محمد براو
خبير دولي في الحكامة وباحث في الشؤون السياسية والاستراتيجية
لا يمكن قراءة تعثر مجلس الأمن في اعتماد قرار جديد بشأن بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (المينورسو)، يوم 30 أكتوبر 2026، باعتباره مجرد خلاف إجرائي حول تمديد ولاية بعثة أممية، بل ينبغي وضعه في سياق التحولات التي يعرفها النزاع، والتنافس الاستراتيجي بين المغرب والجزائر، فضلاً عن التوترات التي تطبع العلاقات بين القوى الكبرى داخل النظام الدولي. فالمواجهة التي انتهت باستخدام روسيا حق النقض ضد المشروع الأمريكي، ثم استخدام الولايات المتحدة حق النقض ضد المشروع الروسي، تكشف عن انتقال الخلاف من مستوى تدبير البعثة وتجديد مهامها إلى مستوى أعمق يتعلق بطبيعة التسوية السياسية والمرجعية التي ينبغي أن تؤطرها، وبمن يمتلك سلطة التأثير في هندسة مستقبل هذا الملف داخل الأمم المتحدة.
من إدارة النزاع إلى إعادة صياغة مرجعية التسوية
تكمن أهمية هذا التطور في أن المشروع الأمريكي لم يقتصر على تمديد ولاية المينورسو، بل تضمن توجهاً نحو إعادة تشكيل طبيعتها ووظيفتها، من خلال تغيير اسمها، وإعطاء مقترح الحكم الذاتي المغربي موقعاً مركزياً في المفاوضات، باعتباره أساساً للحل السياسي الأكثر قابلية للتطبيق. ويعكس هذا التوجه تطوراً في المقاربة الأمريكية، يتجاوز مجرد دعم الموقف المغربي إلى محاولة تحويل هذا الدعم إلى مرجعية مؤسساتية داخل مجلس الأمن. غير أن رفض روسيا لهذا المشروع يبين أن هذا التحول لم يحظ بالتوافق الدولي الضروري لاعتماده. فموسكو تمسكت بالإبقاء على الصيغة الحالية للبعثة، دون تبني التغييرات السياسية والمؤسساتية التي اقترحتها واشنطن.
ويكتسب هذا الخلاف أهمية خاصة في ضوء القرار 2797 لسنة 2025، الذي جعل مقترح الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات، مع ربط التسوية النهائية بمبدأ تقرير المصير. وهو ما يعني أن فشل المشروع الأمريكي الجديد لا يلغي المرجعية التي تضمنها القرار السابق، كما لا يسمح باعتبار التوجه نحو إعادة صياغة مهمة المينورسو أمراً محسوماً. وبذلك، فإن جوهر الأزمة يتمثل في التباين بين اتجاه يدفع نحو إعادة توجيه المسار الأممي انطلاقاً من مقترح الحكم الذاتي، واتجاه يفضل الحفاظ على الإطار المؤسسي القائم وعدم استباق نتائج المفاوضات.
انعكاسات التطور على قضية الصحراء الغربية
بالنسبة للمغرب، يمثل استمرار اعتماد الحكم الذاتي أساساً للمفاوضات ضمن القرار 2797 رصيداً دبلوماسياً مهماً، لكنه لا يعني أن التسوية أصبحت قريبة أو أن جميع العقبات الدولية والمؤسساتية قد أزيلت. فالمطلوب في المرحلة المقبلة هو الانتقال من تثبيت المرجعية السياسية للمقترح إلى تعزيز أبعاده المؤسساتية والتفاوضية، بما يجعله قابلاً للنقاش والتنفيذ ضمن حل سياسي نهائي. أما بالنسبة لجبهة البوليساريو، فإن إسقاط المشروع الأمريكي يتيح لها التمسك باستمرار المرجعية التاريخية للمينورسو وبمبدأ تقرير المصير، لكنه لا يشكل في حد ذاته تبنياً أممياً لموقفها أو إقراراً بالعودة إلى مسار استفتائي قابل للتنفيذ بالشروط نفسها التي كانت مطروحة سنة 1991. ومن الضروري هنا التمييز بين حذف كلمة «الاستفتاء» من اسم البعثة، وبين إلغاء مبدأ تقرير المصير؛ فالأمران ليسا مترادفين من الناحية القانونية والسياسية.
