ضرورة تحول ميزان القوة في ظل التهديدات الجيوسياسية الاختيار الوطني الاضطراري

 

 

 

الدكتور علاء الدين بنهادي
دبلوماسي سابق
باحث في العلوم السياسية والجغرافيا السياسية

 

 

I.السياقان الداخلي والخارجي
يشهد المشهد السياسي والمؤسساتي في المغرب تحولات بنيوية عميقة تضع أسس النظام السياسي، والملكية في جوهره، أمام اختبارات وجودية قاسية، حيث تتسم المرحلة الراهنة بتعقيد بالغ ناتج عن التداخل العضوي بين الأزمات المحلية المستفحلة والتهديدات الجيوسياسية الإقليمية والدولية المتصاعدة. فعلى الصعيد الداخلي، تفاقم صراع الاختصاصات ومساحات السلطة بين القوى السياسية ونظام الحكم، ليتحول من تنافس ديمقراطي بنّاء يهدف لخدمة الصالح العام، إلى صراع معرقل لمشاريع النهضة التنموية، ومحبط للوعي السياسي والاجتماعي لدى الطبقة المتوسطة، ولدى الشباب أيضا، التي تُعد تاريخياً صمام الأمان المجتمعي وعماد الاستقرار. وفي خضم هذا الصراع العقيم والمعطل، انحرفت مهمة جل الأحزاب السياسية عن مسارها الدستوري والأخلاقي، لتتحول، في نظر الشارع، إلى مجرد آليات لتبادل المصالح، وتوارث المواقع، وجمع الأموال، وتحقيق المكاسب الريعية، ضمن لعبة سياسية مغلقة تتناوب فيها نفس النخب على قيادة الحكومة والبرلمان والأحزاب، دون أن ينعكس ذلك إيجاباً على المعيش اليومي للمواطنين، ولا تسليم القيادة للصف الثاني، وهو ما تأكد مع مخرجات انتخابات 23 شتنبر المنصرمة، نفس تحالف الحكومة السابقة تتصدر نتائجها، وتغيير تكتيكي شكلي، مرتبك ومبيت، لإدماج يسار يترنح انتهت جدواه، على الأقل بقيادته الحالية، كبقية من يسار تاريخي مضى، لأسباب استراتيجية، واستقلال مرتبك وضعيف قياديا، أهم هذه الأسباب، استلام حزب الأصالة والمعاصرة مكان ودور حزب التجمع الوطني للأحرار، 1978-2026، لقيادة المشهد الحزبي والحكومي إلى غاية 2061، حسب زلة لسان رئيسة الحكومية المنصوري.
لقد أدى هذا الانحراف إلى انهيار شبه تام لمنسوب الثقة بين الشعب والمؤسسات الحزبية، ويوشك أن يمتد هذا الانهيار ليطال الثقة في بعض المؤسسات الدستورية، خاصة المؤسسة الملكية، مما بات يشكل تهديداً استراتيجياً للسلم الاجتماعي، واستقرار الدولة على المستويات السياسية والأمنية والمؤسساتية. ويتعاظم حجم هذا التهديد الداخلي عندما يوضع في سياق جيوسياسي إقليمي ودولي يتسم بالهشاشة، حيث تتصاعد الصراعات بين الدول، ويغلب خيار المواجهة والحرب على الحلول السياسية والدبلوماسية، مع تزايد الأطماع الموجهة نحو الدول التي تعاني من انقسامات أو ضعف في جبهتها الداخلية، رغم إنجازاتها الكبيرة على الصعيد الإقليمي والقاري والدولي، جيوصناعيا وجيواقتصاديا وجيوسياسيا وجيوعسكريا.
أمام هذا الواقع المعقد الذي يتداخل فيه المحلي بالدولي، يبرز تساؤل استراتيجي ملح حول مدى قدرة الأحزاب السياسية والحكومات المنبثقة عن “الديمقراطية العددية” على قيادة المشاريع الكبرى وإعادة تموقع الدولة في محيطها الإقليمي والقاري. ويتبنى هذا المقال تحليلاً تشريحياً معمقاً لهذا الإشكال، منطلقاً من فرضية مفادها أن الاعتماد على البنيات الحزبية الحالية بات أمراً بالغ الصعوبة، وأن تجاوز مرحلة الأحزاب المعرقلة والمعطلة، وتجاوز دور الملكية التحكيمي غير المشتبك مباشرة، أصبح خياراً مطلوباً وحتمياً لحماية الدولة. وبناءً على ذلك، يناقش المقال كيف أن استقرار الدولة وصعودها يتطلب أن تأخذ المؤسسة الملكية زمام الأمور بقوة متجددة، لتنتقل من موقع “الحَكم” بين قوى سياسية توصف بالفشل والفساد، إلى موقع “الفاعل المباشر” والحاكم الفعلي، عبر آلية جديدة ونخبة جديدة، الذي يدير عجلة المشاريع الاستراتيجية والنهضة الوطنية بشكل مباشر، درءاً للمخاطر وتأميناً للمكانة الجيوسياسية للمغرب.
II.الأزمة البنيوية للوساطة السياسية وتحول العمل الحزبي إلى شبكات للريع والمصالح
إن فهم حالة الشلل التي تصيب مشاريع النهضة ببلادنا يقتضي تفكيك أزمة “الوساطة السياسية”، وهي أزمة تتجاوز الأعراض السطحية لتضرب في عمق بنية العمل الحزبي. وينص دستور 2011 صراحة في فصله السابع على أن الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنين، وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية، والمشاركة في تدبير الشأن العام من خلال الوسائل الديمقراطية، غير أن الممارسة العملية على أرض الواقع أفرزت مساراً معاكساً تماماً للمنطوق الدستوري، وما حصل خلال الاختبار الانتخابي الأخير يدل على هذا الفشل والانحراف.
