من حراك الريف إلى قضية زيان مرورا باحتجاجات “جيل زِد”.. ملف “المُعتقلين” الحارق الذي فضلت مُعظم الأحزاب “تجاهله” في حملتها الانتخابية

إيطاليا تلغراف متابعة

قبل يوم من الاقتراع، تتزاحم في برامج الأحزاب المغربية وعود التشغيل والدعم وإصلاح الصحة والتعليم، بينما تغيب عن معظمها ملفات حقوقية ظلت حاضرة في النقاش العمومي، وفي مقدمتها معتقلو حراك الريف وقضية النقيب محمد زيان، إلى ملفات أخرى تتعلق باحتجاجات “جيل Z” سنة 2025، أو لمحكومين في قضايا تتعلق بالرأي.

غير أن هذا الغياب لم يكن كاملا، فقد تعهد تحالف اليسار بالإفراج عن من يصنفون في خانة” المعتقلين السياسيين” أو “معتقلي الرأي”، وأدرج التقدم والاشتراكية “تسوية ملف الحراك” ضمن برنامجه، بينما طالب العدالة والتنمية بالعفو عن معتقلي الريف والإفراج عن زيان في مواقف حزبية لم تنتقل بالأسماء نفسها إلى وثيقته الانتخابية، وبين الإفراج والتسوية والتماس العفو، يطرح اختلاف الصيغ سؤالا يتجاوز قوة الخطاب إلى قدرة كل حزب على تحويل موقفه إلى إجراء قابل للتنفيذ والمحاسبة.

حضرت القضايا الحقوقية في عدد من البرامج الانتخابية من خلال مقترحات لإصلاح المنظومة القانونية والمؤسساتية، لا عبر التزام مباشر بمعالجة حالات بعينها، فقد اقترح العدالة والتنمية حماية حرية التعبير والتظاهر، وضمان المحاكمة العادلة، وترشيد الاعتقال الاحتياطي، فيما وضع الاتحاد الاشتراكي الحقوق والحريات ضمن تصوره لدولة الحق والقانون والإصلاح المؤسساتي.

وفي المقابل، ركز برنامج الأصالة والمعاصرة أولوياته على القدرة الشرائية وإدماج الشباب والخدمات العمومية والأمن الاستراتيجي والنمو، من دون تخصيص تعهد لمعتقلي الحراكات أو قضايا الاعتقال المرتبطة بالرأي، وهو المنحى نفسه الذي ظهر، بدرجات مختلفة، في برامج أخرى جعلت إصلاح القضاء والسياسة الجنائية إطارا عاما من دون تسمية معتقلي الريف أو محمد زيان.

ويظل الفرق جوهريًا بين تعديل القواعد التي قد تمنع تكرار هذه القضايا مستقبلا، وبين تقديم حل سياسي أو قانوني لملفات قائمة، إذ يمكن للحزب أن يتعهد بتوسيع الحريات من دون أن يلتزم بالإفراج أو العفو أو مراجعة حالة محددة.

قدّم تحالف اليسار الموقف الأكثر صراحة من الملفات الحقوقية العالقة، إذ تعهد في ميثاقه السياسي بإطلاق انفراج شامل والإفراج عن جميع المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي، واضعا في مقدمتهم معتقلي حراك الريف واحتجاجات “جيل Z” ومناهضي التطبيع، كما وسّع، في بيانه التأسيسي، دائرة المعنيين لتشمل الصحفيين والمدونين والنشطاء المعتقلين على خلفية الاحتجاج الاجتماعي.

ولا يقدم التحالف الإفراج باعتباره إجراء منفصلا، بل يربطه باستعادة الثقة وطي صفحة الانتهاكات وإطلاق مصالحة مع الجهات والمناطق التي يعتبر أنها عانت التهميش، وبذلك ينتقل مقترحه من معالجة أوضاع المعتقلين إلى محاولة معالجة السياق السياسي والاجتماعي الذي أنتج الحراكات والاعتقالات.

لكن وضوح الفئات المشمولة لا يقابله التفصيل نفسه في آلية التنفيذ، فالوثائق المنشورة تطالب بالإفراج، من دون أن تحدد ما إذا كان التحالف سيسعى إليه بواسطة ملتمس للعفو الخاص، أو مقترح قانون للعفو العام، أو مراجعة قضائية للملفات، كما لا تسمي محمد زيان ضمن الحالات المذكورة.