أما المسألة الأكثر حساسية فتتعلق بمستقبل الدور الميداني للبعثة. فالمينورسو لا تمثل مجرد إطار للتفاوض، بل تضطلع بمهام مرتبطة بمراقبة وقف إطلاق النار ومتابعة الوضع الميداني. ولذلك فإن انتهاء ولايتها دون تجديد يثير تساؤلات حول استمرارية هذه الوظائف، وحول مدى قدرة الأمم المتحدة على المحافظة على آليات مراقبة الوضع الأمني واحتواء التوترات. ومع ذلك، فإن انتهاء الولاية القانونية لا يعني بالضرورة الاختفاء الفوري للبعثة من الناحية المادية والإدارية، كما لا يؤدي تلقائياً إلى تغيير الوضع القانوني الدولي للإقليم أو إلى إنهاء اختصاص الأمم المتحدة في معالجة النزاع.
المغرب والجزائر: استمرار التنافس وتعدد أدوات التأثير
لا يمكن فصل هذه التطورات عن طبيعة التنافس المغربي الجزائري، الذي أصبح ملف الصحراء الغربية أحد أبرز محدداته الاستراتيجية والدبلوماسية. فالمغرب يسعى إلى تثبيت الحكم الذاتي باعتباره أساس التسوية، وتوسيع دائرة الدعم الدولي له، وتحويل التحولات في مواقف عدد من الدول إلى مكاسب داخل المؤسسات الدولية. في المقابل، تعمل الجزائر على منع تحول المقترح المغربي إلى مرجعية حصرية ومسبقة للمفاوضات، وتتمسك بمرجعية تقرير المصير وبضرورة الحفاظ على الدور الأممي في إدارة العملية السياسية.
وفي هذا السياق، يوفر الموقف الروسي هامشاً دبلوماسياً إضافياً للجزائر، بالنظر إلى أن الفيتو حال دون اعتماد الصيغة الأمريكية المقترحة. غير أن ذلك لا ينبغي تفسيره باعتباره اصطفافاً روسياً مطلقاً مع الموقف الجزائري؛ فموسكو تتحرك أيضاً وفق حساباتها الخاصة المرتبطة بموازين القوى الدولية وعلاقاتها مع مختلف الأطراف. ومن ثم، فإن نتيجة التصويت لا تمثل انتصاراً نهائياً لأي من الطرفين، بقدر ما تكشف عن استمرار التنافس حول مرجعية الحل وحدود التأثير في القرار الأممي.
وتتجاوز تداعيات هذا التنافس قضية الصحراء الغربية لتشمل مستقبل العلاقات المغاربية، والتعاون الأمني في منطقة الساحل، والتكامل الاقتصادي والطاقي، وإمكانية بناء فضاء إقليمي قادر على مواجهة التحديات المشتركة. فالخطر لا يكمن فقط في استمرار الخلاف السياسي بين الرباط والجزائر، بل في أن يؤدي غياب أفق التسوية إلى إدامة حالة التوتر، وإضعاف فرص التعاون، ورفع احتمالات سوء التقدير في بيئة إقليمية تتسم أصلاً بتعدد التحديات الأمنية.
الصحراء الغربية في سياق التنافس بين القوى الكبرى
لعل البعد الأكثر دلالة في التطور الأخير يتمثل في تحوله إلى اختبار جديد للعلاقات الأمريكية الروسية داخل مجلس الأمن. فالولايات المتحدة، رغم تمكنها من حشد أغلبية مؤيدة لمشروعها، لم تستطع تمريره بسبب الفيتو الروسي. وفي المقابل، لم تتمكن روسيا من فرض مشروعها البديل بسبب الفيتو الأمريكي. وهذا يعكس حدود النفوذ الدبلوماسي لكلتا القوتين، ويؤكد أن امتلاك المبادرة في صياغة مشروع القرار لا يعني القدرة على تحويله إلى قرار أممي نافذ.
كما يكشف الموقف الروسي عن رغبة في منع واشنطن من الانفراد بإعادة تشكيل مهمة بعثة أممية، والحفاظ على هامش التأثير في صياغة التسويات الدولية. أما الصين، فإن تحفظاتها على بعض عناصر المشروع الأمريكي تعكس اهتماماً بالحفاظ على دور مجلس الأمن وبضرورة عدم استباق نتائج المسارات السياسية بقرارات أحادية الصياغة.
ومن هذه الزاوية، فإن الصحراء الغربية لم تعد مجرد ملف إقليمي تحكمه اعتبارات العلاقات المغربية الجزائرية، بل أصبحت أيضاً مجالاً تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا والصين، فضلاً عن المصالح الأوروبية والإفريقية.
وتطرح هذه المعطيات سؤالاً أوسع يتعلق بقدرة مجلس الأمن على مواصلة أداء دوره في إدارة النزاعات، في ظل تنامي الاستقطاب بين أعضائه الدائمين. فعندما يعجز المجلس عن الاتفاق حتى على تجديد ولاية بعثة قائمة منذ أكثر من ثلاثة عقود، فإن ذلك يكشف عن أزمة في آليات التوافق الدولي، وليس فقط عن تعثر في ملف الصحراء الغربية.
نحو مرحلة جديدة من عدم اليقين؟
تفتح التطورات الحالية المجال أمام عدة احتمالات، يتوقف تحققها على طبيعة التفاهمات المقبلة بين القوى الكبرى ومواقف الأطراف المعنية. فقد تفضي المشاورات إلى صيغة توافقية جديدة تضمن استمرار المينورسو، مع تأجيل الخلاف حول طبيعة مهامها ومستقبلها. وقد يستمر الجمود، بما يضعف قدرة الأمم المتحدة على مواكبة الوضع الميداني والسياسي. كما يظل احتمال إعادة تشكيل البعثة تدريجياً قائماً، إذا توفرت إرادة دولية للتوفيق بين مقتضيات التسوية السياسية ومتطلبات الاستقرار الأمني. وفي جميع هذه الحالات، تظل الحاجة قائمة إلى الحفاظ على قنوات الاتصال والوساطة، وتجنب تحويل التعثر المؤسساتي إلى عامل إضافي للتصعيد الإقليمي.
خلاصة
إن تعثر تجديد ولاية المينورسو يكشف عن مرحلة جديدة في تطور نزاع الصحراء الغربية، عنوانها تداخل المستويات المحلية والإقليمية والدولية بصورة أكثر وضوحاً. فمن جهة، تتواصل التحولات في المرجعية السياسية للتسوية، مع تنامي حضور مقترح الحكم الذاتي في قرارات ومواقف دولية مؤثرة. ومن جهة ثانية، يستمر التنافس المغربي الجزائري في التأثير على فرص التوصل إلى حل، وعلى طبيعة الاصطفافات الدبلوماسية المرتبطة بالنزاع. ومن جهة ثالثة، أصبحت القضية مجالاً لاختبار حدود التوافق بين القوى الكبرى وقدرة مجلس الأمن على إنتاج تسويات قابلة للتنفيذ. والأهم أن ما حدث لا يعني حسم النزاع، ولا إلغاء المسار الأممي، ولا انتصاراً نهائياً لهذا الطرف أو ذاك. إنه يعكس أزمة في إدارة المرحلة المقبلة، وفي تحديد الإطار السياسي والمؤسساتي الذي يمكن أن يحتضن التسوية. ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تسجيل مكاسب ظرفية داخل مجلس الأمن، وإنما في القدرة على تحويل التحولات الدبلوماسية إلى مسار سياسي واقعي ومستدام، يحافظ على الاستقرار الإقليمي، ويستجيب لمقتضيات الحل السلمي وتقرير المصير.
إن مستقبل الصحراء الغربية لن يتحدد فقط بما تفرزه موازين القوى داخل مجلس الأمن، بل أيضاً بمدى استعداد الأطراف المعنية والقوى الدولية للانتقال من منطق إدارة التنافس إلى منطق البحث عن تسوية سياسية قابلة للاستمرار.