1.الانهيار الإحصائي والمجتمعي لثقة المواطنين في الأحزاب السياسية
تشير البيانات الاستطلاعية الحديثة إلى قطيعة عميقة بين المجتمع المدني والطبقة السياسية، وفقاً للتقرير الاستطلاعي الشامل الصادر عن “المركز المغربي للمواطنة” (CMC) في الربع الأخير من عام 2024، حيث صرح 94.8% من المغاربة المستجوبين بأنهم لا يثقون في الأحزاب السياسية، وهي نسبة كارثية تؤكد على فشل ذريع في وظيفة التمثيل السياسي. وتتطابق هذه المعطيات مع مخرجات استطلاع “الباروميتر العربي” في دورته الثامنة (2023-2024)، والذي كشف أن نسبة الثقة في الحكومة المنتهية ولايتها لا تتجاوز 33%، ونسبة الثقة في رئيس حكومتها عزيز أخنوش تقف عند حدود 30%، في حين تحظى مؤسسات الدولة غير المنتخبة سياسياً أو المؤسسات السيادية بثقة أكبر، حيث بلغت الثقة في القضاء 74% وفي منظمات المجتمع المدني 70%.
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات عابرة، بل هي انعكاس لانهيار “السردية الأخلاقية” للعمل السياسي. لقد تحول الصراع بين القوى السياسية ونظام الحكم، وكذا التنافس البيني بين الأحزاب، إلى لعبة مغلقة لا يرى الشعب أي منفعة من ورائها، بل أصبحت هذه اللعبة مصدراً للمعاناة اليومية، وهو اما قد يمثل إشكالا في وعي عموم المواطنين تجاه المؤسسة الملكية ودورها الدستوري في ظرفية دقيقة ومفصلية.
2.تسليع العمل السياسي وصعود شبكات الفساد والمال
لم يعد الارتقاء داخل الهياكل الحزبية يخضع لمعايير الكفاءة، والتدرج النضالي، أو التكوين الإيديولوجي، بل تحول إلى منظومة زبائنية يتحكم فيها رأس المال والأعيان، حيث تؤكد الاستطلاعات أن 64.3% من المواطنين يرون أن “المال” هو المفتاح الأساسي للصعود والترقي داخل الأحزاب السياسية، بينما يرى 60.8% أن العلاقات الشخصية وشبكات الزبونية هي المحدد الرئيسي، في مقابل 28.5% فقط يعتقدون أن الكفاءة والخبرة التنظيمية تلعب دوراً في ذلك، وهذا ما تم رصده خلال الحملة الانتخابية الأخيرة، وما تفجر من فضائح حول شبهات وتهم طالت وزراء حكومة المنصوري بعد الساعات القليلة التي أعقبت استقبال الملك لها، حتى الآن، ومباشرة عملية استلام وتسليم السلط.

هذا التحول نقل مهمة الأحزاب من تأطير الوعي المجتمعي إلى حماية مصالح الأعيان وأصحاب النفوذ. ولعل قضية “إسكوبار الصحراء”، التي طفت على السطح بقوة خلال عامي 2024 و2025، وفضيحة عمدة طنجة، والوزيرة التي تم إعفاءها عقب استقبالها من قبل الملك ضمن أعضاء الحكومة الجديدة، تمثل نقطة التحول الكبرى في إدراك الشارع لطبيعة الفساد الحزبي. فقد كشفت هذه القضايا، التي أسفرت عن اعتقال ومحاكمة قيادات من الصف الأول في أحزاب تقود التحالف الحكومة الحالية والسابقة، بتهم ثقيلة تتعلق بالاتجار الدولي في المخدرات، تبييض الأموال، والتزوير، عن المدى الخطير الذي بلغه تغلغل “المال الأسود” في شرايين المؤسسات السياسية والبرلمانية. إن تورط منتخبين، يفترض فيهم تمثيل الأمة، في شبكات الجريمة المنظمة وخيانة الأمانة والتعدي على المال العام، ينسف بشكل كامل أي شرعية متبقية لـ”الديمقراطية العددية”، ويؤكد فرضية أن العمل السياسي النبيل قد تحول إلى لعبة لا أخلاقية تُشكل خطراً على استقرار الدولة الأمني والمؤسساتي.
3. أزمة الهيئات الوسيطة والفراغ المؤسساتي
في ظل هذا التجريف الممنهج للعمل الحزبي، يعيش الفضاء السياسي حالة من “نزع الوساطة السياسية” (Political Disintermediation). تتمثل هذه الحالة في عجز الأحزاب والنقابات عن القيام بوظيفة “تجميع المصالح” (Interest Aggregation)، وهي الوظيفة التي تقوم من خلالها الأحزاب السليمة باستقبال المطالب الفئوية المتضاربة وصهرها في برامج سياسية واضحة وممكنة القياس والتطبيق والتحقق. ونتيجة لهذا الفشل، بات المواطنون يتخطون المؤسسات التمثيلية بالكامل، مفضلين اللجوء المباشر للمؤسسة الملكية كحل أخير وملاذ وحيد، أو اللجوء إلى الشارع والفضاء الرقمي للاحتجاج التلقائي، وهو ما يفسر الطابع العفوي والمنفلت للحركات الاحتجاجية المعاصرة كما يجري في بلادنا وفي الجوار المغاربي والأوروبي والعالمي.
III. تآكل الطبقة المتوسطة وتأثيره على السلم الاجتماعي ومشاريع النهضة
لا يمكن فهم خطورة تعطل مشاريع النهضة دون النظر إلى الضحية الأولى لهذا التعطيل، وهي الطبقة المتوسطة. إن هذه الطبقة ليست مجرد شريحة إحصائية تقاس بمستويات الدخل، بل هي المجال الحيوي الذي تتشكل فيه قيم الأمة المغربية، ويبنى فيه التوازن بين الدولة والمجتمع، وتترجم من خلاله مشاريع التحديث والوعي الديمقراطي. وعندما تتحول السياسة إلى صراع من أجل المكاسب الشخصية، تهمل السياسات العمومية الهادفة إلى حماية هذه الطبقة وتوسيعها، فيتحول العمل الحزبي إلى منافسة، بل إلى مناكفة نظام الحكم وتعطيل مشاريعه المهيكلة بغرض إضعافه وابتزازه، بدل أن يكون في خدمة الشعب والدولة إلى جنب الملكية.
