ذ. سعيد الغماز

بسرعة فائقة توحي بأن الأمر كان مُعدا له سلفا، تم الإعلان عن تشكيلة الحكومة الفرنسية الجديدة بعد أقل من ثلاثة أيام على تعيين “جون كاستيكس” بدل “إدوارد فيليب” رئيسا للوزراء. وإذا أردنا أن نُعطي عنوانا لهذه الحكومة فإننا بالتأكيد سوف لن نختار عنوان “حكومة المناصفة” لأنه شعار أصبح مستهلكا أمام التحديات التي تعيشها فرنسا داخليا وخارجيا، كما أن الاعلام الفرنسي بمختلف توجهاته لم يُعر لمسألة المناصفة الاهتمام الذي حظيت به حين تشكيل أول حكومة بعد انتخاب إيمانويل ماكرون رئيسا لفرنسا. العنوان الملائم لهذه الحكومة الجديدة هي “حكومة الاتجاه نحو اليمين” بعد الاحتفاظ بوزراء السيادة في مناصبهم: الخارجية والصحة والمالية والجيش، باستثناء وزارة الداخلية التي تم فيها التخلي عن الاشتراكي “كريستوف كاسنير” وتعويضه بأحد صقور اليمين “جيرالد دارمانان”، وهو تعيين يحمل رسالة واضحة بخصوص سياسة فرنسا الداخلية.
فبعد الاحتجاجات الساخنة التي عرفتها شوارع باريس من قبل ما يُعرف بالسترات الصفراء، عرفت البلاد احتجاجات رافضة للقانون الجديد الخاص بالتقاعد، بعد ذلك ظهرت جائحة كوفيد 19 وخلال فترة هذه الجائحة انتقلت لفرنسا عدوى الاحتجاجات ضد العنصرية وعنف رجال الشرطة بعد مقتل “جورج فلويد” في الولايات المتحدة الأمريكية. تعيين شخصية يمينية بدل رجل اشتراكي يحمل رسالة واضحة للمحتجين مفادها أن الحكومة الفرنسية ماضية في الإصلاحات التي باشرتها الحكومة السابقة وأن تعامل الشرطة مع المحتجين نقرأه من خلال زيارة رئيس الوزراء لشرطيين في “لاكورنوف” في الضاحية الشمالية للعاصمة باريس، وخلال هذه الزيارة حرص على تأكيد دعم الحكومة الثابت لقوات حفظ النظام وتمسكه بالأمن العام.
وإذا كانت تحركات المسؤولين السياسيين قبل شروعهم في تحمل المسؤولية لا تخلو من رسائل سياسية، فإن زيارة “جون كاستيكس” للشرطيين نقرأ فيها إقبال فرنسا على صيف ساخن بين المحتجين بمختلف تشكيلاتهم (السترات الصفراء-الرافضين لقانون التقاعد والمحتجين على العنصرية) من جهة والشرطة التي تلقت دعما استباقيا من رئيس الحكومة من جهة ثانية. وقبل ذلك بيوم واحد قام “كاستيكس” في أول خرجة له منذ تعيينه، بزيارة لشركة للتكنولوجيا المتطورة تواجه صعوبات اقتصادية. الزيارتان معا تفيدان أن الحكومة الجديدة لها أولويتان: مواجهة تداعيات جائحة كورونا الاقتصادية والاستمرار في الإصلاحات الاقتصادية وإن تطلب الأمر المواجهة مع الشارع.

إذا أخذنا بعين الاعتبار السبب الرئيسي في تعيين حكومة جديدة والمرتبط بالهزيمة الكبيرة لحزب الرئيس الفرنسي “ماكرون” في الانتخابات البلدية الأخيرة، فإننا نلاحظ أن تشكيلة هذه الحكومة وإن أتت بعد الانتخابات لا تُجيب على الرسالة التي بعث بها الناخب الفرنسي للرئيس “ماكرون”. فحتى توجه الناخبين نحو مرشحي البيئة لم يلقى التجاوب السياسي المطلوب بعد تعيين “باربرا بومبيلي” وزيرة للبيئة وهي لا تمثل برامج الخضر في فرنسا بقدر ما تمثل شخصية من أبرز المقربين من الرئيس ماكرون ومن أكبر المدافعين عن سياساته وهو ما يعني إدارة الظهر لنتائج الانتخابات وتبني سياسة الاستمرارية. هذه المعطيات مجتمعة لا تُفيد أن الرئيس الفرنسي ليس مُكترثا بنتائج الانتخابات الأخيرة وتراجع حزبه فيها، بقدر ما تُفيد أن رئيس حزب الجمهورية إلى الأمام ليست أمامه خيارات كثيرة لتجنب تدهور شعبيته واحتمال خسارته الانتخابات المقبلة في أفق العامين القادمين. والمؤكد من خلال قراءة تشكيلة الحكومة الجديدة أن فرنسا ستشهد احتقانا اجتماعيا كبيرا خلال السنتين قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، ومستقبل الرئيس “ماكرون” رهين بالعرض السياسي لخصومه في الأحزاب الأخرى.





