ملاحظات على هامش انتخابات المغرب

 

 

 

 

علي أنوزلا
صحافي وكاتب مغربي

 

سيكون من الخطأ قراءة انتخابات المغرب التي جرت في 23 سبتمبر/ أيلول الجاري بالاكتفاء بترتيب الفائزين والخاسرين، أو قياس التحولات بعدد المقاعد التي ربحها هذا الحزب أو فقدها ذاك. فالانتخابات، خصوصاً في نظام سياسي معقد مثل المغرب، لا تخبرنا فقط بمن سيدخل البرلمان ومن سيغادره، وإنما تكشف أيضاً طبيعة العلاقة بين المجتمع والسياسة، ومدى قدرة الأحزاب على تمثيل المواطنين، وحدود تأثير الاقتراع في صناعة القرار. ومن هذه الزاوية، تبدو انتخابات 2026 كاشفة لتحولات وتناقضات أعمق من الخريطة الحزبية التي أفرزتها صناديق الاقتراع.

أولى الملاحظات اللافتة، وللمفارقة، تتعلق بمن لم يصوّتوا. فنسبة المشاركة الرسمية لم تتجاوز 38.02%، أي أن نحو ستة ناخبين من كل عشرة مسجلين اختاروا عدم التوجه إلى صناديق الاقتراع، ويتقلص هذا العدد إلى واحد من كل عشرة لو احتسبنا مجموع المؤهلين للاقتراع غير المسجلين في اللوائح الانتخابية. ولا ينبغي، بالطبع، وضع كل هؤلاء في خانة سياسية واحدة، فهناك المُقاطع احتجاجاً، والعازف بسبب الإحباط، والمتردّد الذي لم يجد في العروض الحزبية ما يستحق صوته، وهناك أيضا اللامبالي بالشأن السياسي. لكن عندما يصبح الامتناع اتجاهاً مستقرّاً، ويتزامن مع تراجع الثقة في الأحزاب والمؤسسات، فإنه يتجاوز كونه رقماً انتخابياً ليصبح مؤشّراً على أزمة في الوساطة السياسية نفسها. فالانتخابات لا تقاس فقط بعدد الذين شاركوا فيها، وإنما أيضا بحجم المجتمع الذي لم يعد يرى في المشاركة وسيلة مجدية للتأثير.

وهنا تظهر إحدى المفارقات الأساسية في التجربة الحزبية المغربية، فالأحزاب التي يفترض أن تكون جسراً بين المجتمع والدولة أصبحت، في حالات كثيرة، أقرب إلى مؤسسات انتخابية تنشط أساساً في مواسم الاقتراع. وهي ملاحظة تعيد إلى النقاش مفهوم “حزب الكارتيل” الذي طوره عالما السياسة ريتشارد كاتز وبيتر ماير لوصف تحول الأحزاب من تنظيمات متجذرة في المجتمع إلى مؤسسات يزداد اعتمادها على موارد الدولة واندماجها في بنيتها. ولا يعني هذا إسقاط المفهوم آلياً على الأحزاب المغربية، لكنه يوفر عدسة مفيدة لفهم تقلص الفوارق البرنامجية بينها، وتحوّل نخبها إلى موظفين داخل المؤسّسات، وتراجع وظائفها التقليدية في التأطير والوساطة وإنتاج الأفكار، مقابل ازدياد اهتمامها بإدارة المواقع الانتخابية والمؤسساتية.

في المقابل، وهذه هي الملاحظة الثانية، حملت نتائج 2026 رسالة مختلفة من القوى التي حافظت على قدر أكبر من التمايز عن الوسط الحزبي التقليدي. فقد عاد حزب العدالة والتنمية (الإسلامي) من 13 مقعداً سنة 2021 إلى 54 مقعداً، بينما انتقل تحالف اليسار إلى ثمانية مقاعد بعدما كان مكوناه لا يتوفران مجتمعين سوى على مقعدين في البرلمان السابق. وفي الاتجاه المعاكس، تراجع “الاتحاد الاشتراكي…” إلى 26 مقعداً و”التقدم والاشتراكية” إلى 19، وهما حزبان يساريان اندمجا في السلطة. لكن سيكون متسرعاً وصف هذه الملاحظة بأنها مؤشّر على “عودة للإسلاميين” أو “عودة لليسار”، لأن “العدالة والتنمية” لم يسترجع بعد كل حضوره عام 2016 عندما حصل على 125 مقعداً، كما أن تحالف اليسار ما زال قوة محدودة من حيث الحجم والحضور في الميدان. لذلك، من الأدقّ الحديث عن تعافي قوى معارضة استطاعت أن تقدّم نفسها بخطاب أكثر تمايزاً، وربما وجدت لدى جزء من الناخبين الباحثين عن صوت احتجاجي واضح أو معارض صريح مجالاً لاستعادة بعض ما فقدته في الأحزاب الأخرى.

بنية النظام الدستوري المغربي تقوم على توزيع للصلاحيات بين الملك والحكومة والبرلمان ومؤسّسات أخرى

وتكتسب هذه القراءة أهمية أكبر إذا نظرنا إلى ما حدث داخل اليسار نفسه، فاليسار بمختلف مكوناته لم يحقق تقدّماً إجمالياً كبيراً بقدر ما عرف إعادة توزيع للقوة داخله، فقد تراجعت الأحزاب اليسارية الأكثر اندماجاً داخل السلطة، في الوقت الذي تقدّم فيه اليسار المعارض بعد إعادة توحيد جزء من مكوناته. وقد يكون هذا مؤشّراً أولياً على أن جزءاً من الناخبين لم يعد يبحث بالضرورة عن هوية أيديولوجية بعينها، إسلامية كانت أو يسارية، بقدر ما يبحث عن قوى تبدو أكثر وضوحاً في موقعها المعارض. وإذا تأكّد هذا الاتجاه في الاستحقاقات المقبلة، فقد يكون أحد أهم التحولات التي كشفتها انتخابات 2026 إعادة الاعتبار للتمايز السياسي بعد سنوات من تداخل الخطابات والممارسات الحزبية.