1. المؤشرات الاقتصادية لانهيار القدرة الشرائية والانزلاق نحو الهشاشة
اعتماداً على منهجية المندوبية السامية للتخطيط (HCP)، كانت الطبقة المتوسطة في المغرب تضم حوالي 19.7 مليون نسمة، وهو ما يمثل 58.7% من إجمالي السكان، موزعين بين الوسطين الحضري والقروي، غير أن توالي الصدمات الاقتصادية، بدءاً من تداعيات جائحة كورونا، مروراً باضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وصولاً إلى موجات الجفاف الهيكلي التي تضرب بلادنا قبل سنة 2026، وفشل الأحزاب في مهامها الدستورية، أدى إلى تقليص حجم هذه الطبقة بشكل دراماتيكي.
فقد سجلت بلادنا معدلات تضخم غير مسبوقة في تاريخها الحديث، بلغت 6.6% في سنة 2022، و6.1% في سنة 2023. ورغم التوقعات الرسمية بتباطؤ هذا التضخم إلى مستويات تقارب 2.4% في 2024 و2.3% في 2025، إلا أن الأثر التراكمي لغلاء المعيشة قد أحدث شرخاً لا يجبر في ميزانيات الأسر. فقد أظهرت بحوث المندوبية السامية للتخطيط أن ما يزيد عن 94% من الأسر قد تضررت بشكل مباشر من الارتفاع الصاروخي لأسعار المواد الغذائية الأساسية، في حين انهارت القدرة على الادخار لتشمل نسبة ضئيلة جداً تتأرجح بين 7% و8.7% فقط من المغاربة، وفي المقابل، زاد عدد الأغنياء، خاصة، للأسف، من بين نواب الأمة في المؤسسة التشريعية والتنفيذية، وهذه ظاهرة غريبة جديرة بالدراسة والمواجهة القضائية الصارمة.
لقد أصبحت الشرائح الواسعة من الموظفين، الأساتذة، الأطر المتوسطة، وأصحاب المهن الحرة، تعيش تحت ضغط يومي يسيطر عليه الخوف من الانزلاق السريع نحو الهشاشة والفقر، حيث لم تعد المداخيل كافية لتغطية الارتفاع المستمر في تكاليف السكن، التعليم الخاص (الذي أصبح ضرورة بسبب أزمة التعليم العمومي)، والتطبيب والشغل. وقد حذرت المندوبية السامية للتخطيط في تصريحات رسمية من ظاهرة “انقراض الطبقة المتوسطة”، محذرة من تحول المجتمع إلى مجتمع منقسم بشكل حاد بين طبقة شديدة الثراء وطبقة مسحوقة، معتبرة أن الأسعار المرتفعة التي خلقت الاحتقان، والتضخم لأسباب محلية، قد أصبحت “أمراً واقعاً” لا يمكن التراجع عنه بسهولة، ويهدد، في ظل احتجاجات هذه الطبقة ووقوفها وراء حركة الشباب والطلبة، الاستقرار والسلم الاجتماعي.
2. الإحباط المزدوج: العبء الضريبي وتراجع الخدمات العمومية
يضاعف من معاناة الطبقة المتوسطة تبني الحكومات المتعاقبة لسياسات ضريبية توصف بأنها غير عادلة وتفتقر إلى التصاعدية الكافية. فرغم التعديلات الطفيفة التي أقرتها موازنات 2024 و2025، المتمثلة في رفع عتبة الإعفاء من الضريبة على الدخل وتوسيع بعض الشرائح، وما جاء تحت قبة البرلمان على لسان وزير المالية والنجاعة العمومية الجديد بنفس الخصوص، إلا أن الاقتطاعات الضريبية لا تزال تثقل كاهل الأجراء والموظفين الذين تُقتطع ضرائبهم من المنبع، في حين تستمر فئات واسعة من أصحاب الدخول المرتفعة والمهن الحرة والقطاع غير المهيكل في التهرب من المساهمة العادلة. ويترافق هذا الضغط الجبائي مع رداءة وتراجع مستمر في جودة الخدمات العمومية، مما يفرض على الطبقة المتوسطة أداء “ضريبة مزدوجة”، ضريبة للدولة، وتكاليف باهظة للقطاع الخاص للحصول على تعليم وصحة لائقين.
3. من الضمانة للاستقرار إلى النقمة ومخاطر الاحتقان الاجتماعي
تكمن الخطورة السياسية البالغة لتآكل الطبقة المتوسطة في تغيير تموقعها الاستراتيجي داخل المجتمع. تاريخياً، شكلت هذه الطبقة القوة النابذة للتطرف السياسي والفكري، والمطالبة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة ضمن أطر مؤسساتية سلمية. لكن، حين تشعر هذه الفئة الواعية بأن “قواعد اللعبة” السياسية والاقتصادية لم تعد منصفة، وأن سياسات “الديمقراطية العددية” تتجاهل مصالحها وتكتفي بحماية “توازنات مالية” تخدم نخب السلطة والثروة (الأوليغارشية الاقتصادية)، فإنها تتحول تدريجياً من موقع الضامن للاستقرار إلى موقع المحتج والناقم عليه.
ويتجلى هذا التحول في طبيعة الاحتجاجات المعاصرة التي لم تعد مقتصرة على الفئات الفقيرة أو المناطق المهمشة (كما كان الحال سابقاً)، بل أصبحت تقودها شرائح متعلمة وإطارات تنتمي صميمياً للطبقة المتوسطة. ويتضح ذلك جلياً في إضرابات قطاعات التعليم والصحة، وحركات المقاطعة الاقتصادية الواسعة. كما برزت ظاهرة النشاط الرقمي للشباب (جيل زد) الذي فقد تماهيه مع أي مشروع سياسي حكومي بسبب التضخم وانعدام الآفاق. ولعل حادثة الوفيات المتتالية في مستشفى الحسن الثاني بأكادير في أواخر عام 2025 (والتي أطلقت حراكاً رقمياً واسعاً تحت مسمى GenZ 212، واحتجاجا في الشارع أواخر شتنبر 2025 ووجه بالعنف والاستغلال والتهميش والتشويش والاعتقال) تقدم مثالاً ساطعاً على الكيفية التي يمكن بها لانهيار الخدمات العامة وتخبط التواصل الحكومي التكنوقراطي أن يشعل أزمة سياسية وطنية تهدد السلم الاجتماعي وتتيح نوافذ استغلال من قبل جهات معادية.
IV. فشل “الديمقراطية العددية” والأحزاب في تدبير الأوراش الكبرى وإشكالية البلوكاج
في ظل تشخيص حالة الفساد المالي والأخلاقي للأحزاب، وانهيار ثقة الطبقة المتوسطة، يبرز السؤال الجوهري حول قدرة الحكومات المنبثقة عن هذه الأحزاب، وحكومة المنصوري اليوم، على إدارة مشاريع النهضة الوطنية. ويقودنا هذا إلى تحليل الإطار الدستوري لسنة 2011 والواقع العملي للتدبير الحكومي، عبر المحاور التالية:
1. الصلاحيات الدستورية وثنائية السلطة التنفيذية
جاء دستور 2011 ليوسع من صلاحيات رئيس الحكومة المنبثق عن الحزب المتصدر للانتخابات، جاعلاً منه رئيساً فعلياً للسلطة التنفيذية في تدبير السياسات العمومية اليومية. في المقابل، احتفظ الملك، بصفته أمير المؤمنين ورئيس الدولة (الفصلان 41 و42)، بسلطات سيادية حصرية، من أهمها رئاسة المجلس الوزاري (الفصل 49) الذي يختص بالتداول في التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة ومشاريع القوانين الإطار.
لقد أفرزت الممارسة العملية منذ 2011 واقعاً تتسم فيه الحكومات المتعاقبة بضعف التماسك القيمي والسياسي، حيث تبنى التحالفات الحكومية بناءً على اعتبارات “عددية” (بناء أغلبية برلمانية ومعارضة ناعمة ضعيفة وهجينة مع بعض الاستثناء التوافقي، حزب العدالة والتنمية وتحالف اليسار نموذجا) لتوزيع الحقائب الوزارية والمناصب، وليس استناداً إلى تقاطع في البرامج والرؤى التنموية. هذا التجانس المفقود يجعل الحكومة عرضة مستمرة للتصدعات والصراعات الداخلية والمزايدات الانتخابية القبلية، وربما للسقوط في أول محطة.
2. تعطيل مشاريع النهضة والبلوكاج السياسي والتنموي
إن التبعات المباشرة لتحول العمل السياسي إلى لعبة تتناوب فيها الأحزاب على قيادة الحكومة هو حدوث ارتباك وتأخر مستمر في تنزيل البرامج التنموية. لقد عانت بلادنا من فترات “بلوكاج” سياسي حادة (كما حدث عقب انتخابات 2016)، حيث أدى الصراع بين القوى السياسية حول الحقائب الوزارية وتصفية الحسابات إلى شلل تام في المؤسسات البرلمانية والحكومية لأشهر طويلة، مما أثر سلباً على الإدارة والاستثمارات.

على المستوى القطاعي، تظهر تقارير اللجان البرلمانية، كالمجلس العضوي لمجلس المستشارين، إخفاقات حكومية متتالية في تدبير مشاريع التهيئة القروية وتأهيل المستشفيات العمومية. فقد تم الكشف مراراً عن وضعية “مخجلة” للمستشفيات، وغياب أبسط شروط الصيانة للمعدات الطبية الأساسية، واستفحال الطوابير الطويلة للمرضى، كنتيجة لضعف التخطيط الحكومي وبيروقراطية المساطر الإدارية.
علاوة على ذلك، أظهرت سياسات قطاعية أشرفت عليها الحكومة السابقة، مثل “مخطط المغرب الأخضر”، كيف يمكن أن يؤدي غياب الرؤية الشاملة التي توازن بين النمو الاقتصادي والأمن المائي والاجتماعي، إلى نتائج كارثية. فرغم زيادة الصادرات الفلاحية التي استفادت منها النخب التجارية الكبرى، أدى هذا المخطط إلى استنزاف مروع للموارد المائية الجوفية، وتدهور التربة، واختلال التوازن في الإنتاج المحلي، مما أوصل البلاد إلى أزمة غير مسبوقة في توفير اللحوم الحمراء والأضاحي، اضطرت معها المؤسسة الملكية للتدخل ومطالبة المواطنين بترشيد التضحية وتوجيه الحكومة للاستيراد العاجل. إن غياب آليات التقييم المستمر، وضعف مؤسسات المراقبة، وتغليب لغة التسويق الإعلامي والمصالح الفئوية، جعل من مشاريع الحكومة السابقة مرادفاً للتعثر والهدر المالي وللفرص.
3. استحالة التموقع الإقليمي عبر منصة الأحزاب
يتطلب إطلاق المشاريع الكبرى كمنصة وأدوات لإعادة تموقع الدولة المغربية من جديد في محيطها الإقليمي والقاري سرعة في اتخاذ القرار، واستقراراً في الرؤية والوضع، ومصداقية دولية للمفاوض، وهو ما تحقق بعد جهد صبور وصامت واستراتيجي على مدى ربع قرن على الأقل. والحال أن الأحزاب السياسية، الغارقة في فضائح الفساد المالي والصراعات الداخلية حول التزكيات الانتخابية وصناديق الدعم العمومي، لا تملك القدرة، لا التقنية ولا الرمزية، بل ولا المشروعية، لقيادة هذه المرحلة الدقيقة. إن الاعتماد عليها يشكل عائقاً هيكلياً يحول دون تحقيق الإقلاع الاقتصادي المرجو، ويفقد الدولة مصداقيتها أمام شركائها الدوليين والمستثمرين، وخاصة أمام جيل جديد من الشباب والنخب.
V. التهديدات الجيوسياسية والأطماع الخارجية كحافز للحسم المركزي
لا يمكن تحليل ضرورة تجاوز الأحزاب السياسية المنخورة دون ربط ذلك بالسياق الدولي المحتقن، حيث أننا نعيش في عالم يتسم بتصاعد غير مسبوق للصراعات وغلبة خيار المواجهة والحرب على الحلول الدبلوماسية، مما يؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وزيادة الأطماع الموجهة نحو الدول التي تظهر بها علامات الضعف أو الانقسام الداخلي. وسنبسط هذا في المحاور التالية:
1. التوتر المغربي-الجزائري وحرب الاستنزاف المفتوحة
تواجه بلادنا تحديات أمنية وجودية على حدوده الشرقية والجنوبية والشمالية قبالة الجارة الإسبانية، حيث تصاعدت الأزمة الدبلوماسية والسياسية مع الجزائر بشكل خطير، وبلغت ذروتها بقطع الجزائر لعلاقاتها مع الرباط في غشت 2021، متذرعة بتطبيع المغرب لعلاقاته وتعزيز تعاونه العسكري والأمني مع إسرائيل وقوى غربية كعامل تهديد مباشر لأمنها القومي. وفي ظل هذا التصور الاستراتيجي العدائي، تستمر الجزائر في تسليح ودعم جبهة البوليساريو الانفصالية، مما أدى إلى استئناف الأعمال العدائية في المنطقة العازلة في الصحراء الغربية والمحاذية للحدود. هذا التوتر يخلق حالة من “الحرب الإقليمية الباردة” التي تتطلب من دولتنا يقظة عسكرية مستمرة، وتعبئة شاملة لمواردها، واستقراراً استراتيجياً في قرارتها وفي جبهتها الداخلية، لا يحتمل المزايدات الانتخابية للأحزاب والحكومات الائتلافية الهشة. إلى جانب الجبهة الشرقية، هناك جبهة أخرى في الشمال، إسبانيا، وفي الجنوب، موريتانيا، تتناغم تحركاتها لسبب واحد، عرقلة الصعود الجيوسياسي المغربي في إقليمه وقارته، عبر افتعال أزمات جديد بعد أن أوشكت بلادنا على إغلاق ملف أقاليمنا الجنوبية وكسب هذا الرهان السياسي الجيوسياسي، لتنتقل إلى رهانات جيوسياسية وسيادية أخرى، الصحراء الشرقية والمدن والجزر المحتلة في الشمال.
2. الساحل الإفريقي: ملعب النفوذ الدولي والتهديدات العابرة للحدود
تحولت منطقة الساحل الإفريقي جنوب الصحراء إلى بؤرة ملتهبة للتنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى التقليدية (كالولايات المتحدة وفرنسا) والقوى الصاعدة والبديلة (مثل روسيا، الصين، وتركيا)، كما أن تمدد الفاعلين غير الدولاتيين (Proxy dynamics)، التنظيمات المسلحة المقاتلة، وتنامي النفوذ الإيراني في أجزاء من إفريقيا، يضيف طبقة جديدة من التعقيد الأمني. هذا الفراغ الأمني يغذي شبكات العنف العابرة للحدود، الجريمة المنظمة، وتدفقات الهجرة غير النظامية، والتي تستهدف جميعها بلادنا ومصالحه الاستراتيجية باعتباره بوابة نحو أوروبا ونقطة ارتكاز إقليمية.
3. إعادة التموقع في زمن “اللايقين” العالمي
وفقاً لتقارير المنتدى الاقتصادي العالمي ومراكز التحليل الجيوسياسي (2025-2026)، تجد بلادنا نفسها ملزمة بالتنقل عبر نظام عالمي متصدع، يتسم بتباطؤ النمو الاقتصادي، وتقلب أسعار الطاقة، واضطراب سلاسل التوريد وأزمة المضايق. في هذا البيئة العدائية، حيث تتراجع مصداقية المنظومة الغربية وتصعد قوى جديدة تفرض قواعد اشتباك مختلفة، لا تقاس قوة الدول بحجم ثرواتها الطبيعية فحسب، بل بمدى صلابة جبهتها الداخلية ومركزية وفاعلية قرارها السيادي.
إن التداخل بين الدولي والمحلي يفرض معادلة قاسية،وأي ارتباك داخلي أو احتقان اجتماعي ناتج عن فشل سياسات الحكومة (كارتفاع الأسعار أو فشل تدبير أزمة صحية كواقعة أكادير والأزمة الديمقراطية في مظهرها الانتخابي والتمثيلي)، لا يبقى شأناً محلياً، بل يتم استغلاله فورا وبكثافة من قبل الأطراف الخارجية المعادية لزعزعة استقرار بلادنا وصورتها، وأدرعها الداخلية، وخاصة قبيل استحقاقات استراتيجية كمداولات مجلس الأمن حول قضيتنا الوطنية أو تنظيم تظاهرات كبرى. بناءً على ذلك، يصبح القرار الاستراتيجي الموحد والصارم حاجة وجودية، وهو ما لا يمكن أن توفره ديمقراطية أحزاب ضعيفة ومرتهنة لدوائر المصالح الضيقة.
VI. المقارنة بين نموذج “الدولة الفاعلة” (الملكية) و”الدولة البيروقراطية” (الحكومة)
لتبرير حتمية تجاوز الأحزاب والانتقال إلى فاعلية الملكية المباشرة، من الضروري إجراء مقارنة موضوعية بين نجاعة المشاريع الاستراتيجية التي تقودها المؤسسة الملكية، وتلك التي تترك حصراً للتدبير الحكومي، وذلك من خلال المحاور التالية:

1. نجاعة الأوراش الملكية الاستراتيجية كمحرك للإقلاع
عندما يتعلق الأمر بالمشاريع الكبرى التي تمس السيادة الوطنية أو الموضع الجيوسياسي، تتولى المؤسسة الملكية زمام المبادرة عبر توجيهات صارمة ومتابعة دقيقة، متجاوزة بذلك آليات اتخاذ القرار الحكومية البطيئة. يبرز هذا بوضوح في:
استضافة كأس العالم 2030 (بجانب كأس أمم أفريقيا 2025): يشرف الملك محمد السادس شخصياً على حكامة هذا الملف، بدءاً من البنى التحتية والملاعب التي تتطلب ميزانيات ضخمة تتراوح بين 2 و3 مليارات دولار، وصولاً إلى استثمارات هائلة في النقل وشبكات الاتصال. ولا يعتبر هذا المشروع رياضياً فحسب، بل هو “قوة ناعمة” (Soft Power) كبرى لتسويق صورة المغرب الحديث عالمياً، وجذب الاستثمارات، وترسيخ الاستقرار.
