المرأة والقيادة السياسية: قراءة مقاصدية في حديث “لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهمُ امرأةً”

 

 

 

 

بقلم: الأستاذ رشيد الزهراني

 

 

تظلّ قضية تمكين المرأة وتوليها مناصب القيادة العليا في العالم العربي والإسلامي من أكثر القضايا إثارةً للجدل الفكري والفقهي. ومع كل محطة تاريخية تعتلي فيها امرأة منصبًا قياديًا رفيعًا، يُستحضر النزاع بين الفهم الحرفي للنصوص والاجتهاد المقاصدي المرن الذي يستوعب حركية التاريخ ومتغيرات العصر. وفي هذا المقال، أقدم لكم قراءة نقدية متوازنة لحديث “لن يُفلِحَ قومٌ وَلَّوْا أمرَهمُ امرأةً”، مستعرضاً أبعاده التاريخية والفقهية والمقاصدية، بالتزامن مع المحطات القيادية الجديدة للمرأة العربية.

1. الاعتبار بالسياق ومناسبة الحديث
إن القراءة السليمة للنص النبوي الشريف تستوجب عدم فصله عن ظروف صدوره؛ فقد قاله النبي ﷺ حين بلغه أن أهل فارس قد ملّكوا عليهم “بوران بنت كسرى” بعد مقتل والدها واضطراب أحوال دولتهم، وتفشّي الاستبداد والصراع الداخلي في الإمبراطورية الفارسية المتهالكة حينها.
ويرى فريق واسع من المحققين والعلماء أن النص جاء هنا بصيغة الإخبار بمآل دولة فارس التي وصلت إلى مرحلة السقوط العسكري والعجز السياسي، وليس بتأسيس حكم تشريعي عام ومطلق يمنع كفاءة المرأة القيادية في كل زمان ومكان. فالسياق إنما هو سياق تاريخي يفسّر الدلالة ويحدد نطاق تطبيقها.

2. التمييز الفقهي بين الولاية العظمى والوظائف العامة
مَيّز جمهور الفقهاء المتقدمين في استنباطهم الأحكام من هذا الحديث بين مستويين رئيسين من القيادة:

الولاية العظمى أو الخلافة العامة
وهي التي اتجه أغلب الفقهاء المتقدمين إلى منع تولية المرأة لها، نظراً لطبيعتها والتزاماتها الميدانية والدينية والعسكرية الشاقة في ذلك العصر.

الولايات والوظائف العامة الأخرى
كالعدل والقضاء، والوزارة، والإدارة المحلية، والإشراف المالي والتنفيذي؛ حيث أجازت مدارس فقهية عريقة مثل الإمام أبي حنيفة في القضاء المالي، والإمام الطبري وغيرهما تولية المرأة لمثل هذه المناصب بناء على معايير العقل والدين والخبرة والأهلية.

3. المقاصد الشرعية ومتغيرات الإدارة الحديثة
تعتمد الدولة الحديثة على مبدأ المؤسسية والشورى وتوزيع السلطات، حيث لم تعد إدارة الشأن العام قراراً فريداً لشخص واحد، بل تُدار عبر مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية متكاملة.
وفي هذا الإطار المؤسسي، تتسع المقاصد الشرعية الكلية لتجعل الكفاءة والخبرة والأمانة هي المعايير الأساسية لشغل المناصب القيادية، انسجاماً مع التوجيه القرآني الخالد: والذي قال في ربنا عز وجل ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]. فالقوة تعني الكفاءة والتخصص، والأمانة تعني النزاهة والمسؤولية.

تهنئة ورؤية مستقبلية
وبناءً على هذه المقاربة المقاصدية الشاملة، ونظراً لما يشهده عالمنا العربي والإسلامي من تحولات مؤسسية واعدة تجسد قدرة الشريعة الإسلامية على استيعاب متطلبات التنمية والعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، أتوجه بأسمى عبارات التهنئة والتبريك للأستاذة فاطمة الزهراء المنصوري بمناسبة تعيينها رئيسة للحكومة بالمملكة المغربية الشريفة، متمنياً لها التوفيق والسداد في أداء مهامها الوطنية وخدمةً للصالح العام.
ونسأل الله العلي القدير أن يديم على مملكتنا المغربية نعمتَي الأمن والاستقرار، ودوام التقدم والازدهار، وأن يحفظ راعي النهضة المغربية وباني مجدها، صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، وأن يقر عينه بولي عهده الأمير الجليل مولاي الحسن، ويشد أزره بصنوه السعيد الأمير مولاي رشيد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة، إنه سميع مجيب الدعاء.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics