لخروطي عبدالغني*
مع بداية انتشار فيروس كورونا في العالم، دعا رئيس منظمة الصحة العالمية الحكومات إلى اتخاذ إجراءات طارئة وحازمة، للحد من تفشي الوباء وحماية المواطنين. لكن الحقيقة المؤسفة التي لم تكن تخطرحتى على بال متشاءم، أن الانتشار فاق كل التكهنات، وتوقعات الخبراء وأهل الاختصاص، إذ أضحى الفيروس كابوسا مزعجا لكل دول العالم ،فانتشر بسرعة البرق في غياب دواء ناجع، ولقاح فعال مضاد للوباء .
ولعل الإجراءات الاحترازية ؛التي نهجتها الدول للحد من تفشي الوباء، وتأثيره السلبي على الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ تختلف من دولة إلى أخرى فهناك، من استجمعت كل قواها، وأعلنت النفير في البلاد؛ لاستشعار المواطنين بمدى خطورة الوضع وإعلان حالة الطوارئ ،وفرض الحجر المنزلي، وإغلاق الحدود مبكرا ،وتوقف الشركات التي لا تنتج المواد الغذائية والصحية ، ودول أخرى دبرت المرحلة برعونة واستخفاف، وفضلت دوران الاقتصاد على حياة المواطن وهو ماسمته بريطانيا بمناعة القطيع.
ومع دوران الاقتصاد ببطء كبير ومكوت المواطنين، في بيوتهم لجأت مجموعة من دول العالم، إلى اتخاذ مجموعة من التدابير للتخفيف من الآثار السلبية للوباء على المواطنين، وأخص بالذكر إيطاليا بحكم إقامتي بهذا البلد ،والمغرب بلدي الأصلي؛ إذ قامت ايطاليا بضخ مبلغ مالي لمساعدة أصحاب المقاولات المتضررين نتيجة إغلاق شركاتهم ،ومن جهة اخرى لجأت البلديات إلى توزيع قسيمة شراء بقية 300 أورو لكل المحتاجين، وتوزيع الصليب الأحمر الإيطالي لمواد غذائية على المتضررين، نفس النهج صار عليه المغرب الذي أرفع له القبعة بالتوجيهات السامية لجلالة الملك حفظه الله ورعاه، والحكومة وباقي السلطات، في تدبير الأزمة بطريقة معقلنة ؛إذ تم فتح صندوق للتبرعات اذ تم ضخ ملايير الدرهم، لمساعدة المقاولات والعمال، كما استفاد من هذا الصندوق كل حامل لبطاقة التغطية الصحية راميد؛ التي انتهت مدة صلاحيتها أواخر 2019 ؛بمبلغ 800درهم كحد أدنى و1200 درهم كحد أقصى ،هذا الصندوق سيستفيد منه أيضا الذين لا يتوفرون على بطاقة راميد من دوي الدخل اليومي .كما نجد في الساحة عنصرين فعالين ونشيطين؛ ويتعلق الأمر بالمحسنين ،والجمعيات التي تقوم بتوزيع المال والمواد الغذائية، وبعض المتطلبات الصحية على الفئات المعوزة وأداء ثمن الإيجار أحيانا.
إن ما يحز في النفس، وينضب له الجبين، وتدمع له العين ؛هو أن نجد بعض الناس يتزاحمون مع الأرامل واليتامى والفقراء والمساكين ،للحصول على على هذه المساعدات،فكيف يسمح ضمير تاجر أو حرفي يدخرماله في البنوك ؛وآخر يملك مسكنا وسيارة وعملا، ولما حلت الجائحة نصب نفسه من الطبقة المتضررة بدون استحياء يطلب الإعانة؟ وكيف تسمح له نفسه بدفع طلب الحصول على قسيمة الشراء من البلدية؟ وكيف يذل نفسه وهو يأخذ سلة متنوعة من المواد الغذائية لا يتعدى ثمنها 15 أورو وهو في غنى عنها؟ ألم تعلم أيها المسلم أنك حرمت أناسا في أمس الحاجة إلى تلك المساعدات؟ فحري بك أن تأخذها وتوزعها على مهاجرين بدون أوراق إقامة بدل الاستفادة منها. أما تعلم أنك أنت وأمثالك تزيدون من أعباء الدولة التي جندت كل طواقمها من أجل سلامتكم وسلامة المواطنين؟
فأين هي الرجولة التي تجعل من الرجل غنيا في فقره، قويا في ضعفه ،ويعطي قبل أن يأخذ، ويساهم في البناء عوض التخريب؟ أين عزة المسلم بنفسه ودينه وربه؟ فمن عزة المسلم أن لا يكون مستباحا لكل طامع، بل عليه أن يستميت دون نفسه وعرضه وماله وأهله؛ قال تعالى(من كان يريد العزة فلله العزة جميعا)
أين القناعة أيها المسلم؟ ألم ترض بما قسم الله لك؟يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه.رواه مسلم. فالمسلم القنوع لا يلهت وراء الدنيا،فالقناعة عفة المسلم مصداقا لقول الله جل في علاه (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم ).فكم من أناس مختبؤون في بيوتهم أحشاؤهم فارغة؛يعانون في صمت ويعيشون في سعادة،هممهم عالية راضين بما قسمه الله لهم ،ولا يسألون الناس إلحافا من تعففهم وعزة أنفسهم .
وأين أنت من قوله عز وجل(ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) معنى الآية أن تفضل غيرك على نفسك ولو كانت بك فاقة. فلماذا تضع نفسك في وضع لا تحسد عليه .
يقول الإمام الشافعي رحمه الله :
رأيت القناعة رأس الغنى فصرت بأذيالها متمسك
فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني به منهمك
فصرت غنيا بلا درهم أمر على الناس شبه الملك.
خطيب مقيم بإيطاليا*