البنية التحتية والموانئ (ميناء الداخلة الأطلسي وميناء الناظور والمحطة اللوجستية الكبيرة بفاس): يشكل هذا المشروع، الذي يندرج ضمن النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، رافعة جيوسياسية كبرى. إنه ليس مجرد منصة تجارية، بل هو أداة استراتيجية لتحويل المغرب إلى مركز عبور لدول الساحل المفتقرة للمنافذ البحرية، مما يعزز الموقف السيادي لبلادنا في أقاليمه الجنوبية ويفك العزلة عن حلفائه الأفارقة.
الانتقال الطاقي واستراتيجية المياه: قيادة الأوراش المليارية لتحلية مياه البحر ومشاريع الطاقة الشمسية والريحية لتأمين السيادة الطاقية والمائية والغذائية للبلاد بعيداً عن تجاذبات الأحزاب.
وتتسم هذه المشاريع بالقدرة على التنفيذ السريع، وتوفر التمويل خارج الميزانيات المتقلبة، وتجنب البيروقراطية. كما أن خلق وكالات مستقلة (مثل الوكالة الوطنية للتدبير الاستراتيجي لمساهمات الدولة) لتتبع نجاعة هذه المؤسسات الكبرى، وهو ما ظهر في تسمية وزارة المالية في الحكومة الجديدة، النجاعة العمومية، يؤكد التوجه نحو حكامة تكنوقراطية مستقلة عن التجاذبات الوزارية.
2. لماذا تعجز الأحزاب عن مجاراة هذا الإيقاع؟
في المقابل، يتسم الإيقاع الزمني للأحزاب والحكومات بالقصر (ولاية من 5 سنوات) والارتهان للاعتبارات الانتخابية، حيث تصاغ السياسات الحكومية غالباً لإرضاء قواعد انتخابية أو تحالفات مصلحية، وليس لبناء استراتيجيات لأجيال قادمة. هذا التفاوت في الإيقاع الزمني (الزمن الاستراتيجي الملكي مقابل الزمن الانتخابي الحزبي) يخلق فجوة هائلة. لقد أصبح مصطلح “حكومة المونديال”، الذي سُوق في أفق انتخابات 2026، محل تندر ونقد من لدن المراقبين، حيث يُنظر إلى الحكومة والأحزاب على أنها تفتقر للتصورات الواقعية واللوجستية لتدبير أوراش بهذا الحجم، وأن الدولة (عبر آلياتها السيادية والملكية) هي من تدير فعلياً هذه الملفات، تاركة للحكومة دوراً تقنياً وتنفيذياً بحتاً، أو دور “التغطية السياسية” لقرارات تتخذ في مراكز سيادية أخرى.
VII. تقييم فرضية الانتقال إلى “الحاكم المباشر” وتجاوز الأحزاب (الرهانات والتحديات)
بناءً على التراكمات السابقة المتمثلة فيالفساد الحزبي وفقدان الثقة، وتدمير القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، والفشل الحكومي في البرامج الاجتماعية، والتهديدات الجيوسياسية الوجودية؛ يتبلور الرأي والمطلب بضرورة إعلان وفاة “الديمقراطية العددية” وتجاوز الأحزاب الفاشلة والفاسدة. وبموجب هذا الطرح، يجب على الملكية أن تتدخل بقوة، لا لتلعب دور “الحكم” (Arbiter) الذي يتدخل فقط عند الأزمات لضبط التوازنات بين فاعلين سياسيين ضعاف، بل لتصبح هي “الفاعل المباشر” (Direct Ruler) والمدبر الأوحد والمكشوف للسياسات العمومية والمشاريع الكبرى عبر آلية مؤسساتية جديدة وناجعة ونخبة تكنوسياسية إصلاحية.إن التحليل الأكاديمي والاستراتيجي لهذا الطرح يستوجب تفكيكاً دقيقاً لمكاسبه الآنية المحتملة، ومخاطره الهيكلية طويلة الأمد على استقرار الدولة.
1. المكاسب الاستراتيجية لفرضية “الفاعل المباشر” والقيادة الملكية المباشرة
يبرر المدافعون عن هذا الطرح، وهو ما تلمسناه من سياق الإخفاقات المستمرة، بأن مرحلة الانتقال والتهديد الخارجي لا تحتمل ترف المزايدات، حيث إن قيادة المؤسسة الملكية للأوراش بشكل حصري ومباشر (بمساعدة كفاءات تكنوسياسية غير منتمية حزبياً أو منتمية لمشروع ومبادرة سياسية جديدة) تضمن المكاسب التالية:
الفعالية والسرعة الإنجازية: القضاء على “البلوكاج” السياسي، والمحاصصة الحزبية المعرقلة، وتقليص البيروقراطية التي تنخر الإدارة الحكومية.
استرجاع ثقة الشارع: بالنظر إلى أن الملكية هي المؤسسة الوحيدة التي تحظى بالإجماع وتحتفظ برأسمال رمزي وتاريخي هائل (إمارة المؤمنين، الشرعية التاريخية والمشروعية الإنجازية)، فإن تبنيها المباشر للملفات الاجتماعية الساخنة (كالتعليم، الصحة، الأسعار، الشغل، والسكن) قد يطمئن الطبقة المتوسطة وجيل الشباب ويبعث أملاً جديداً في الإنقاذ الاقتصادي والانفراج الاجتماعي والسياسي.
رص الجبهة الداخلية أمنياً: في أوقات التهديد الجيوسياسي وتصاعد نبرة الحرب من الجوار (الجزائر وإسبانيا)، يعتبر الالتفاف حول صانع قرار واحد ذي سلطة عسكرية وسيادية (القائد الأعلى للقوات المسلحة) عاملاً حاسماً في تحقيق الردع وتوحيد الجبهة الداخلية وتجنب اختراقها عبر ثغرات الخصومات الحزبية التافهة، والمناكفات الإيديولوجية العقيمة والضيقة.
تحجيم وتفتيت دوائر الفساد: يمكن للتدخل الملكي المباشر، وبقرار سياسي حازم، مدعوماً بمؤسسات الرقابة الأمنية والقضائية، أن يفكك، بل يفتت شبكات تضارب المصالح و”تزاوج المال بالسلطة” التي سيطرت على المؤسسات المنتخبة والمجالس الجهوية والمحلية.
2. المخاطر الاستراتيجية والسياسية لإسقاط المؤسسات الوسيطة (فخ الحاكم المباشر)
رغم المنطق القوي الذي يسند طرح التدخل المباشر كحل لأزمة الأحزاب، إلا أن علم الاجتماع السياسي والهندسة الدستورية للمغرب يحذران بشدة من خطورة هذا الحل الذي قد يشكل تهديداً أعمق لاستقرار النظام، إلا أن ترافقه ضمانات دستورية وسياسية ومؤسساتية وقانونية. ويتجلى ذلك في النقاط المحورية التالية:
إلغاء وظيفة “ممتص الصدمات” (Shock Absorber) والدولة الحاجزة:
تاريخياً، وفي صلب الهندسة المؤسساتية، توفر الحكومات والأحزاب السياسية (رغم ضعفها) “منطقة عازلة” أو “جداراً واقياً” للمؤسسة الملكية، لأنه عندما يتم اتخاذ قرارات تقشفية قاسية (كرفع الدعم عن المحروقات، زيادة الضرائب، أو فشل قطاعي)، تتحمل الحكومة المنتخبة والأحزاب الكلفة السياسية والشعبية لذلك، وتكون عرضة للاحتجاجات، الإقالة، أو العقاب الانتخابي. هذا الترتيب يحفظ للمؤسسة الملكية تعاليها، اعتبارها، وقدرتها على التدخل كمنقذ ومصحح للمسار (الحكم الأسمى).أما إذا أصبحت الملكية هي المدبر المباشر والحصري للشأن اليومي التنفيذي دون حكومة تتحمل المسؤولية، فإن أي إخفاق في سياسة عمومية، أو أي تدهور في القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة، سيتحول إلى صدام مباشر مع الجالس على العرش. وهو ما من شأنه أن يعرض أسمى مؤسسة في البلاد لتآكل شرعيتها ورصيدها الرمزي أمام غضب مجتمعي لا يجد قنوات حزبية أو حكومية لتفريغه.
خطر التموضع في قلب الصراع الطبقي والإدارة اليومية:
إن إقحام المؤسسة الملكية في إدارة تفاصيل السياسات اليومية، والتخلي عن دور الحكم، يعني أن النظام سيصبح طرفاً مباشراً في التوزيع اليومي للموارد. وفي اقتصاد يعاني من الهشاشة وتقلبات الأسواق العالمية والمناخ، ستكون الخسائر المادية المباشرة للطبقات المتضررة منسوبة فوراً لمركز القرار الأعلى، مما ينقل المطالب الاجتماعية (الخبز، السكن، العمل، التعليم، والصحة) لتتحول فجأة إلى أزمة نظام وحكم، بدلاً من أن تكون أزمة سياسات عمومية حكومية.
تعطيل المأسسة وبناء قدرات الدولة الاستراتيجية:
إن قوة الدولة الحديثة، خاصة في مواجهة الأطماع الدولية، لا تقاس بشخصنة القرار، بل بقوة مؤسساتها الدائمة. والتجاوز المستمر للبرلمان والأحزاب قد يخلق نظاماً تكنوقراطياً/سلطويا، قد ينجح في مشاريع البنية التحتية، لكنه يفشل في إنتاج النخب، خلق الحوار المجتمعي، وتأمين انتقال السلط والإدارة في الأزمات المعقدة. كما أن شرعية بلادنا الدولية وموقعها كشريك مفضل للغرب والشرق، والمنظمات الدولية (في خضم أزمات الساحل وحقوق الإنسان)، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بـ”الواجهة الديمقراطية” المتعددة الأحزاب وبالاستقرار، والتخلي الصريح عنها قد يعزل بلادنا سياسياً ويضر بقوته الناعمة التي يحتاجها بشدة لحسم ملف الصحراء وجلب الاستثمارات.
تناقض مع توجهات المجتمع (الباروميتر العربي كمثال):
على الرغم من الإحباط الشديد للمغاربة من أداء الأحزاب السياسية، إلا أن المفارقة هي أن قناعتهم بالديمقراطية كخيار، ولو شكليا، لا تزال راسخة. فقد أكدت معطيات الباروميتر العربي 2024 أن 73% من المغاربة لا يزالون يؤمنون بأن الديمقراطية (رغم كل عيوبها) هي نظام أفضل من غيره، وأن 68% منهم يدعمون استمرار نظام برلماني متعدد الأحزاب، في حين يرفض الغالبية العظمى الأنظمة السلطوية المطلقة (حيث يفضلها 23% فقط). إن التجاوز التام للأحزاب سيكون سباحة ضد تيار مجتمعي (الطبقة المتوسطة والشباب) يطالب بإصلاح الديمقراطية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وليس إلغاءها لصالح حكم فردي مباشر مطلق بدون ضمانات دستورية ومؤسساتية وقانونية.