اختار حزب التقدم والاشتراكية صيغة “التسوية” بدل التعهد المباشر بالإفراج، إذ تضمن برنامجه التزامًا بـ”العمل من أجل تسوية ملف الحراك والصحفيين والمؤثرين وشباب جيل Z الموجودين رهن الاعتقال”، ولم يسم البرنامج معتقلي الريف أفرادا أو يذكر محمد زيان، لكنه نقل القضية من مستوى المواقف العامة إلى التزام مدرج ضمن المحور الديمقراطي للحزب.

ووضع الحزب هذا الالتزام داخل تصور أوسع يشمل حماية حرية التعبير، وحصر متابعة الصحفيين بسبب نشاطهم المهني في قانون الصحافة، ومراجعة القانون الجنائي، وضمان التظاهر السلمي، وتقليص الاعتقال الاحتياطي، وتوسيع العقوبات البديلة، ليُدمج في مقترحه بين معالجة بعض الملفات القائمة وتعديل القواعد القانونية والسياسة الجنائية التي قد تنتج حالات مماثلة.

أما المقصود بـ”ملف الحراك”، فقد جعله الأمين العام للحزب، محمد نبيل بنعبد الله، أكثر وضوحا حين دعا، في يونيو 2026، إلى طي ملف حراك الريف وملفات الاحتجاجات الاجتماعية، ومنها جرادة، والإفراج عن بقية المعتقلين، بمن فيهم ناصر الزفزافي، غير أن البرنامج لا يحدد كيف ستُنجز هذه التسوية، ولا ما إذا كانت ستتم بواسطة العفو أو مراجعة الأحكام أو مبادرة تشريعية، كما لا يتضمن التزاما خاصا بقضية زيان.

لم يُسمّ برنامج العدالة والتنمية معتقلي حراك الريف أو محمد زيان، لكنه خصص محورا لحماية الحقوق والحريات، تضمن مراجعة القوانين المنظمة للتجمعات والتظاهر، وحماية الصحفيين والمدونين والمدافعين عن حقوق الإنسان، إلى جانب تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وترشيد الاعتقال الاحتياطي وتطوير سياسة لإعادة الإدماج بعد الإفراج.

وفي مقابل هذا الغياب داخل الوثيقة الانتخابية، حضرت الملفات بأسمائها في الخطاب المحيط بالحزب، فقد دعا منتدى الكرامة لحقوق الإنسان، القريب من العدالة والتنمية، إلى استكمال الانفراج الحقوقي بالإفراج عن بقية معتقلي احتجاجات “جيل Z”، وحل ملف من تبقى من معتقلي حراك الريف، والإفراج عن محمد زيان، مستندا في حالته إلى سنه ووضعه الصحي، ورابطا ذلك بالحوار والمصالحة والإنصاف واستعادة الثقة في المؤسسات.

وانتقل ملف الريف إلى الحملة الانتخابية نفسها عندما طالبت حنان المعروفي، وكيلة لائحة الحزب في الحسيمة، بإطلاق سراح المعتقلين وإغلاق الملف، قبل أن يؤكد عبد الإله بنكيران أن المطلب لا يمثل موقفا فرديا للمرشحة، بل سبق للحزب أن عبّر عنه.

لا تملك الأحزاب الآلية نفسها لتنفيذ جميع وعود الإفراج، فالفصل 58 من الدستور يسند إلى الملك ممارسة حق العفو، ولذلك تستطيع الأحزاب التماسه والترافع سياسيا بشأنه، لكنها لا تستطيع تقديمه باعتباره قرارا حكوميا ستنفذه بمجرد وصولها إلى السلطة.

ويختلف ذلك عن العفو العام، الذي يندرج ضمن المجال التشريعي، مع خضوع مشروع قانونه للتداول في المجلس الوزاري قبل استكمال مساره الدستوري، ومن ثم يمكن للأحزاب الدفع سياسيا وتشريعيا نحو هذه الصيغة، لكن الأمر لا يتحول إلى نتيجة تلقائية بمجرد توفر أغلبية حكومية أو برلمانية.

وتبقى للحكومة والبرلمان أدوات أخرى لا ترتبط بالإفراج المباشر وحده، من بينها تعديل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية، ومراجعة المقتضيات التي قد تقيد حرية التعبير والتظاهر، وترشيد الاعتقال الاحتياطي، وتوسيع العقوبات البديلة، إلى جانب إطلاق مبادرات للمصالحة وجبر الضرر.

المصدر: الصحيفة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics