التنظمات السياسية “الصغيرة” ومعركة انتخابات 2026.. مساحات جديدة داخل البرلمان أم “انقراض” على يد الأحزاب الكبرى؟
لطالما كان البرلمان المغربي، منذ السريان الفعلي لمبدأ التعددية الحزبية، عصيا على سيطرة حزب واحد، وذلك بفعل عدة عوامل على رأسها القاسم الانتخابي والمنافسة المحتدمة بين العديد من الأحزاب الكبيرة، سواء تلك التي تصنف في خانة “الوطنية” أم “الإدارية”.
وفي ظل هذا الوضع، ظلت العديد من الأحزاب تجد لنفسها موطئ قدم داخل قبة البرلمان بانتزاعها لبضعة مقاعد تتركها على قيد “الحياة السياسية”، لدرجة الحديث عن “بلقنة” المشهد البرلماني المغربي في انتخابات 2002 و2007، وهو أمر انحسر تدريجيا منذ 2011، بفعل تمايز التنظيمات الحزبية الثمانية الكبرى عن غيرها، مع بقاء هامش مناورة “ضئيل” لبعض الأحزاب الصغيرة.
ولم تتجاوز الحصيلة المشتركة للحركة الديمقراطية الاجتماعية وجبهة القوى الديمقراطية والحزب الاشتراكي الموحد وفدرالية اليسار عشرة مقاعد في انتخابات 2021، من أصل 395 مقعدا بمجلس النواب، غير أن محدودية العدد لم تمنح هذه المكونات الوزن السياسي نفسه أو تحصر أدوارها في صورة واحدة.
فقد استفادت الحركة الديمقراطية الاجتماعية من مقاعدها الخمسة في تشكيل فريق مشترك مع الاتحاد الدستوري، بينما عادت جبهة القوى الديمقراطية بثلاثة نواب بعد غيابها عن المجلس خلال الولاية السابقة، أما اليسار الموحد، فواصل الرهان على الحضور الرقابي والسياسي رغم انقسامه إلى تمثيليتين بمقعد واحد لكل منهما، قبل أن تعيد مكوناته بناء تحالفها قبيل انتخابات 2026.
وتكشف هذه المسارات أن تأثير الأحزاب الصغيرة لا تحدده المقاعد وحدها، بل يرتبط بقدرتها على تحويل تمثيلها المحدود إلى موقع داخل المؤسسة، أو مشاركة في القرار، أو صوت سياسي يتجاوز حجمه العددي داخل البرلمان.
الحركة الديمقراطية الاجتماعية.. “قوة برلمانية” سابقة
تأسست الحركة الديمقراطية الاجتماعية سنة 1996 بقيادة عميد الشرطة السابق محمود عرشان، إثر خلاف داخل الحركة الوطنية الشعبية التي كان يقودها المحجوبي أحرضان، ودخلت أول اختبار تشريعي لها سنة 1997 بحصيلة لافتة بلغت 32 مقعدا، من دون أن تترجم هذا الحضور إلى مشاركة في حكومة التناوب.
لكن الحزب فقد الجزء الأكبر من وزنه سريعا، فتراجع إلى سبعة مقاعد سنة 2002، قبل أن يحصل على تسعة سنة 2007، ومقعدين سنة 2011، ثم حسن حضوره تدريجيا بثلاثة مقاعد سنة 2016، ثم خمسة مقاعد في انتخابات 2021، ما جعله دائم الحضور في مجلس النواب.
ومع محدودية حصيلته الأخيرة، اتجه الحزب، تحت قيادة عبد الصمد عرشان، نجل مؤسسه، إلى توسيع هامش عمله عبر التحالف مع الاتحاد الدستوري، الذي حصل على 18 مقعدا غير الكافية لتشكيل فريق نيابي، ليؤسس تحالفهما “الفريق الدستوري الديمقراطي الاجتماعي” بـ23 نائبا عند بداية الولاية.
ولم يكن هذا الترتيب سابقة في مسار الحركة، التي سبق أن لجأت إلى فرق مشتركة داخل البرلمان، وبذلك يكشف نموذجها عن قدرة الحزب الصغير على تعويض محدودية مقاعده بالتنسيق التنظيمي، وإن ظل من الصعب فصل أثر نوابه عن حصيلة الفريق الذي يمتلك الاتحاد الدستوري داخله العدد الأكبر.
جبهة القوى الديمقراطية.. حزب يساري “يكافح” للبقاء
ظهرت جبهة القوى الديمقراطية سنة 1997، بعدما غادر التهامي الخياري وعدد من رفاقه حزب التقدم والاشتراكية لتأسيس تنظيم سياسي جديد، وفي أول مشاركة تشريعية لها، حصلت الجبهة على تسعة مقاعد، قبل أن تنضم إلى الائتلاف الحكومي بقيادة عبد الرحمن اليوسفي.
ومثّل الخياري الحزب داخل الجهاز التنفيذي، أولا وزيرا منتدبا مكلفا بالصيد البحري بين مارس 1998 وشتنبر 2000، ثم وزيرا للصحة إلى غاة نونبر 2002، وبلغت الجبهة أفضل حصيلة انتخابية لها في السنة نفسها بحصولها على 12 مقعدا، لكنها لم تحتفظ بتمثيلها الوزاري في حكومة إدريس جطو، واختارت تجاه حكومته موقع المساندة النقدية.
وبعد تسعة مقاعد سنة 2007، تراجعت الجبهة إلى مقعد واحد سنة 2011، ثم غابت عن مجلس النواب سنة 2016، قبل أن تعود بثلاثة مقاعد في انتخابات 2021، أبرزها كان لريم شباط، ابنة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال حميد شباط، والتي أعلنت في 2026 الالتحاق بحزب الحركة الشعبية.
وظل نواب “الجبهة” خارج الفرق والمجموعات النيابية، ما جعل عودتها إلى البرلمان استعادةً للتمثيل أكثر منها استعادة لموقعها السابق في القرار، وهكذا انتقلت من حزب يشارك في الحكومة إلى حضور برلماني محدود، من دون موقع بارز داخل الأغلبية أو المعارضة.
من منظمة العمل إلى تحالف اليسار.. تأثير يتجاوز عدد المقاعد
تمتد جذور الحزب الاشتراكي الموحد إلى منظمة “23 مارس”، التي انتقلت من العمل السري إلى الممارسة السياسية القانونية عبر تأسيس منظمة العمل الديمقراطي الشعبي سنة 1983 بقيادة محمد بنسعيد آيت يدر.
ودخل آيت يدر مجلس النواب سنة 1984، مقدما نموذجا مبكرا لتأثير النائب الذي يتجاوز الوزن العددي لحزبه، بعدما نقل إلى البرلمان ملفات سياسية وحقوقية شديدة الحساسية، كان من أبرزها ملف معتقل تازمامارت المسكوت عنه.
وارتفع تمثيل منظمة العمل إلى أربعة مقاعد في انتخابات 1997، قبل أن تندمج سنة 2002 مع مكونات يسارية أخرى لتأسيس اليسار الاشتراكي الموحد، الذي تحول سنة 2005 إلى الحزب الاشتراكي الموحد.
واتخذت العلاقة بالمؤسسات مسارات متقلبة، ففي انتخابات 2011 قاطع الاشتراكي الموحد وحزب الطليعة، بينما اختار المؤتمر الوطني الاتحادي المشاركة، وبعد إعادة تجميع المكونات الثلاثة داخل فدرالية اليسار، فاز عمر بلافريج ومصطفى الشناوي بمقعدين في انتخابات 2016.
لكن التنسيق تفكك قبيل انتخابات 2021، فخاض الاشتراكي الموحد الاقتراع منفردا وحصل على مقعد واحد باسم أمينته العامة حينها، نبيلة منيب، مقابل مقعد واحد لفدرالية اليسار، كان من نصيب فاطمة التامني، قبل أن يعود الطرفان في يونيو 2026، إلى التنسيق بتأسيس “تحالف اليسار” لخوض الانتخابات بصورة مشتركة، من دون الانتقال إلى اندماج تنظيمي.
وفي الحملة الانتخابية الحالية، برز جمال العسري بوصفه إحدى الواجهات السياسية لتحالف اليسار، من خلال تقديم مرشحيه وتأطير تجمعاته وشرح مشروعه في وسائل الإعلام.
ولم يقترن هذا الحضور، وفق اللوائح المنشورة حتى الآن، بترشحه شخصيا لمجلس النواب، ما أتاح له قيادة الخطاب الانتخابي من خارج المنافسة المباشرة على مقعد، وأسهم تركيزه على الإصلاح الدستوري والملكية البرلمانية، وربطهما بالقضايا الاجتماعية والاقتصادية في منح خطاب التحالف حضورا يتجاوز وزن مكوناته البرلماني، وإن ظل تحويله إلى تأثير مؤسساتي رهينا بما ستفرزه صناديق الاقتراع.
المصدر: الصحيفة