تتعلق الملاحظة الأكثر إثارة بالحزب الذي تصدر النتائج، فقد حصل الأصالة والمعاصرة على 97 مقعداً من أصل 395، بعد مسار بدأ رسمياً بتأسيس الحزب سنة 2008، في سياق أعقب انتخابات 2007 التي سجلت بدورها أزمة واضحة في المشاركة والثقة السياسية. والمفارقة التاريخية هنا لافتة، فالمشروع الذي ظهر في مناخ البحث عن تجديد النخب والوساطة السياسية احتاج نحو عقدين حتى يصل إلى صدارة المؤسسة المنتخبة، لكنه وصل إليها في انتخابات أعادت إنتاج المشكلة نفسها التي رافقت بداياته، ضعف المشاركة واتساع المسافة بين المواطنين والسياسة.

وتكتسب صدارة “الأصالة والمعاصرة” دلالة إضافية بسبب الصورة التي رافقت الحزب منذ نشأته وعلاقته التاريخية بالمستشار الملكي القوي فؤاد عالي الهمة، وبسبب النظرة التي ظلت تعتبره، لدى جزء من الرأي العام وخصومه السياسيين، “حزب القصر”، وهي قراءة رفض الحزب دائماً اختزال هويته فيها. وإذا انتهى المسار الدستوري إلى قيادته الحكومة، فسيجد نفسه أمام اختبار مختلف عن الذي واجهته حكومات قادتها سابقا أحزاب خرجت من المعارضة التاريخية أو من الحركة الإسلامية. سيكون من الأصعب سياسياً تفسير أي إخفاق محتمل في تسييره الشأن العام بوجود عوائق أو مراكز مقاومة خارج الحكومة، لأن خصوم الحزب سيستحضرون، بالضرورة، قربه التاريخي المفترض من مركز السلطة الحقيقية.

السؤال الأعمق الذي تطرحه ملاحظة انتخابات 2026 ليس من سيحكم المغرب في السنوات المقبلة فحسب، وإنما من سيتحمل مسؤولية الحكم أمام مجتمع تزداد مطالبه

ولا يعني هذا أن حكومة يقودها “الأصالة والمعاصرة” ستمتلك سلطة مطلقة، فبنية النظام الدستوري المغربي تقوم على توزيع للصلاحيات بين الملك والحكومة والبرلمان ومؤسّسات أخرى. لكن المسافة السياسية والنفسية بين الحكومة ومركز السلطة قد تصبح أقل وضوحاً في نظر المواطنين. وهنا تكمن حساسية المرحلة المقبلة، لأن الحكومات والأحزاب لعبت تاريخيا دوراً في تحمل جانب كبير من كلفة الإخفاق أمام الرأي العام، فيما ظلت المسؤولية السياسية موزّعة بين مستويات مختلفة من القرار. أما عندما يقود الحكومة حزب يُنظر إليه الأقرب إلى المؤسسة الملكية، فقد يصبح الفصل بين تقييم أداء الحكومة وتقييم طريقة اشتغال النظام السياسي نفسه أكثر صعوبة.

ويبقى السؤال الأعمق الذي تطرحه ملاحظة انتخابات 2026 ليس من سيحكم المغرب في السنوات المقبلة فحسب، وإنما من سيتحمل مسؤولية الحكم أمام مجتمع تزداد مطالبه وتضعف ثقته في أدوات الوساطة التقليدية، فالحكومة المقبلة لن تواجه معارضة برلمانية قوية فقط مكونة من إسلاميين ويساريين، وإنما ستواجه أيضاً معارضة شارع قد تكون أكثر سرعة في الحركة وأقل قابلية للضبط بقواعد السياسة التقليدية. وسيكون عليها أن تجيب عن مطالب ملموسة تتعلق بالشغل والأسعار والصحة والتعليم والسكن والعدالة الاجتماعية، لا بمجرد تحسين الخطاب السياسي أو إدارة التوازنات الحزبية. وهنا تحديداً يصبح وضوح المسؤولية السياسية مسألة مركزية، فإذا قاد الحكومة حزب ينظر إليه باعتباره “حزب القصر”، ثم عجز عن الاستجابة لهذه الانتظارات، فقد تضيق المسافة النفسية التي كانت تسمح سابقاً بفصل الغضب من الحكومة عن الموقف من بنية الحكم نفسها. وعندها لن يعود السؤال مقتصراً على نسبة المشاركة في الانتخابات المقبلة، وإنما سيمتد إلى قدرة النظام السياسي على إعادة بناء الثقة، وتجديد الوساطة، وتوسيع المجال أمام المشاركة والمساءلة وربط السلطة بالمسؤولية أو “ربط المسؤولية بالمحاسبة” كما ينص على هذا الدستور المغربي. بهذا المعنى، يمكن القول إن أهم ما ميّز انتخابات 2026 أنها قلّصت المسافة بين مسؤوليتي الحكومة والقصر، وأعادت طرح السؤال الجوهري: من يحكم فعلاً، ومن يُحاسب ساعة الفشل؟ وهل تكون هذه اللحظة مدخلاً إلى ديمقراطية حقيقية تربط السلطة بالمسؤولية، أم استمراراً لديمقراطية الواجهة؟

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...
Global site tag (gtag.js) - Google Analytics