الأول؛ فتفويضه، كما يدل عليه حجم فوزه، أوسع من ذلك بكثير، إذ انتُخب ليمثل جميع سكان ميشيغان، وسيتوقف نجاحه على قدرته على مخاطبة مصالحهم المشتركة، لا على الاكتفاء بهموم جالية بعينها. وهذا بالتحديد ما يجعل فوزه لافتا للاهتمام.
فاز عبدول السيد بفارق واضح، متغلبا على الجمهوري مايك روجرز، العضو السابق في الكونغرس الذي كان على بُعد أقل من نقطة مئوية واحدة من الفوز بمقعد عن ميشيغان في مجلس الشيوخ قبل عامين فقط.
ومن الواضح أن هذا الفوز لم يكن من صنع الناخبين الأمريكيين العرب وحدهم، بل امتد ائتلافه الانتخابي إلى ما هو أبعد بكثير من هذه الشريحة؛ إذ استقطب دعم ناخبين قد لا يجمعهم به الكثير من حيث الأصل أو الدين، لكنهم تجاوبوا مع رسالته وشخصيته ونهجه السياسي. ولعل هذا هو الجانب الأكثر بعثا على التفاؤل في القصة كلها.
هزم الصور النمطية
واجه عبدول السيد خلال الحملة محاولات لتصويره دخيلا، أي شخصا تجعله خلفيته العربية وعقيدته الإسلامية، على نحو ما، أقل أمريكية أو أقل جدارة بالثقة.
ولم تأت هذه الهجمات من الإعلانات المدفوعة أو وسائل الإعلام الهامشية فحسب، بل وصفه الرئيس ترمب وعضو مجلس الشيوخ تيد كروز بـ”الجهادي” وبأنه عضو في جماعة الإخوان المسلمين، كما أدلى كل من ترمب ونائب الرئيس جيه دي فانس بتصريحات تعرضت لانتقادات واسعة بوصفها معادية للإسلام.
ونفى السيد هذه الاتهامات، مؤكدا أنه لم يكن قط عضوا في جماعة الإخوان المسلمين، ولم تعثر التقارير الصحفية على أي دليل يدعم وجود صلات له بالإرهاب. ومع ذلك، كانت محاولة تحويل هويته إلى عبء سياسي جلية لا لبس فيها، لكنها لم تنجح.
لم يقتنع ناخبو ميشيغان بأن اسما عربيا أو عقيدة إسلامية ينبغي أن يُقصيا مرشحا تلقائيا عن المنصب العام، بل كانوا مستعدين للحكم عليه بناء على مواقفه السياسية وقدرته على تمثيلهم. وبذلك تجاوزوا الصور النمطية التي طالما طبعت النقاش العام حول العرب والمسلمين في أمريكا.
إن أراد عبدول السيد أن تحمل انتقاداته لإسرائيل أكبر قدر ممكن من الثقل الأخلاقي والسياسي، فعليه أن يُثبت أن اهتمامه بحقوق الإنسان اهتمام عالمي، إذ ينبغي أن تُدان انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية أيا كان مرتكبها
شخصية فذة
يستحق عبدول السيد كذلك الإشادة بصفاته السياسية الشخصية؛ فهو متحدث بارع، دمث الطباع، يتكلم بثقة دون أن يبدو صداميا بلا داع، وينقل دفئا صادقا. ولا ينبغي التقليل من شأن هذه الصفات، إذ لا تُكسب الانتخابات بأوراق السياسات أو البيانات الأيديولوجية أو التنظيمات السياسية المحكمة وحدها، بل يريد الناخبون أيضا أن يشعروا بأن الشخص الذي يطلب دعمهم يوم الاقتراع قريب منهم، صادق، وقادر على فهم همومهم.
وقد شكلت قدرته على التواصل مع الناس خارج دائرته الثقافية والسياسية المباشرة جزءا مهما من نجاحه. وتُطرح، مع ذلك، تساؤلات مهمة حول برنامجه السياسي. كما يُعد برنامج “الرعاية الصحية للجميع”، وهو مشروع لنظام رعاية صحية شاملة تموله الحكومة، أحد مقترحاته المحورية.
والحجة الأخلاقية الكامنة وراء هذا المقترح مفهومة؛ فيجب ألا يتوقف الحصول على الرعاية الطبية كليا على دخل الفرد أو وضعه الوظيفي، ولا أن يواجه أحد الخراب المالي بسبب مرض خطير. وهذه هموم مشروعة، ويصعب الاعتراض على هدف ضمان حصول كل أمريكي على رعاية صحية ملائمة. لكن التبرير الأخلاقي شيء، والجدوى الاقتصادية والسياسية شيء آخر.
قيود مالية كبيرة
تتحمل الولايات المتحدة أصلا دينا وطنيا هائلا، هو الأكبر في التاريخ الحديث، فيما تواصل ميزانيتها الفدرالية تسجيل عجز كبير عاما بعد عام. ومن شأن إدخال نظام رعاية صحية شامل تموله الحكومة أن يتطلب إعادة هيكلة ضخمة لترتيبات التمويل في البلاد، وزيادة كبيرة في الإيرادات الفدرالية.
يرى عبدول السيد أن هذا النظام قد يخفض التكاليف الإجمالية للرعاية الصحية، وأن على الأثرياء الأمريكيين أن يساهموا بقدر أكبر، وهي حجج تستحق النظر. ومع ذلك، فإن حجم التحول وترتيبات التمويل والمقاومة السياسية التي ستواجهها خطة كهذه ستجعل تنفيذها عسيرا للغاية. وفي ظل المناخ المالي الراهن والأجواء السياسية التي لا تزال مسمومة، تبدو فرص تحول “الرعاية الصحية للجميع” إلى قانون ضئيلة في المستقبل المنظور.
ينبغي لعضو مجلس الشيوخ الناجح أن يدرك الفرق بين ما هو مرغوب فيه وما يمكن إنجازه واقعيا؛ فالقدرة على التفاوض والتسوية وتحقيق تحسينات تدريجية كثيرا ما تكون أثمن من القدرة على صياغة طموحات كاسحة.
لم يُنتخب السيد ليمثل العالم العربي، ولا ليمثل المسلمين وحدهم، بل ولا ليمثل الأمريكيين العرب حصرا، وإنما انتُخب ليمثل سكان ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، وعليه أن يتبنى هذه المسؤولية بالكامل
مواقفه في السياسة الخارجية
تطرح السياسة الخارجية تحديا آخر؛ تقع مواقف عبدول السيد من إسرائيل، ولا سيما معارضته للمساعدات العسكرية الأمريكية ووصفه ما تقوم به إسرائيل في غزة بالإبادة الجماعية، خارج الإجماع التقليدي بين الحزبين الذي طبع السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل لعقود. غير أن هذا الإجماع تآكل إلى حد كبير، ولا سيما داخل الحزب الديمقراطي؛ ففي ميشيغان نفسها، ضغط الديمقراطيون على حزبهم في الولاية لوصف الحرب في غزة بالإبادة الجماعية.
ويعكس فوزه، في الانتخابات التمهيدية أولا ثم في نوفمبر/تشرين الثاني، هذا التحول، لا مجرد حالة انتخابية عابرة. وستلقى آراؤه صدى لدى كثير من الأمريكيين العرب وغيرهم ممن تؤرقهم بشدة معاناة الفلسطينيين.
لا ضير في مساءلة السياسة الخارجية الأمريكية، بما في ذلك العلاقة مع إسرائيل؛ فذلك جزء من مسؤولية الممثلين المنتخبين. لكن المصداقية تقتضي الاتساق.
إن أراد عبدول السيد أن تحمل انتقاداته لإسرائيل أكبر قدر ممكن من الثقل الأخلاقي والسياسي، فعليه أن يُثبت أن اهتمامه بحقوق الإنسان اهتمام عالمي، إذ ينبغي أن تُدان انتهاكات حقوق الإنسان الأساسية أيا كان مرتكبها؛ فالقتل المتعمد للمدنيين، والإرهاب، واحتجاز الرهائن، والتعذيب، وحرمان الناس من الحريات الأساسية، كلها أفعال تستحق الإدانة، سواء أكان مرتكبوها إسرائيليين أم فلسطينيين أم أعضاء في أي حكومة أو منظمة أخرى.
تجنب السخط الانتقائي
يكتسب الغضب الأخلاقي مصداقية أكبر حين يُطبق باتساق، أما السخط الانتقائي فيُضعف حجة مشروعة في الأصل. ولا يعني ذلك أن يتخلى السيد عن قناعاته أو أن يخفف من انتقاده للسياسات الإسرائيلية إرضاء لخصومه السياسيين، بل يعني أن يوضح أن مواقفه تجاه إسرائيل تنبع من مبادئ حقوق الإنسان والقانون الدولي التي تسري على جميع المنتهكين، لا من انتماء عرقي أو ديني أو سياسي.
لم يقتنع ناخبو ميشيغان بأن اسما عربيا أو عقيدة إسلامية ينبغي أن يُقصيا مرشحا تلقائيا عن المنصب العام، بل كانوا مستعدين للحكم عليه بناء على مواقفه السياسية وقدرته على تمثيلهم. وبذلك تجاوزوا الصور النمطية التي طالما طبعت النقاش العام حول العرب والمسلمين في أمريكا.
ما الذي يعنيه كل هذا؟
يقدم انتخاب عبدول السيد في نهاية المطاف، درسا مهما للأمريكيين العرب وللعالم العربي الأوسع؛ إذ يُثبت أن الناخبين الأمريكيين قادرون على تجاوز الصور النمطية العرقية والدينية، رغم استمرار التحيز والاستقطاب السياسي؛ فيمكن لمرشح يحمل اسما عربيا وهوية إسلامية أن يفوز في انتخابات كبرى في ولاية تشهد تنافسا سياسيا، شريطة أن يُقنع الناخبين بأنه يفهم همومهم وقادر على تمثيل مصالحهم، غير أن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن.
انتُخب لتمثيل جميع مواطني ميشيغان
لم يُنتخب عبدول السيد ليمثل العالم العربي، ولا ليمثل المسلمين وحدهم، بل ولا ليمثل الأمريكيين العرب حصرا، وإنما انتُخب ليمثل سكان ميشيغان في مجلس الشيوخ الأمريكي، وعليه أن يتبنى هذه المسؤولية بالكامل. لن يكون أفضل احتفاء للأمريكيين العرب بفوزه في الإصرار على أنه “ممثلهم في مجلس الشيوخ”، بل في الإقرار بأن السيد قد غدا عضوا أمريكيا في مجلس الشيوخ، والاحتفاء بذلك: عضوا تشكل خلفيته جزءا لا يتجزأ من هويته، لكنها لا ترسم حدود مسؤولياته.
أتاح له ناخبو ميشيغان فرصة ليُثبت للجميع أن الانتماء في أمريكا لا يحدده الاسم أو الأصل أو الدين؛ فقد قيموه مرشحا لمنصب على مستوى الولاية، وأتمنوه على مسؤولية عامة كبرى. وهنا يكمن الإنجاز الحقيقي لعبدول السيد، وهو أهم بكثير من كسر أي حاجز سياسي بعينه.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر: الجزيرة






