الخطاب الملكي وامتحان الحكامة

 

 

 

محمد براو

 

يشكل الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية 2026-2027 محطة جديدة في مسار التوجيهات الاستراتيجية التي رسمت خلال السنوات الأخيرة أولويات العمل العمومي بالمغرب. فقد أعاد التأكيد على قضايا محورية تتعلق بالأمن الاستراتيجي والاستثمار المنتج والتشغيل والشباب والجهوية المتقدمة وتعزيز مكانة المملكة كشريك دولي موثوق. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتعلق بقدرة المؤسسات على تحويل هذه الاستمرارية في الرؤية إلى كسب لرهانات في الإنجاز وتركيمه وترسيخ مكتسباته. ومن هنا تبرز الحكامة الجيدة باعتبارها الخيط الناظم الذي يربط بين مختلف الأوراش والإصلاحات، ويحدد مدى نجاح السياسات العمومية في تحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس والتقييم، في إطار من الفعالية والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
مركزية الحكامة الجيدة
تتيح المقارنة بين الخطب السابقة وخطاب 2026 ملاحظة استمرار عدد من الرهانات الأساسية، مع اتساع الإطار الذي تُطرح ضمنه. فالماء أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاستراتيجي، والاستثمار بات مرتبطاً بصورة أوضح بالإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي وخلق فرص الشغل، بينما عادت الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري إلى الواجهة باعتبارهما شرطين لتسريع التنمية وتحسين الخدمات العمومية.
ولا يعني استمرار هذه القضايا بالضرورة تعثر السياسات المرتبطة بها، فقد يعكس أيضاً طبيعتها البنيوية وتغير الظروف المؤثرة فيها. غير أن هذا الاستمرار يبرر طرح سؤال موضوعي حول ما تحقق من الأهداف المعلنة وما لا يزال قيد التنفيذ وما يحتاج إلى مراجعة في أساليب التدبير والتنسيق والتقييم. وهنا تصبح الحكامة الجيدة المدخل الأساسي لفهم الانتقال من استمرارية التوجيهات إلى رهانات الإنجاز. فهي ليست مجرد مبدأ إداري أو عنوان للإصلاح المؤسساتي، بل الإطار الذي ينظم العلاقة بين التخطيط والقرار والتنفيذ والتقييم.
ومن هذا المنظور، تصبح الحكامة معياراً أفقياً لتقييم مختلف الأوراش الوطنية، لأنها تسمح بطرح الأسئلة الجوهرية نفسها على مختلف السياسات العمومية: هل المسؤوليات محددة بوضوح؟ هل الموارد متناسبة مع الأهداف؟ هل توجد مؤشرات دقيقة للنتائج؟ وهل تتوفر معطيات تسمح بالتتبع والمساءلة؟
الأمن الاستراتيجي والاستثمار المنتج
دعا الخطاب الملكي إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية وإطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خصوصاً في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، فضلاً عن تطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.
وتعكس هذه التوجيهات اتساع مفهوم التنمية، بحيث لم يعد النمو الاقتصادي يقاس فقط بحجم الإنتاج أو الاستثمار، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الأزمات الخارجية وتأمين احتياجاته الأساسية واستيعاب التحولات التكنولوجية. غير أن نجاح هذه الرؤية يظل رهيناً بجودة التنسيق بين السياسات العمومية. فالتخطيط المائي ينبغي أن ينسجم مع حاجات الإنتاج الزراعي والصناعي، والسياسة الطاقية مع متطلبات التنافسية الاقتصادية، والتحول الرقمي مع تأهيل الموارد البشرية. ولذلك فإن التحدي لا يتمثل فقط في إطلاق استراتيجيات جديدة، بل في ضمان انسجامها وتحديد المسؤوليات المرتبطة بها وتوفير أدوات دقيقة لتقييم نتائجها.
وفي السياق نفسه يمنح الخطاب للقطاع الخاص دوراً استراتيجياً في خلق الثروة وفرص الشغل وتسريع التحول الاقتصادي. لكن الحكامة الجيدة تقتضي التمييز بين الاستثمار المعلن عنه والاستثمار المنجز فعلياً والأثر الاقتصادي والاجتماعي الناتج عنه. فنجاح السياسات الاستثمارية لا يقاس فقط بحجم الموارد المعبأة أو عدد الاتفاقيات الموقعة، بل أيضاً بعدد فرص الشغل المستدامة التي يتم خلقها، ومستوى القيمة المضافة المحلية، وقدرة الاستثمارات على تقليص الفوارق بين الجهات وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.

