بقلم: ذ. أحمد براو
يحظى موضوع الأمننة بأهمية خاصة في السياق الأوروبي المعاصر، حيث تحولت قضايا الهجرة والهوية من ملفات اجتماعية واقتصادية وثقافية إلى رهانات سياسية وانتخابية حاسمة. وإيطاليا، شأنها شأن العديد من الدول الأوروبية، تعيش منذ سنوات نقاشًا عامًا محتدمًا حول الهجرة، تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الأسئلة المرتبطة بالهوية الوطنية والتعايش الاجتماعي ومستقبل الدولة الحديثة.
لم تعد الهجرة في أوروبا مجرد ملف إداري يتعلق بتنظيم تدفقات الوافدين، أو إدارة الحدود، أو معالجة طلبات اللجوء، بل تحولت خلال العقدين الأخيرين إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في الصراعين السياسي والانتخابي. وأصبحت موضوعًا مركزيًا في برامج الأحزاب وخطابات القادة السياسيين والنقاشات الإعلامية، خصوصًا في ظل صعود التيارات القومية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية. وفي قلب هذه التحولات يبرز مفهوم سياسي مهم يُعرف في العلوم السياسية باسم «الأمننة».
ويُقصد بالأمننة تلك العملية التي تُقدَّم من خلالها قضية اجتماعية أو ثقافية أو سياسية باعتبارها تهديدًا وجوديًا للأمن القومي أو للهوية الوطنية، بما يبرر اتخاذ إجراءات استثنائية حيالها. وقد طورت هذا المفهوم مدرسة كوبنهاغن في الدراسات الأمنية، التي ترى أن المخاطر ليست دائمًا حقائق موضوعية، وإنما قد تصبح كذلك عندما ينجح الفاعلون السياسيون والإعلاميون في إقناع الجمهور بأنها تمثل خطرًا داهمًا على المجتمع.
في هذا السياق، أصبحت الهجرة المثال الأبرز على الأمننة في أوروبا المعاصرة. فبعد أن كانت تُناقش في الماضي من منظور اقتصادي أو إنساني أو ديموغرافي، باتت اليوم تُقدَّم، في كثير من الأحيان، باعتبارها مصدرًا لتهديد أمني وثقافي وهوياتي. ولم يعد النقاش يدور فقط حول تنظيم تدفقات المهاجرين أو سياسات الإدماج، بل أصبح مرتبطًا بخطابات تتحدث عن «الدفاع عن الهوية» و«حماية الثقافة الوطنية» و«مواجهة التغيير الديموغرافي».
وخلال الحملات الانتخابية، تزداد حدة هذا الخطاب بشكل ملحوظ. فبعض الأحزاب تجد في قضايا الهجرة والإسلام وسيلة فعالة لحشد الأنصار واستقطاب الناخبين، من خلال استثارة مشاعر الخوف والقلق وعدم اليقين. وتُستخدم عبارات مثل «الأمن» و«السيادة» و«حماية الحدود» و«الدفاع عن قيمنا» مفاتيحَ سياسية قادرة على تحويل قضايا معقدة ومتعددة الأبعاد إلى شعارات انتخابية بسيطة وسهلة التداول.
غير أن أخطر تجليات الأمننة تظهر عندما تنتقل من مجال الهجرة إلى مجال الهوية الدينية والثقافية، ولا سيما عندما يتعلق الأمر بالإسلام والمسلمين. عندئذ لا يعود النقاش مرتبطًا بإدارة ظاهرة الهجرة فحسب، بل يتحول إلى حديث عن وجود تهديد ثقافي وحضاري مزعوم، وهو ما يفتح الباب أمام أشكال مختلفة من الإسلاموفوبيا السياسية.
ومن الأمثلة الحديثة التي تكشف هذه الآلية في إيطاليا الجدل الذي رافق قضية [يوسف سيهر]، الباحث والصحفي الإيطالي من أصول مغربية، الذي وجد نفسه في قلب عاصفة سياسية وإعلامية بعد توقيفه في إطار تحقيقات مرتبطة بأحداث شهدتها مدينة ميلانو. وقد تحولت القضية سريعًا من ملف قضائي إلى موضوع سياسي وطني، قبل أن يقرر قاضي التحقيق عدم تثبيت إجراء التوقيف الاحتياطي والإفراج عنه، في انتظار استكمال المسار القضائي.
وبعيدًا عن المآلات القضائية، التي تبقى من اختصاص المحاكم وحدها، تكشف الطريقة التي عولجت بها هذه القضية في بعض الخطابات السياسية والإعلامية عن ميل متزايد إلى ربط الناشطين والباحثين المسلمين، أو المنحدرين من أصول مهاجرة، بسرديات «الإسلام السياسي» و«التهديد الأمني»، حتى قبل صدور أحكام نهائية. وقد تحولت هوية الشخص وخلفيته الثقافية والدينية، في بعض الأحيان، إلى عنصر حاضر في النقاش أكثر من الوقائع القانونية نفسها.
وفي الوقت نفسه، شهدت مدينة تورينو جدلًا سياسيًا واسعًا حول مشروع بناء مسجد جديد في موقع فونديريا نيبيولو السابقة. ولا يقتصر المشروع على مكان للعبادة، بل يشمل أيضًا سكنًا جامعيًا، ومكتبة، وقاعات للدراسة، وفضاءات ثقافية، وأنشطة للحوار بين الثقافات والأديان. وقد أكدت الجهات المشرفة أن جزءًا كبيرًا من المشروع مخصص للأنشطة التعليمية والثقافية والخدمات المجتمعية المفتوحة للجميع.
ورغم ذلك، تعرض المشروع لهجوم سياسي من جانب عدد من القوى اليمينية، إذ انتقلت النقاشات من الجوانب العمرانية والقانونية إلى خطابات تحذر من «أسلمة المدينة»، وتلوّح بما سمته بعض الأصوات «التحول الديموغرافي والثقافي» للمجتمع المحلي.
من منظور علم السياسة، يصعب تجاهل أوجه التشابه بين القضيتين. فسواء تعلق الأمر بباحث وصحفي من أصول مغربية، أو بمشروع مسجد يخدم عشرات الآلاف من المواطنين المسلمين، فإن جزءًا من الخطاب السياسي يبدو وكأنه يعمل وفق الآلية نفسها: تحويل حدث معين إلى قضية أمنية، ثم ربطه بالإسلام، ثم ربط الإسلام بمفهوم التهديد، وأخيرًا استثمار ذلك انتخابيًا.
إنها عملية أمننة متكاملة العناصر؛ تبدأ بصناعة صورة الخطر وتنتهي بحشد الناخبين حول فكرة الدفاع عن الهوية الوطنية. وهنا تحديدًا يصبح الإسلام، في بعض الخطابات، ليس دينًا يمارسه ملايين المواطنين الأوروبيين، بل رمزًا سياسيًا يُستخدم لإعادة إنتاج الخوف الجماعي. كما تتحول المساجد من دور عبادة معترف بها دستوريًا إلى موضوعات أمنية، ويتحول الباحث أو الناشط المسلم إلى موضع اشتباه دائم بسبب خلفيته الثقافية أو آرائه السياسية.
ولا يعني ذلك إنكار وجود تحديات حقيقية مرتبطة بالتطرف أو الأمن أو إدارة الهجرة، فهذه قضايا مشروعة تحتاج إلى معالجات جادة ومسؤولة. لكن الخطر يكمن في الخلط المتعمد بين الإسلام والتطرف، وبين المسلمين والإرهاب، وبين المطالبة بالحقوق الدستورية وما يسمى «الإسلام السياسي». فمثل هذا الخلط لا يسهم في تعزيز الأمن، بل يخلق مناخًا من الريبة والانقسام والاستقطاب.
تواجه الديمقراطية الأوروبية اليوم اختبارًا حقيقيًا يتمثل في قدرتها على حماية أمن المجتمع دون التضحية بمبادئ الحرية والمساواة والمواطنة. كما أن نجاحها يُقاس بقدرتها على التمييز بين التهديدات الحقيقية وتلك التي يجري تضخيمها أو توظيفها في المعارك الانتخابية.
وفي هذا الإطار، تبدو قضيتا [يوسف سيهر] ومسجد تورينو أكثر من مجرد حدثين منفصلين. إنهما مؤشران على ظاهرة أوسع تتمثل في تصاعد خطاب الأمننة المرتبط بالإسلام والهجرة والهوية، وهو خطاب يجد في الخوف السياسي مادة خصبة لبناء الاستقطاب وكسب الأصوات الانتخابية. والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: كيف ندير الهجرة أو نبني التعايش؟ بل كيف نمنع تحويل التنوع الديني والثقافي إلى أداة للصراع السياسي، وإلى ذريعة لإعادة إنتاج الإسلاموفوبيا في ثوب جديد عنوانه الأمن والهوية، بينما جوهره الحقيقي هو التنافس على السلطة وصناديق الاقتراع؟
فالمجتمعات الديمقراطية القوية لا تُقاس بقدرتها على صناعة المخاوف، بل بقدرتها على إدارة الاختلاف، وحماية الحقوق، وبناء الثقة بين مكوناتها المختلفة، مهما تعددت أصولها وثقافاتها ومعتقداتها





