الكرامةُ التي بلا مأوى..! الرحمةُ التي عجزت عن الوصول أو حين يُهزَمُ الإنسانُ باسمِ الإنسان..
*الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
أحيانًا، تُقدَّم بعض القرارات وسط ضجيج إعلاميّ وهالة من التطبيل والتبجيل وتحت شعارات كبرى وخطابات ذات نبرة تقدّمية عالية؛ باسم حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والاعتبارات الحقوقية والوجودية… غير أنّها، حين تُختبر على أرض الواقع، قد تكشف عن مفارقة عميقة: الخروج من الجرح إلى الفراغ أو الانتقال من واقعٍ معيب إلى فضيلةٍ لا تُحسن الإيواء ولا تملك مقوّمات الاستمرار.
فليست كل مغادرةٍ لواقعٍ مختلّ انتقالًا إلى واقعٍ أفضل ولا كل قطيعةٍ مع الماضي تأسيسًا لمستقبلٍ أكثر إنصافًا. بل قد تنتهي بعض الخيارات، رغم ما تحمله من شعارات براقة، إلى نتائج أشدّ ضررًا من الوضع السابق؛ خصوصًا حين يُهدم القائم قبل أن يكون البديل قد اكتملت شروطه أو حين تتحوّل الكرامة من غايةٍ إنسانية إلى شعارٍ سياسيّ معلّق في فضاء الأوهام.
وفي بعض الحالات، ورغم كل عيوب الواقع المزري القائم، قد يظلّ الخيار المتاح هو الأقلّ سوءًا ما دام البديل غير موجود أو غير جاهز أو عاجزًا عن توفير الحدّ الأدنى من شروط الحياة والاستقرار. فالمسألة ليست دفاعًا عن الاختلالات ولا تبريرًا للواقع المعيب وإنما هي مساءلةٌ للعقل الذي يعتقد أنّ هدم الواقع يكفي وحده لصناعة المستقبل.
ومن الأمثلة التي تستحضرها الذاكرة السياسية المعاصرة، تجربةُ من خرج مغاضبًا، فأسّس جمهوريةً وهمية، ظلّت، على مدى نصف قرن، عنوانًا لمشروعٍ انفصاليّ عطّل مسارًا من التنمية والعمران وهدّد السيادة والوحدة الترابية واستنزف إمكانات المنطقة وأبقى أجيالًا من المحتجزين في مخيمات تندوف رهائنَ لوعدٍ سياسيّ لم يتحوّل إلى وطن ولا إلى دولةٍ مكتملة المقوّمات ولا إلى أفقٍ إنسانيّ يضمن الكرامة والحرية والاستقرار.
جمهوريةٌ تُرفع باسم تقرير المصير، بينما يتعذّر على الإنسان أن يمارس أبسط حقوقه في تقرير مصيره الفعلي؛ جمهوريةٌ تُسوَّق باعتبارها مشروعًا للتحرّر، فيما يظلّ مصيرُ أجيالٍ كاملة معلّقًا بين حسابات الجغرافيا وأجندات السياسة ورهانات القوى التي وجدت في هذا النزاع أداةً لتصفية حساباتها الإقليمية وممارسة الضغط على المغرب وتهديد وحدته واستقراره.
وهنا تستحضرني، بما تحمله من كثافة رمزية وإنسانية، بعضُ صور قصيدة «قارئة الفنجان» لنزار قباني، حين يتحدّث عن حبيبةٍ لا أرض لها ولا وطن ولا عنوان؛ وعن إنسانٍ يمضي عمره مطاردًا خيط دخان، قبل أن يكتشف، متأخرًا، أنّه كان يطارد وهمًا لا سبيل إلى الإمساك به.
ولعلّ هذه الصورة تختزل، على نحوٍ مؤلم، مأساة أجيالٍ جرى استدراجها إلى مطاردة وطنٍ معلّق في سراب الشعارات، وإلى انتظار جمهوريةٍ لا تمنحها عنوانًا ولا مأوى ولا أفقًا واضحًا للمستقبل. فكم من عمرٍ استُنزف في مطاردة خيط دخان؟ وكم من وجدانٍ أُنهك في انتظار وطنٍ ظلّ وعدًا سياسيًا أكثر منه حقيقةً قابلةً للحياة؟
إنّ أقسى ما في المأساة ليس فقط أن تكتشف، بعد رحيل العمر، أنّك كنت تطارد الوهم؛ بل أن تكتشف أنّ أجيالًا أخرى ورثت المطاردة نفسها، وكأنّ عليها أن تعيد الرحلة ذاتها، وأن تؤجّل حياتها إلى موعدٍ لا يأتي.
فما أصعب أن يُقنع الإنسانُ بأنّ له وطنًا، ثم يقضي عمره يبحث عن عنوانه!
إنّ الكرامة ليست مجرّد شعارٍ يُرفع ولا جمهوريةً تُعلن ولا بيانًا سياسيًا يُلقى؛ الكرامةُ مأوى وأمن وحرية وتنمية وحقّ في العيش الكريم وفي الاختيار وفي العودة إلى الوطن وفي بناء المستقبل بعيدًا عن الوصاية والاستغلال.
وقد وجدت هذه الأطروحة الانفصالية امتداداتها ودعمها لدى أنظمةٍ إقليمية، وفي مقدّمتها الجزائر، فضلًا عن أطرافٍ أخرى، من بينها ليبيا في مراحل سابقة وإيران وغيرها من الجهات التي تتقاطع مصالحها مع إدامة النزاع، تحت عناوين متعدّدة، من بينها حقّ تقرير المصير ومناهضة الملكيات.
وهنا تبرز المفارقة الكبرى: حين يُصبح الإنسان وسيلةً في مشروعٍ سياسيّ بدل أن يكون غايته؛ وحين تُستعمل الكرامة الإنسانية لتبرير مسارٍ لا يُنتج سوى المزيد من الانتظار والارتهان والحرمان من شروط الحياة الطبيعية.
مزيان… لقد تعبتَ من صناعة جمهوريةٍ لم تُفلح، على مدى نصف قرن، في إقناع التاريخ بجدواها ولا في توفير شروط الدولة لمواطنيها؛ فتعالَ، ها هي الدولة المغربية قائمةٌ بمؤسساتها وأنظمتها القانونية ومسارها التنموي ومجتمعها الذي لا يزال يراهن على البناء والتقدّم.
تعالَ، إذن، وبيّن لنا عن «حنّة يديك»، كما يقول المثل الشعبي المغربي! فالوطن ليس مجرّد شعارٍ في المنفى ولا مشروعًا مؤجّلًا إلى ما لا نهاية؛ الوطنُ مسؤوليةٌ تُمارَس وكرامةٌ تُصان وتنميةٌ تُنجز وإنسانٌ لا ينبغي أن يظلّ رهينةَ أوهامٍ سياسية استهلكت نصف قرنٍ من عمره.
فبعد نصف قرنٍ من صناعة الوهم، أليس الأجدر أن ننتقل من صناعة الجمهورية إلى صناعة الإنسان؟
وأيُّ كرامةٍ هذه التي لا تجد مأوى؟
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.