الشباب والعدالة الاجتماعية والجهوية المتقدمة
يضع الخطاب الملكي قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية، مع التأكيد على تكافؤ الفرص والتعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي وتعزيز الثقة في إمكانات الارتقاء الاجتماعي. وتكتسب هذه التوجيهات أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي. غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب تجاوز البرامج القطاعية المتفرقة نحو سياسات مندمجة تربط التعليم والتكوين بسوق الشغل، وتشجع المبادرة المقاولاتية، وتوفر التمويل والمواكبة، وتراعي الفوارق بين الجهات والأوساط الاجتماعية.
كما أن العدالة الاجتماعية لا يمكن فصلها عن العدالة المجالية. ففي الوقت الذي يؤكد فيه الخطاب أهمية الاستثمار والنمو الاقتصادي، فإنه يشدد أيضاً على ضرورة أن تصل ثمار التنمية إلى مختلف المناطق والفئات الاجتماعية. ومن هنا تكتسب الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري أهمية خاصة باعتبارهما آليتين لتحسين جودة الخدمات العمومية وتقريب القرار من المواطنين. ويقتضي نجاح هذا الخيار وضوح توزيع الاختصاصات وربط المسؤولية بالموارد وتطوير التنسيق بين الدولة والجهات وإرساء آليات واضحة للتعاقد والتقييم. فالجهوية ليست مجرد تنظيم إداري جديد، بل هي اختبار لقدرة الدولة على جعل التنمية أقرب إلى الواقع الترابي وعلى تمكين الجهات من الاضطلاع بأدوارها التنموية في إطار من الوضوح والمساءلة.
الشراكات الدولية والسيادة الاقتصادية
يؤكد الخطاب الملكي مكانة المغرب كشريك دولي مسؤول وموثوق، ويدعو إلى تطوير توجه استراتيجي جديد في مجال التعاون المرتبط بالهجرة والتنمية والاستقرار الإقليمي. وتندرج هذه التوجيهات ضمن رؤية أوسع تربط السياسة الخارجية بالأهداف الاقتصادية والاجتماعية الوطنية. فالشراكات الدولية لم تعد تقتصر على بعدها الدبلوماسي، بل أصبحت مرتبطة بالاستثمار والتصدير ونقل التكنولوجيا وتنويع مصادر التوريد وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وتتجاوز الحكامة الجيدة تدبير الشأن الداخلي لتشمل أيضاً إدارة الشراكات الدولية وعلاقات الجوار على أساس وضوح الالتزامات، ونجاعة التنسيق، والتقييم المستمر للنتائج. وفي هذا السياق، تكتسي الإشارة الملكية إلى العلاقات المغربية الإسبانية، ولا سيما التعاون في مجال الهجرة غير النظامية والتحديات التي تعترض بعض جوانبه، أهمية خاصة؛ إذ تؤكد أن استدامة الشراكات لا تقوم على الإرادة السياسية وحدها، بل تتطلب آليات قانونية ومؤسساتية فعالة، والتزامات متبادلة، وقدرة على معالجة الإشكالات في إطار احترام السيادة الوطنية والقواعد القانونية. كما أن الدعوة إلى بلورة توجه استراتيجي جديد للتعاون تعكس ضرورة الانتقال من تدبير الملفات الظرفية إلى بناء شراكات منتجة تدعم التنمية المشتركة والتنافسية والاستقرار الإقليمي، بما يحفظ المصالح الاستراتيجية للمملكة.
البرلمان والحكامة القائمة على النتائج
أكد الخطاب الملكي أن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط النائب بالمواطنين. ويكتسب هذا التوجيه أهمية خاصة إذا ما تم ربطه بوظائف البرلمان في التشريع والرقابة وتقييم السياسات العمومية. فالرهان لم يعد يقتصر على مناقشة الأهداف المعلنة أو البرامج المقترحة، بل يمتد إلى تتبع مستوى التنفيذ وقياس النتائج المحققة على أرض الواقع. ومن هذا المنطلق يمكن تطوير أدوات مؤسساتية تسمح بتتبع الأولويات الاستراتيجية من خلال مؤشرات واضحة وجداول زمنية محددة ومعطيات متاحة للرأي العام.
كما يمكن للجان البرلمانية والهيئات الرقابية أن تلعب دوراً أكبر في تقييم أثر السياسات المرتبطة بالماء والاستثمار والتشغيل والشباب والجهوية المتقدمة، بالاستناد إلى البيانات الرسمية وتقارير مؤسسات الحكامة والرقابة. إن الانتقال من مساءلة النوايا إلى مساءلة النتائج يمثل أحد أهم مداخل تطوير الأداء المؤسساتي وتعزيز الثقة في العمل العمومي، ويجسد في الوقت نفسه المضمون العملي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
ختاما
تكشف القراءة الاسترجاعية للخطاب الملكي لافتتاح السنة التشريعية 2026-2027 أن عدداً كبيراً من الأولويات الراهنة يمتد إلى توجيهات سابقة، وأن التحولات الدولية والإقليمية تدفع إلى توسيع نطاق التنسيق بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية والدولية. غير أن الخيط الناظم لهذه الأوراش جميعها يظل هو الحكامة الجيدة، باعتبارها شرطاً لفعالية القرار العمومي وضمانة لحسن تدبير الموارد وآلية لترسيخ الشفافية والنزاهة والإنصاف وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالماء والاستثمار والشباب والأمن الاستراتيجي والجهوية المتقدمة والشراكات الدولية لن تحقق أهدافها بمجرد إعلانها، وإنما بمدى وضوح مسؤوليات التنفيذ وتوفير الموارد اللازمة والتنسيق بين المؤسسات وتقييم النتائج وتصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.
وبالنسبة للحكومة والبرلمان وسائر الفاعلين العموميين، فإن الرهان المركزي للمرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في مواصلة تنزيل التوجيهات الاستراتيجية، بل في ترسيخ ثقافة مؤسساتية تجعل النتائج القابلة للقياس معياراً للحكم على السياسات العمومية. فاستمرارية التوجيهات لا تكتسب قيمتها الكاملة إلا عندما تقابلها استمرارية في الإنجاز وتراكم في النتائج، وعندما تنتقل المؤسسات من حفظ ذاكرة الخطط والبرامج إلى بناء ذاكرة للإنجاز والأثر والتنمية الملموسة.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا