ترامب والترامبية يدفعان ثمن المواجهة الخاسرة مع إيران..

 

 

 

الدكتور محمد براو
الخبير الدولي في الحكامة ومكافحة الفساد ومدير مجلة التدبير والرقابة على المال العام.

 

 

مقدمة

يحمل اعتراف دونالد ترامب بأن الحرب مع إيران كانت أحد العوامل التي أسهمت في خسارة الجمهوريين انتخابات التجديد النصفي وفقدانهم السيطرة على الكونغرس دلالات تتجاوز مجرد تفسير انتكاسة انتخابية. فهو يكشف عن حجم الارتدادات السياسية والاستراتيجية للمواجهة، وعن الفجوة بين الأهداف التي أرادت واشنطن تحقيقها والنتائج التي انتهت إليها. لكن الأهم أن هذه التداعيات لا تتوقف عند ترامب والحزب الجمهوري، بل تفتح الباب أمام قراءة أوسع تتعلق بمستقبل المشروع السياسي الذي ارتبط بترامب، وبحسابات القوى التي راهنت على توجيه السياسة الأمريكية، وفي مقدمتها اللوبي الإسرائيلي وشبكات الضغط السياسي والمالي المرتبطة به، والتي لعبت دوراً في تمويل حملات انتخابية ومواقف مناهضة لترامب والترامبية. إنها ليست مجرد خسارة انتخابية، بل لحظة تكشف أن القوة العسكرية والنفوذ المالي والضغط السياسي لا تضمن بالضرورة تحقيق النتائج المطلوبة، وأن المغامرة التي يراد بها إعادة تشكيل موازين القوى قد تتحول إلى عامل في إضعاف أصحابها.

أولا: تداعيات تتجاوز الميدان.. أزمة في الحسابات الأمريكية

لم تعد نتائج المواجهة تقاس بحجم الضربات العسكرية وحدها، وإنما بمدى قدرة كل طرف على ترجمة القوة إلى نتائج سياسية واستراتيجية.فعلى المستوى الأمريكي، وضعت الحرب إدارة ترامب أمام أسئلة صعبة تتعلق بجدواها، وحجم ما تحقق مقارنة بالكلفة، والقدرة على إنهائها دون الظهور بمظهر الطرف الذي أخفق في تحقيق أهدافه.

اقتصادياً، امتدت التداعيات إلى أسواق الطاقة والتجارة والملاحة الدولية، وزادت المخاوف من اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف المعيشة. أما إقليمياً، فقد وجدت دول المنطقة نفسها أمام حسابات أمنية واقتصادية معقدة، في ظل مخاطر اتساع المواجهة وانعكاساتها على الاستقرار. وعلى المستوى الدولي، أعادت الأزمة طرح الأسئلة حول حدود القوة الأمريكية وقدرتها على فرض الإرادة، خصوصاً في ظل المنافسة المتزايدة بين القوى الكبرى.

لكن التداعيات الأكثر حساسية ظهرت داخل الولايات المتحدة نفسها، حيث تحولت الحرب إلى عبء على الإدارة الجمهورية، وموضوع للجدل بين الناخبين، وأداة سياسية بيد خصوم ترامب. وبذلك تحولت المواجهة من صراع عسكري مع إيران إلى أزمة متعددة الأبعاد، أصبحت نتائجها مؤثرة في الداخل الأمريكي وفي توازنات المنطقة والنظام الدولي، بل وفي مستقبل التحالفات وشبكات النفوذ التي اعتادت التأثير في صناعة القرار الأمريكي.

ثانياً: خسارة الكونغرس.. ضربة لترامب والظاهرة الترامبية

لا تمثل خسارة الجمهوريين السيطرة على الكونغرس مجرد انتكاسة حزبية، بل تشكل ضربة سياسية لترامب شخصياً وللظاهرة الترامبية التي ارتبطت بصعوده. فترامب بنى مشروعه السياسي على صورة الزعيم القادر على فرض إرادته وتحقيق الحسم في الداخل والخارج. ولذلك فإن خسارة الأغلبية التشريعية تضع هذه الصورة أمام اختبار صعب، وتحد من قدرته على تمرير أجندته، وتمنح الديمقراطيين أدوات أوسع لمراقبة إدارته ومساءلتها وعرقلة بعض أولوياتها. والأهم أن هذه الخسارة تطرح سؤالاً بشأن قدرة ترامب على الاحتفاظ بالقاعدة السياسية التي شكلت ركيزة صعوده، خصوصاً عندما تتحول القرارات الخارجية إلى أعباء اقتصادية وسياسية يتحمل الناخب الأمريكي نتائجها.

