ذ . مصطفى فاكر
كان الاستاذ بالأمس القريب سيدا و رسولا و مثالا اعلى للمتعلمين و قدوة للعامة يحظى بمكانة اجتماعية عالية ، الكل يجتهد في خدمته حتى ينال رضاه ، هذه الأمور لم يكتسبها الاستاذ عبثا ، بل جاءت نتيجة جده و اجتهاده ، و تحمله المسؤولية التربوية و اقتناعه باختياره المهني و وعيه في تنشئة الأجيال ، فكان حريصا على استقامة سلوكاته داخل الفصل وخارجه ، لا يهدأ له بال ولا يرتاح له ضمير إلا إذا ارتدى وزرته البيضاء و داعب طبشوره باصابعه شارحا ، موضحا محللا يصول و يجول في حدائق العلوم .
أما ما غدت إليه مدارسنا اليوم من تسفيف و تنكيت و ما أصبحنا نراه من مستوى تعليمي تحت الصفر فهو نتيجة للتحول الجذري لمفهوم الاستاذ سلوكا و ممارسة ، و لعل الوضعية التي تعيشها المؤسسة التعليمية اليوم ما هي إلا انعكاسا مباشرا لتخلي الأستاذ عن دوره التربوي ، وهذا ما أنتج كثيرا من الظواهر السلبية سواء داخل المؤسسة أو داخل الفصل من قبيل :
1/ تنامي العنف بنوعيه المادي و المعنوي
2/ التحرش الجنسي سواء الممارس من طرف الاستاذ اتجاه تلميذاته او العكس او الممارس من لدن التلاميذ على زميلاتهم
3/ التعاطي للمخدرات بكل أصنافها
4/ التخريب وإتلاف ممتلكات المؤسسة .
هذه الظواهر من المسؤول عنها ؟؟
الاستاذ لتخليه عن دوره الحقيقي في التربية و التعليم ، اذ اصبحنا نجد الأستاذ متناقضا تماما في ممارسته مع ما يقدمه لتلاميذه ، فهو يحدثهم عن الانضباط وهو لا يدخل الفصل إلا بعد مرور 15 دقيقة على الاقل او يكلفهم بمهمة و يخرج لتبادل الحديث مع زملائه ، يحثهم بالجد و الاجتهاد و بالمقابل نجده داخل القسم جالسا لا يتحرك يتجول عبر الشبكة العنكبوتية او يقوم بتعبئة الكلمات المتقاطعة او يكلم غيره عبر الهاتف أو يجتمع مع الآخرين امام الاقسام ، و عوض الشرح يكتفي ب : ( انقلوا القاعدة ) من الكتاب . فهل هذا هو المدرس الذي يقتدي به التلاميذ ؟ فهل يقتدون بفعله أو بقوله ؟ طبعا سيقتدون بفعله لا بقوله ، ومن هنا جاءت ازمة القيم و بالتالي يكرهون المدرسة و المدرس و يبحثون عن من يحتويهم و يقتدون به حتى وإن كان من المنحرفين ، لأن المدرسة لم تستطع ام تشبع رغباتهم ، فتغيب الأخلاق و يتنامى الانحراف فتصبح المدرسة مسرحا للجريمة و العنف و التحرش و المخدرات .
ان الاستاذ اليوم يشتغل في ظروف مادية أفضل بكثير من الماضي ، لقد تخلى عن واجبه كاملا يتحجج بحجج واهية من قبيل تقييده بمذكرات و قوانين او عدم ملاءمة البرامج المقدمة للتدريس. إن المتغير الحقيقي في العملية التعليمية هو الضمير المهني و حب الوطن.
إن المشكل الحقيقي الذي نعيشه في مدرستنا هو أزمة أخلاق بالشكل الذي أصبحنا نجد فيه الاستاذ ياتي للمدرسة لا لاداء واجبه بل للتسلية و قضاء الوقت دون حسيب ولا رقيب .
ان واقع الحال يفرض على الجهات المسؤولة التحرك الفوري كل من موقعه لاعادة الاعتبار للمدرسة العمومية المغربية و إعادة الثقة فيها و هذا لن يتأتى إلا بربط المسؤولية بالمحاسبة ، فالأستاذ اختار مهنة التعليم و يجب أن يتحمل مسؤولية اختياره و المقصود هنا الاستاذ الذي هو بالمواصفات المذكورة ، وهذا الأمر ينطبق على كل القطاعات و ليس التعليم فقط .





