الشيخ خالد فياض*
من الأمراض الخطيرة التي تصيب المجتمعات الجهلُ ، فهو آفةٌ كبرى تُدمر ولا تَبني ، وتُخرب ولا تُعمر .
وأخطرُ أنواع الجهلِ جهلُ من يتكلمُ بالدين .
النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – تحدث عن إنتزاع العلم بموت العلماء ثم قال : (
فَيَبْقَى نَاسٌ جُهَّالٌ يُسْتَفْتَوْنَ فَيُفْتُونَ بِرَأْيِهِمْ ، فَيُضِلُّونَ وَيَضِلُّونَ » رواه البخاري .
وتكمن الخطورة في كلام الجهال أنهم لا يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً شاملاً ، فلا يفرقون بين ثابتٍ ومتغيرٍ ، ولا يميزون بين الفتوى والحكم .
فللإسلام خصائص تميزه عن غيره منها : الربانية ، والشمول والكمال ، والتوازن والإعتدال ، والتطور والثبات ، والإيجابية والواقعية ، والوسطية وعدم التطرف ، وصلاحيته لكل زمان ومكان وإنسان .
والمصادر الأصلية للتشريع الإسلامي المتفق عليها أهمها القرآنُ والسنةُ النبوية الصحيحة ، ولا اجتهاد مع وجود نصٍ .
ومقاصد الشريعة الإسلامية تتمثل في حفظ الضرورات الخمس التي من أجلها بعث الله تعالى الأنبياء : حفظُ الدين ، حفظ النفس ، حفظ العقل ، حفظ المال ، حفظ العرض .
والقواعد الثابتة الأصيلة التي تنظم حياة الناس وتحقق لهم الخير وتعمل من أجل مصالحهم من أهمها ( لا ضَرر ولا ضِرار ) .
إن الفهم الصحيح للإسلام يغرس في الإنسان الكثير من المعاني السامية التي تُقيم الحضارة وترعى القِيَم ، ويسعى من خلالها إلى التعايش المشترك وقبول الآخر في دنيا المواطنة .
فالناس متساوون في الحقوق والواجبات ، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : ( الناس مستوون كأسنان المشط ) رواه الدولابي
وقال : ( الناس بنو آدمَ وآدمُ من تراب ) رواه الترمذي
لك الحق أن تدعو الناس إلى دين الله ، قال تعالى : ( ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)سورة النحل .
لكن لا تتحول إلى قاضٍ يحكمُ على الناس بإيمانٍ أو كفرٍ ، أو يحكم بحقهم في الحياة أو يبيح قتلَهم .
الله وحده هو الذي يحاسب الناس على الإيمان وعدمه ، قال تعالى :
( فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (40) سورة الرعد
فالإسلام يصون النفس البشرية ويحميها ويجعلُ الإعتداءَ على نفسٍ واحدةٍ اعتداءاً على كل النفوس ، وحفظَها حفظاً لكل النفوس ، قال تعالى : ( أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا … ) سورة المائدة 32
ومن أفتى بغير ذلك فهو من الجُهال الذين لا نسمع لهم ، ولا عصمة لكلامهم بل لا إلتفات إليه أصلا .
العصمةُ فقط للأنبياء عليهم السلام الذين لا نَرُد كلامهم ، أما ما عداهم فكل إنسانٍ يُؤخذ من كلامه ويُرد ، حتى وإن كان إماماً أو مرشداً روحياً ، فهو إنسان يصيبُ ويخطئُ ، يُحسنُ ويُسئُ ، يَهتدي ويَضل .
والذين يستبيحون الدماءَ والأعراضَ كعصابات داعش أو الحشد الشعبي في العراق وسوريا وغيرها لا يمثلون إلا أنفسهم ومَن وراءهم من ممولين ومؤيدين .
ونحن نبرأ إلى الله من أفعالهم .
وهذا يوجب على القائمين على إدارة المساجد والمراكز الإسلامية أن يتقوا الله تعالى ويحسنوا إختيار أهلَ العلم والتخصص حمايةً للفكر من الإنحراف وللشباب من الضلال .
فليست الإمامة اللحيةَ والثياب بقدر ما هي العلم والخشية لله .
عضو الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين*