لقد قدم ترامب نفسه بوصفه الرئيس الذي يرفض الحروب المكلفة والتدخلات الخارجية المفتوحة، ويضع المصالح الأمريكية أولاً. غير أن الانخراط في مواجهة واسعة مع إيران وضع هذا الخطاب أمام تناقض واضح، وأعاد إلى الواجهة مخاوف الناخبين من تكرار تجارب الحروب التي استنزفت الولايات المتحدة دون تحقيق انتصارات استراتيجية حاسمة. ومن هنا، فإن الخسارة لا تتعلق فقط بعدد المقاعد التي فقدها الجمهوريون، بل بمدى تآكل الثقة في قدرة ترامب على ترجمة شعاراته إلى نتائج ملموسة.

ثالثاً: اللوبي الإسرائيلي.. تراجع الرهانات وحدود النفوذ في واشنطن

تكتسب هذه التطورات أهمية إضافية عند ربطها بالدور الذي لعبته شبكات الضغط السياسي والمالي المؤيدة لإسرائيل في المشهد الانتخابي الأمريكي، ولا سيما القوى التي مولت حملات ومبادرات انتخابية مناهضة لترامب والترامبية، أو سعت إلى التأثير في تركيبة الكونغرس وموازين القوى داخله. فمن المعروف أن اللوبي الإسرائيلي يمتلك أدوات نفوذ متعددة في واشنطن، تشمل التمويل الانتخابي، وشبكات العلاقات السياسية، ومؤسسات الضغط والإعلام، والتأثير في النقاشات المتعلقة بالسياسة الخارجية والأمن القومي الأمريكي. لكن هذه الأدوات، مهما بلغت قوتها، لا تعني امتلاك القدرة المطلقة على التحكم في القرار الأمريكي أو ضمان النتائج الانتخابية التي تخدم مصالح الجهات الداعمة لها.

وهنا تبرز المفارقة: فبينما راهنت بعض القوى المناهضة لترامب على إضعافه سياسياً وتقليص نفوذ التيار الترامبي، جاءت تداعيات المواجهة مع إيران لتضع الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري أمام أزمة أوسع، لا يمكن اختزالها في الصراع بين ترامب وخصومه داخل المؤسسات السياسية. والأهم أن الرهان على توظيف الحرب لإعادة ترتيب موازين القوى في واشنطن قد اصطدم بتعقيدات الواقع الأمريكي؛ فالناخب لا يصوت بالضرورة وفق أولويات جماعات الضغط، بل يتأثر أيضاً بالاقتصاد وتكاليف المعيشة ومخاطر الحروب ومدى انعكاسها على المصالح الأمريكية المباشرة.

إن تراجع ترامب انتخابياً، في حال تأكدت أسبابه وتداخلت فيها عوامل الحرب والاقتصاد، لا يعني بالضرورة انتصار اللوبي الإسرائيلي أو هزيمته بصورة مباشرة. لكنه يكشف أن المعادلة أكثر تعقيداً من قدرة جماعات الضغط على توجيه السياسة الأمريكية، وأن التحالفات السياسية والمالية لا تضمن حماية أصحابها من ارتدادات القرارات الاستراتيجية الخاطئة.

رابعاً: إيران.. من الصمود العسكري إلى المكسب السياسي

في المقابل، استطاعت إيران، وفق مسار المواجهة، أن تمنع واشنطن من تحويل تفوقها العسكري إلى إخضاع سياسي كامل. فطهران لم تكن بحاجة إلى التفوق العسكري على الولايات المتحدة حتى تحقق مكسباً استراتيجياً؛ كان يكفيها أن تصمد، وتحافظ على قدرتها على المناورة، وتحرم خصمها من الحسم السياسي الذي راهن عليه.

ويمكن تحديد مكاسبها في ثلاثة أبعاد:

أولاً: إفشال الرهان على الحسم السريع. فقد أظهرت المواجهة أن التفوق العسكري لا يعني بالضرورة القدرة على فرض تسوية سياسية كاملة، وأن استمرار إيران وعدم خضوعها للإملاءات يمثلان مكسباً سياسياً في حد ذاته.

ثانياً: نقل جزء من كلفة المواجهة إلى الداخل الأمريكي. فكلما ازدادت كلفة الحرب وتعقدت أهدافها، أصبح ترامب مطالباً بتبريرها أمام الناخبين. وهكذا تحولت المواجهة من أداة ضغط على طهران إلى عامل ضغط على الإدارة الأمريكية نفسها.

ثالثاً: تحسين الموقع التفاوضي. فالتفاوض بعد الصمود ورفض الإملاءات يختلف عن التفاوض تحت ضغط الاستسلام. ومن ثم، فإن احتفاظ طهران بأوراقها السياسية والاستراتيجية يمنحها فرصة للدفاع عن مصالحها في أي تسوية مقبلة.

ولا تقتصر أهمية هذا المكسب على إيران وحدها، بل تمتد إلى إعادة تقييم قدرة واشنطن على خوض المواجهات الكبرى دون تحمل أثمان سياسية داخلية، خصوصاً عندما تكون أهداف الحرب مرتبطة بأولويات حلفائها أكثر من ارتباطها بتوافق وطني أمريكي واسع.

خامسا: الرابحون والخاسرون.. تراجع ترامب واختبار اللوبي الإسرائيلي

لا تقتصر نتائج المواجهة على واشنطن وطهران، بل تمتد إلى أطراف دولية وإقليمية متعددة. فالديمقراطيون هم الرابح المباشر انتخابياً ومؤسسياً، بعدما استعادوا السيطرة على الكونغرس وأصبحوا يمتلكون أدوات أوسع لمراقبة الإدارة الأمريكية والتأثير في قراراتها. أما إيران، فهي من أبرز المستفيدين استراتيجياً؛ لأن خصمها أصبح يواجه قيوداً داخلية ومؤسسية إضافية، ولأن المواجهة التي أرادها ترامب لإخضاعها تحولت إلى عبء سياسي عليه. كما قد تجد الصين وروسيا فرصاً إضافية لتوسيع هامش حركتهما الدولية في ظل انشغال واشنطن بصراعاتها الداخلية، بينما يجد حلفاء الولايات المتحدة أنفسهم أمام ضرورة مراجعة حساباتهم بشأن استقرار السياسة الأمريكية واستمرارية التزاماتها الأمنية.

وفي المقابل، يأتي ترامب والحزب الجمهوري في مقدمة الخاسرين؛ فالأول فقد جزءاً مهماً من قدرته على التحكم في الأجندة السياسية والتشريعية، والثاني أصبح مطالباً بمراجعة علاقته بترامب وخياراته السياسية والاقتصادية والخارجية. لكن هناك خاسراً آخر محتملاً لا ينبغي إغفاله، وهو القوى التي راهنت على توظيف نفوذها المالي والسياسي في واشنطن لإعادة تشكيل التوازنات الداخلية الأمريكية بما يخدم أولوياتها.

فاللوبي الإسرائيلي، رغم امتلاكه أدوات تأثير كبيرة، لا يعمل في فراغ سياسي، ولا يستطيع ضمان نتائج الانتخابات أو التحكم في اتجاهات الرأي العام الأمريكي إلى ما لا نهاية.

وإذا كانت الحملات المناهضة لترامب قد شكلت جزءاً من معركة النفوذ داخل الحزب الجمهوري والمؤسسات الأمريكية، فإن الارتدادات السياسية للحرب تفرض على هذه القوى إعادة تقييم حساباتها، خصوصاً إذا أدى الانخراط في مواجهة مكلفة مع إيران إلى تعميق الخلاف داخل الولايات المتحدة بشأن حدود الالتزام الأمريكي بالأجندة الإسرائيلية.

وهنا ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات من الخسارة:

  • الخسارة الانتخابية:التي أصابت الجمهوريين وترامب نتيجة تراجع موقعهم في الكونغرس.
  • الخسارة الاستراتيجية:التي استفادت منها إيران نسبياً عبر منع تحويل التفوق العسكري الأمريكي إلى إخضاع سياسي.
  • الخسارة السياسية المحتملة لشبكات الضغط:والمتمثلة في انكشاف حدود قدرتها على ضمان توافق القرار الأمريكي مع أولوياتها، خصوصاً عندما ترتفع كلفة تلك الأولويات على الناخب الأمريكي.

وهذا لا يعني أن اللوبي الإسرائيلي فقد نفوذه في واشنطن، لكنه يعني أن النفوذ ليس مرادفاً للسيطرة، وأن القدرة على تمويل الحملات الانتخابية لا تضمن بالضرورة تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

سادسا: هل بدأت مرحلة جديدة في العلاقة بين واشنطن وإسرائيل؟

من أبرز الأسئلة التي تفرضها هذه التطورات مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، ومدى استعداد النخب السياسية الأمريكية لمواصلة تحمل كلفة الانحياز غير المشروط للسياسات الإسرائيلية، خصوصاً عندما ترتبط هذه السياسات بمواجهات عسكرية واسعة وتداعيات اقتصادية وأمنية مباشرة. فالمجتمع الأمريكي ليس كتلة سياسية واحدة، والاتجاهات داخله تتغير، كما أن الأجيال الجديدة والقطاعات السياسية المختلفة أصبحت أكثر استعداداً لمناقشة طبيعة الدعم الأمريكي لإسرائيل وحدوده وتكاليفه. وإذا تزامن ذلك مع تراجع موقع ترامب والترامبية، واحتدام الصراع بين التيارات المختلفة داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، فإن شبكات الضغط المؤيدة لإسرائيل ستجد نفسها أمام بيئة سياسية أكثر تعقيداً من السابق.

وقد تكون المفارقة أن الحرب التي كان يفترض أن تعزز موقع إسرائيل الإقليمي وتكرس قدرة واشنطن على فرض إرادتها، قد تسهم في فتح نقاش أمريكي أوسع حول جدوى الانخراط في حروب تخدم أولويات حلفاء واشنطن، بينما يتحمل الأمريكيون أعباءها الاقتصادية والسياسية والأمنية. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي قد يواجه اللوبي الإسرائيلي: ليس مجرد خسارة معركة انتخابية، وإنما اتساع النقاش داخل الولايات المتحدة حول العلاقة بين المصالح الأمريكية والأولويات الإسرائيلية.

خلاصة القول

إن جوهر التحول في المواجهة الأمريكية الإيرانية لا يكمن فقط في الخسائر العسكرية أو المكاسب الميدانية، وإنما في النتائج السياسية التي أفرزتها، والفجوة بين الأهداف التي دخلت واشنطن المواجهة من أجلها والنتائج التي استطاعت تحقيقها. لقد راهن ترامب على أن القوة الأمريكية ستجبر إيران على التراجع، لكن طهران راهنت على الصمود، وعلى أن كلفة المواجهة وتداخل الحسابات السياسية والاقتصادية والدولية ستجعل استمرارها أكثر صعوبة على واشنطن.

وبين الرهانين ظهرت المفارقة: الطرف الذي أراد فرض الحسم بالقوة أصبح مطالباً بتبرير كلفة الحرب أمام ناخبيه، بينما الطرف الذي كان يراد إخضاعه استطاع المحافظة على قدر من الصمود والمناورة. لكن الدلالة الأعمق لهذه التطورات تكمن في أنها كشفت حدود النفوذ السياسي والمالي داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك نفوذ اللوبي الإسرائيلي وشبكات الضغط المرتبطة به. فتمويل الحملات الانتخابية، والتأثير في مراكز القرار، والقدرة على حشد الدعم السياسي، لا تمنح أصحابها حصانة من نتائج المغامرات الاستراتيجية، ولا تضمن لهم التحكم الدائم في اتجاهات الرأي العام الأمريكي.

وإذا كان ترامب والترامبية يدفعان اليوم ثمن التناقض بين خطاب رفض الحروب المكلفة وقرار الانخراط في مواجهة واسعة مع إيران، فإن القوى التي راهنت على إضعافهما أو توظيف الصراع لتحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية تجد نفسها أمام اختبار مماثل: هل تستطيع مواصلة فرض أولوياتها في واشنطن عندما تصبح كلفة هذه الأولويات عبئاً على السياسة الأمريكية والناخب الأمريكي؟ لقد أراد ترامب أن يجعل إيران تدفع ثمن رفضها للإملاءات الأمريكية، فإذا به يواجه ثمن قراره في الداخل الأمريكي. وأراد أن يحول التفوق العسكري إلى انتصار سياسي، لكن طهران استطاعت أن تجعل كلفة المواجهة ترتد على صاحب قرارها. أما اللوبي الإسرائيلي، الذي اعتاد توظيف النفوذ السياسي والمالي لتعزيز حضوره في واشنطن، فقد يجد نفسه أمام واقع أكثر تعقيداً، تتراجع فيه قدرة أدوات الضغط التقليدية على ضمان النتائج المطلوبة.

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا