الانتخابات التشريعية ترفع التأهب في سبتة ومليلية وتختبر التنسيق الاستباقي.. ما يجري في المغرب أضحى يهم إسبانيا أيضا!
بينما كان المغاربة يتوجهون إلى صناديق الاقتراع، رفعت إسبانيا مستوى التأهب في سبتة ومليلية، وعززت انتشار الشرطة والحرس المدني ووسائل المراقبة الجوية، بدرجات متفاوتة بين المدينتين، بالتزامن مع انتشار أمني مغربي مكثف بمحاذاة سبتة.
ولم تعتبر مدريد الانتخابات مصدر الخطر في حد ذاتها، لكنها تعاملت معها باعتبارها ظرفا قد تستغله دعوات متداولة على شبكات التواصل، روجت لإمكان العبور الجماعي مستندة إلى احتمال انشغال القوات المغربية بتأمين الاقتراع.
وجاء التأهب بعد خمسة إنذارات سابقة منذ أزمة يوليوز، وفي ظل اتصالات شبه يومية بين وزيري خارجية البلدين وضمانات قال وزير الخارجية الإسباني، خوسيه مانويل ألباريس، إن الرباط قدمتها لاتخاذ التدابير الضرورية لمنع عبور جديد، وبذلك دخل الموعد السياسي المغربي ضمن تقدير المخاطر الأمنية الإسبانية، في تحول من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى محاولة استباقها قبل الموعد الذي حددته الدعوات الرقمية.
ولم يظهر ربط المواعيد السياسية المغربية بمحاولات العبور للمرة الأولى مع الانتخابات، فقد كشفت الوثائق التي نشرتها الحكومة الإسبانية بشأن أزمة يوليوز أن دعوات رقمية سابقة حثت على التوجه إلى سبتة في 30 من الشهر نفسه، اعتمادا على تصور مفاده أن القوات المغربية ستكون منشغلة باحتفالات عيد العرش.
وفي 29 يوليوز، نقل مركز الاستخبارات الإسباني إلى أجهزة مغربية، وإلى مندوبية الحكومة والحرس المدني في سبتة، معلومات بشأن دعوات إلى العبور برا وبحرا في اليوم الموالي، غير أن مدريد أكدت لاحقًا أن التحذيرات نبهت إلى وجود الدعوات من دون أن تتوقع الحجم الذي ستبلغه حركة العبور.
وبذلك لم تكشف أزمة يوليوز غياب المعلومات بقدر ما أظهرت محدودية تحويلها إلى تقدير عملياتي يتناسب مع حجم الخطر، وعندما تكررت الدعوات في شتنبر، مستبدلة فرضية الانشغال بعيد العرش بفرضية الانشغال بالانتخابات، لم يقتصر التعامل معها على تبادل التحذيرات، بل تبعتها تعزيزات ميدانية واتصالات دبلوماسية وتحرك لمواجهة التضليل.
ولم يكن إنذار يوم الاقتراع واقعة معزولة، بل السادس الذي تعاملت معه الأجهزة الإسبانية منذ أزمة نهاية يوليوز، وفق مصادر في وزارة الداخلية الإسبانية نقلت عنها صحيفة “إلباييس”، فقد سبقت دعوات 23 شتنبر إنذارات مرتبطة بمواعيد 8 و9 و12 و15 غشت، ثم 20 شتنبر.
وبحسب المصادر نفسها، لا يعني تكرار الإنذارات وقوع ست محاولات فعلية للعبور، إذ لم تسجل خلال المواعيد الثلاثة الأولى تحركات مهمة على الحدود، بينما شهد 15 غشت تجمع مئات الأشخاص قبل أن تمنعهم القوات المغربية من الوصول إلى سبتة.
وعملياتيًا، دفعت إسبانيا بـ75 عنصرا من وحدات التدخل الشرطي إلى سبتة، إلى جانب تعزيز انتشار الحرس المدني ووحداته المتخصصة والمراقبة الجوية، بالتزامن مع إجراءات أمنية اتخذها المغرب في محيط الحدود لمنع وصول تجمعات محتملة إلى المعابر.
أما المستوى الدبلوماسي والتواصلي، فتمثل في اتصالات وصفها وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بأنها شبه يومية مع نظيره ناصر بوريطة، وفي ضمانات قال إن الرباط قدمتها لاتخاذ التدابير الضرورية لمنع محاولة عبور جماعي، وواكب ذلك تحرك إسباني لمواجهة رسائل مضللة روّجت لإمكان دخول المهاجرين والبقاء في إسبانيا، وبذلك جمع التأهب بين تتبع الدعوة الرقمية، والاستعداد الميداني، والتنسيق السياسي قبل حلول الموعد المحدد لها.
ولا تثبت هذه الرواية أن الانتشار المغربي على الحدود يتراجع فعلًا خلال المناسبات السياسية، أو أن مروجي الدعوات يمتلكون معلومات دقيقة عن توزيع القوات، لكنها قد تعزز قدرتها على التعبئة، وبذلك دخلت المواعيد السياسية والوطنية المغربية ضمن تقدير المخاطر الإسباني، لا باعتبارها أسبابا مباشرة للهجرة، بل عوامل زمنية قد تُستغل لبناء توقع بإمكان عبور الحدود.
ولا تكفي هذه الإجراءات للحديث عن إحداث بروتوكول أمني جديد أو آلية دائمة، في غياب وثيقة رسمية منشورة تحدد قواعدها وصلاحيات أطرافها، لكنها تكشف تشكل نمط أكثر استباقية في التنسيق، انتقل من رصد الدعوات وتبادل المعلومات بشأنها إلى الاستعداد المسبق للموعد الذي تحدده ومحاولة الحد من قدرتها على التعبئة.
ولا يلغي الانتقال إلى التعامل الاستباقي صعوبة تقدير الخطر، لأن الدعوات المتداولة رقميا لا تمتلك القدرة نفسها على التعبئة، وقد تمر بعض المواعيد من دون تحرك مهم، بينما تتحول دعوة أخرى خلال وقت قصير إلى تجمعات فعلية، ويجعل ذلك الأجهزة أمام معادلة دقيقة بين تجنب التقليل من تهديد محتمل، وعدم استنزاف الموارد برفع التأهب مع كل منشور أو موعد متداول.
كما تظل فعالية الانتشار الإسباني مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرة السلطات المغربية على رصد التحركات ومنع وصول التجمعات إلى محيط المعابر، بالنظر إلى أن احتواء الأشخاص قبل اقترابهم من الحدود يقلل الضغط المباشر على وحدات الشرطة والحرس المدني في سبتة ومليلية، ولذلك لا يمثل التأهب الإسباني بديلًا عن التعاون مع الرباط، بل يعتمد عليه بوصفه جزءا أساسيا من الاستجابة.
وحتى إذا مر الموعد من دون أزمة مماثلة لما وقع في يوليوز، فلن يكفي ذلك وحده لإثبات نجاح نموذج دائم، فقد يعكس أثر الانتشار والتنسيق، كما قد يرتبط بضعف استجابة الراغبين في الهجرة للدعوات المتداولة، وما يمكن إثباته هو أن مدريد تعاملت مع إنذار شتنبر بطريقة أكثر استباقية، أما مدى تحول ذلك إلى آلية مستقرة فلا يمكن قياسه إلا من خلال طريقة إدارة الإنذارات المقبلة.
المصدر: الصحيفة