VIII. الخلاصات والاستنتاجات الاستراتيجية
من خلال هذا التحليل التشريحي العميق لسياقات الداخل المغربي وتجاذباته مع المحيط الدولي، ونقاشاً للفرضية القائلة بضرورة تجاوز الأحزاب السياسية لصالح تولي الملكية المباشرة زمام الأمور الإدارية والسياسية بشكل تنفيذي، نخلص إلى الاستنتاجات التالية:
1.الموت السريري لنموذج “الوساطة الحزبية” الحالي:
وصلت التجربة الحزبية في صيغتها الراهنة إلى طريق مسدود. لقد استُنزفت تماماً مصداقية الأحزاب بسبب فضائح الفساد المالي وتزاوج المال بالسلطة (قضية إسكوبار الصحراء ومحاكمات المنتخبين خلال الاستحقاقات الأخير وقبلها وملفات طالت وزراء لم يمض على تعيينهم من قبل الملك إلا ساعات ليتم إعفاؤهم وآخرون في مرمى الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي)، وتحولها إلى دكاكين انتخابية تفتقر للقدرة على تأطير المواطنين. إن الاعتماد على هذا الهيكل المترهل لقيادة مشاريع إعادة تموقع الدولة إقليمياً أو لخلق نهضة وعي لدى الطبقة المتوسطة، هو رهان خاسر يعيق حركة الدولة ويستنزف طاقتها.
2.الطبقة المتوسطة كقنبلة موقوتة ومحرك محتمل للاحتقان:
لم يعد تآكل الطبقة المتوسطة، وهي نواة ما يسمى بالنخبة التكنوسياسية، مجرد تراجع إحصائي في أرقام التضخم والقدرة الشرائية، بل هو زلزال سوسيولوجي ونفسي. إن تحول فئات واسعة من الموظفين والمثقفين إلى خط الهشاشة، وفقدانهم للثقة في السياسات العمومية التي تحابي الاحتكارات، يحول هذه الطبقة من ضامن للاستقرار ودرع واقٍ للدولة، إلى وقود لحراكات اجتماعية ورقمية (مثل حراك جيل زد ونزوح سبتة المحتلة) أكثر راديكالية وعفوية من الأطر الحزبية والنقابية الكلاسيكية.
3.التهديدات الجيوسياسية تستوجب الفعالية التامة:
إن التهديدات الوجودية الناتجة عن عداء الجزائر المستحكم والمكر الإسباني المغرض، وتغلغل القوى الدولية وشبكات الإرهاب والهجرة والوكلاء غير الدوليين في الساحل، تضع بلادنا في موقف لا يحتمل الخطأ. هذا السياق الدقيق يبرر التململ من بطء وصراعات “الديمقراطية العددية”، ويجعل التدخل السيادي لتأمين المشاريع الاستراتيجية الكبرى (الاقتصادية والعسكرية) أمراً حتمياً لضمان بقاء الدولة وتفوقها الإقليمي.
4.فخ “الحاكم المباشر” والحاجة الماسة لإعادة هندسة الحقل السياسي:
في حين يبدو تجاوز الأحزاب تماماً وإرساء حكم ملكي تنفيذي مباشر حلاً جذاباً وسريعاً لتنظيف الساحة من الفساد وتسريع التنمية، إلا أنه استراتيجياً يعتبر فخاً مميتاً ما لم تتوفر فيه ضمانات دستورية ومؤسساتية وقانونية. إن القضاء على “الدولة الحاجزة” (التي تمثلها الحكومات والبرلمانات المنتخبة) قد يعرض المؤسسة الملكية للتآكل السريع، ويضعها في تماس مباشر مع غضب الشارع وصدمات الاقتصاد العالمي. إن قوة الملكية واستقرارها التاريخي في بلادنا ينبعان من قدرتها على التعالي كـ”حكم أسمى”، يوجه الاستراتيجيات الكبرى (كالأوراش السيادية والسياسة الخارجية)، ويتدخل كمنقذ في لحظات الأزمات الخانقة لتصحيح المسار، إلا إذا اختارت التحالف مع النخبة التكنوسياسية الوطنية الإصلاحية واستقطابها لتتحمل مسؤولية تنزيل وتنفيذ المشاريع الكبرى الاستراتيجية، وتشكل نهضة للمجتمع نحو رفاهية مدعومة ببرنامج ملموس للدولة الاجتماعية على أرض الواقع وفي حياة المواطن، ودرعا سياسيا وفكريا ومعرفيا حصينا للدولة في تموقعاتها وتحركاتها الجيوسياسية الإقليمية والقارية والدولية.
IX. المسار البديل والحتمي
بدلاً من إلغاء الواجهة الديمقراطية وتجاوز الأحزاب كلياً، يكمن الحل الاستراتيجي للدولة في إطلاق “صدمة إصلاحية” قسرية تعيد هندسة الحقل الحزبي، كما يجب تفعيل آليات المحاسبة القضائية بشكل صارم لتطهير الساحة من نخب الفساد المالي والأعيان المتربحين اعتمادا على هذه النخبة التكنوسياسية التصحيحية والإصلاحية وعلى مؤسسات الدولة، كماأن التموقع في الساحة الدولية ومواجهة التهديدات الإقليمية يتطلب بناء مجتمع متماسك، وطبقة متوسطةتكنوسياسية قوية اقتصادياً وفكريا ومعرفيا وتنفيذيا، وهذا ما يفرض، اليوم، إعادة تموقع الملكية لقيادة الدولة مباشرة، حيث إن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب.
ولتحقيق ذلك، يجب أن تصبح الأحزاب، تحت ضغط وإشراف صارم من القوانين والمؤسسات السيادية (بناءً على التوجيهات الملكية)، قنوات حقيقية لفرز كفاءات وطنية جديدة (من الشباب وإطارات الطبقة المتوسطة)، قادرة على تدبير الشأن العام بنزاهة وتشكيل حكومات قوية ذات إرادة سياسية، أو، في حالة استحالة هذا الخيار، الذهاب في اتجاه إعادة هيكلة الحقل الحزبي وبناء أربعة أقطاب حزبية، ليبرالية، وإسلامية، ويسارية، ووسطية محافظة، هكذا فقط، يُحفظ للمؤسسة الملكية مركزيتها ودورهاالتحكيمي المباشر والتنفيذي في نفس الوقت، وتُبنى “دولة المؤسسات” القادرة على مساندة وحماية “دولة المشاريع” الاستراتيجية، وضمان السلم الاجتماعي واستقرار الدولة سياسياً وأمنياً ومؤسسياً في بيئة عالمية شديدة العدائية، وفي أفق عهد مغربي جديد قادم.

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا