الدكتور أحمد الريسوني
الحكومة المغربية التي نصبت مؤخرا، تعتبر هي الحكومة الأكثر “حداثة” في تاريخ الحكومات المغربية، ليس من حيث الزمن فقط، ولكن من حيث إعلاناتها المتكررة بأنها تتمسك بالملة الحداثية، وتتمسك بمعاصرة نافذة معَجَّلة، وأصالة مزعومة ومعطلة.
والظاهر أن المذهبية الحداثية مختلفة ومتفاوتة بين الأحزاب والوزراء المشكلين لحكومتنا:
- فبعضهم صريح واضح في عقيدته الحداثية، مثل الرئيسة الحداثية للغاية، ووزير الثقافة والمهرجة وتمييع الشباب، وهو حداثي فوق العادة، ووزير العدل والعلاقات الرضائية، والعياذ بالله، ووزيرة الأسرة، سلمها الله منها..
- وبعضهم يلف هويته الحداثية – في غالب الأحيان – باللباس الوطني واللسان العربي..
- وبعضهم أصحاب حداثة صامتة، يعبرون عنها بالأفعال لا بالأقوال..
- وبعضهم يكفيهم شرفا وحداثة كونهم من العائلة الاشتراكية التقدمية المتقادمة..
إحداث حكومة مغربية بهذه الدرجة من الحداثة، جعلني أفكر في لفظ “الحداثة”، ودلالاته ومشتقاته، في اللغة العربية، فكانت النتيجة هي أن الحداثة في اللغة العربية لها وجهان: وجه حسن صحيح، ووجه سيئ قبيح..
أولا/ المعاني الصحيحة للحداثة،
ومنها:
- الحداثة تعني الجِدَّة، فالشيء الحديث هو الشيء الجديد، كاللباس الجديد، والسيارة الجديدة، والطعام الجديد، والمسكن الجديد.. وبالتجربة، وفي الغالب: فإن كل جديد لذيذ. وكل جديد فهو حديث، وله حداثة وحلاوة يمتاز بها عن القديم.
- ومن الحداثة جاء لفظ الحديث، أي ما يحدثنا به ويخبرنا عنها المتحدث. ومنه جاء مصطلح (الحديث)، بمعنى ما جاءنا من مرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم من أقواله وأفعاله.. وهي مرويات ما زلنا نسميها حديثا وأحاديث، رغم قدمها ومرور قرون وقرون عليها؛ لكونها ما زالت تحتفظ بحداثتها وفاعليتها وجاذبيتها.
- ومنها المحَدِّثون: وهم رواة الحديث الشريف وحُفَّاظه ومدونوه. والمحدِّثون الكبار يأتون في مقدمة أئمة المسلمين. وللخطيب البغدادي كتاب سماه: (شرف أصحاب الحديث)، وصدق..
ثانيا/ المعاني القبيحة للحداثة،
ومنها:
- الإحداث: بمعنى إدخال شيء جديد في الدين، ونسبته إليه، وهو في الحقيقة ليس منه، ولا له أساس فيه. وهو المسمى اصطلاحا بالبدعة. ففي الحديث: (وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة). وفي حديث آخر (من أحدثفي أمرنا ما ليس منه، فهو رد)، أي: مرفوض مردود.
- الإحداث بمعنى التصرف المشين، الخارج عن الحدود الشرعية، والأخلاق الحميدة المتبعة في المجتمع، كارتكاب بعض الجرائم والفواحش والمنكرات، أو التستر على مرتكبيها وحمايتهم.وهو المعنى المراد في قوله صلى الله عليه وسلم عن المدينة المنورة: (مَنْ أَحْدَث فيها حَدَثًا، أَو آوَى مُحْدِثًا، فَعليه لعْنَةُ الله وَالمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يَقْبَلُ اللهُ منه يَوْمَ القِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلاً.).
قال القاضي عياض السبتي في (إكمال المعلم بفوائد مسلم): “وقوله: (من أحدث حدثاً، أو آوى محدثاً): أي: أتى إثماً، أو آوى من أتاه، وحماه وضمه إليه”.
- ومنها الإحداث أو الحدث: بمعنى أن يقع من الشخص المتطهر ما ينقض طهارته. وهو نوعان: الحدث الأكبر، وهو ما يستوجب الطهارة الكبرى، أي: الاغتسال الكامل. والحدث الأصغر، وهو ما يستوجب الطهارة الصغرى، أي: الوضوء فقط..
- وقال ابن منظور في (لسان العرب): “وأَحْدَثَ الرجلُ،وأَحْدَثَتِ المرأَة، إِذا زَنَيا؛ يُكنى بالإِحْداثِ عَنِ الزِّنَا”.
والخلاصة: أن الحداثة و منها ما هو طيب محمود، يجدر التمسك به والمحافظة عليه. ومنها ما سيئ مردود، يجب الابتعاد عنه والتبرؤ منه..
والمعيار في ذلك: الشرع، والعلم، والعقل.
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





