السلطات المغربية تسجل حصيلة ثقيلة من الإصابات والوفيات الناتجة عن فيروس كورونا والاستخفاف بارتداء الكمامة الواقية.
الطاهر الطويل
يومًا بعد آخر، تُسجَّل في المغرب حصيلة ثقيلة من الإصابات والوفيات الناتجة عن فيروس كورونا المستجد. وإذا كانت مدينة الدار البيضاء تستأثر بالعدد الأكبر من تلك الحصيلة، بحكم اتساع رقعتها الجغرافية وكثافتها السكانية واحتضانها لعدد كبير من المعامل والمصانع، فإن باقي المدن حتى النائية لم تسلم من حدة الفيروس. وهو وضع يتسبب في أعباء كبيرة للكوادر الطبية الموجودة في الصف الأول من المعركة، كما يطرح بقلق مدى قدرة المستشفيات على استيعاب أفواج جديدة من المرضى ممن هم في حالات صعبة أو حرجة؛ علاوة على مشكلة الأدوية المتعلقة بكورونا.
الأزمة المتفاقمة
في هذه الأثناء، يجري التداول داخل الأوساط المسؤولة حول السيناريوهات الممكنة للتعامل مع هذه الأزمة المتفاقمة، فإذا كان الحجر الصحي الجزئي طبق في بعض المدن، فإنه لم يعط بعد ثماره، ولم يؤد إلى تناقص في أعداد الإصابات والوفيات، كما أن النداءات التي تطلقها السلطات عبر وسائل الإعلام من أجل الالتزام بالإجراءات الاحترازية الضرورية لا تجد آذاناً صاغية لدى الكثيرين، حيث يلاحظ الازدحام في الأسواق والمواصلات العامة وأمام بعض المصالح الإدارية، كما يلاحظ الاستخفاف بارتداء الكمامة الواقية.
ومن المؤكد أن السيناريو التي ستعتمده السلطات سيراعي التوازن بين ثلاثة أبعاد: البعد الصحي المتعلق بسلامة المواطنين، والبعد الاقتصادي المتعلق بالحفاظ على الدورة الاقتصادية، والبعد الأمني المتعلق بالانضباط للقرارات والإجراءات المعتمدة في إطار قانون الطوارئ الصحية.
وكان رئيس الحكومة المغربي سعد الدين العثماني رجح الأسبوع الماضي إمكانية العودة إلى تطبيق الحجر الصحي الشامل في مختلف مناطق البلاد، إذا استمرت أعداد المصابين والمتوفين في التكاثر بهذا الشكل المقلق. وقال: «لا أحد منا، مسؤولين أو مواطنين، يتمنى العودة إلى الحجر الصحي الشامل لما له من آثار اقتصادية واجتماعية ونفسية» مشدداً على أن العودة إلى الحجر الصحي، رغم أنه غير مرغوب فيه، إلا أنه «يبقى خياراً ممكناً».
على مستوى الأرقام، أعلن عشية الأحد عن تسجيل 4596 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجد، و4245 حالة شفاء، و75 حالة وفاة خلال 24 ساعة الماضية. وبذلك، رفعت الحصيلة الجديدة العدد الإجمالي لحالات الإصابة المؤكدة في المغرب إلى 256 ألفاً و781 حالة منذ الإعلان عن أول حالة في 2 مارس الماضي، ومجموع حالات الشفاء التام إلى 209 آلاف و801 حالة، فيما ارتفع عدد الوفيات إلى 4272 حالة.
ويبلغ مجموع الحالات النشطة التي تتلقى العلاج حالياً 42 ألفا و708 حالات، في حين يصل مجموع الحالات الخطيرة أو الحرجة الموجودة حالياً بغرف الإنعاش والعناية المركزة إلى 933 حالة 71 منها سجلت خلال 24 ساعة، في الوقت الذي بلغ فيه عدد الحالات تحت التنفس الاصطناعي الاختراقي إلى 73 حالة، والحالات تحت التنفس غير الاختراقي 504 حالات، وبلغ معدل ملء أسرّة الإنعاش 36 في المئة.وبعد تسجيل 1192 حالة إصابة جديدة و18 حالة وفاة في جهة «الدار البيضاء – سطات» كتبت صحيفة «المساء» المستقلة، أمس الإثنين، افتتاحية مما جاء فيها: «انجرفت مدينة الدار البيضاء إلى وضع وبائي مقلق جداً، تترجمه الأرقام المرعبة للوفيات وحالات الإصابة الجديدة المسجلة، مع ما يستتبع ذلك من تمديد للقيود وخنق للرئة الاقتصادية للبلاد. اليوم، هناك تحذيرات متتالية من أن الوضع في البيضاء، التي تحتل المقدمة من حيث الوفيات والإصابات، يوشك على الانفلات والخروج عن السيطرة، وهو ما يفرض على وزارة الصحة التدخل للبحث عن مكامن العطب الأساسية التي أجمع الفاعلون الحقوقيون والجمعويون والعاملون في القطاع على أنها مرتبطة أساساً بسوء التدبير والعجز المتواصل عن وضع خطة لتخليص المدينة من قبضة الفيروس أو، على الأقل، السيطرة على الوضع فيها».
واستطردت الافتتاحية: «على وزير الصحة أن يتحمل مسؤوليته الكاملة في إنقاذ الدار البيضاء من الانفلات الوبائي الذي يهددها، وهي مهمة تتطلب توخي الصرامة، ولا يمكن الاستسلام فيها إطلاقاً للمجاملات أو للضغوط والاعتبارات الحزبية التي تفسر لنا استمرار بعض الأسماء في تحمل مناصب مهمة داخل القطاع على مستوى الجهة، رغم أن النجاح الوحيد الذي حققته هو جعل مستشفيات الدار البيضاء بؤراً مفتوحة للفيروس. نعم، التصدي لهذا الوباء يفترض، في المقام الأول، تعبئة مجتمعية تقطع مع حالة التراخي في الالتزام بالتدابير الاحترازية، لكن من الضروري، بعد كل المليارات التي صُرفت في ظروف وصفقات قيل بشأنها الكثير، أن تتحمل الوزارة مسؤوليتها في احتواء حالات الإصابة، حتى لا يفقد المواطن ثقته ونصبح أمام حالة استسلام جماعي قد ندفع ثمنها غالياً».في السياق نفسه، دعا حزب «الاستقلال» (المعارض) الحكومة المغربية إلى «وضع مخطط استعجالي فوري لحماية حياة المواطنات والمواطنين من الجائحة التي تزداد انتشاراً وفتكاً». وشدد، في بلاغ، على ضرورة توفير التجهيزات الصحية الضرورية والموارد البشرية والأدوية الأزمة. وأشار إلى ضرورة الأخذ بعين الاعتبار القدرات والحاجيات المحلية الحالية والمرتقبة، مع إشراك القطاع الصحي الخاص وتعبئة البحث والابتكار الوطنيين لمواجهة الجائحة.
وعبّر حزب «العدالة والتنمية» الذي يقود الحكومة عن انشغالها بالتطورات المقلقة للوضع الوبائي في المغرب. واعتبر، في بلاغ، أن تزايد عدد الإصابات وخاصة المصابين الموجودين في وضعية حرجة وحالات الوفاة يستدعي استنفاراً وطنياً. وأثنى على الواقفين في الصفوف الأمامية لمواجهة الجائحة وخاصة كوادر الصحة من أطباء وممرضين ودفاع مدني وكافة الفئات والهيئات المدنية والعسكرية المتدخلة، والكوادر الإدارية والأمنية. ودعا عموم المواطنين إلى مزيد من الالتزام بالتدابير الاحترازية حماية لسلامتهم وصحتهم ولسلامة ذويهم وأقاربهم وعموم المواطنين والمواطنات.
كما دقت «الشبكة المغربية للدفاع عن الحق في الصحة والحق في الحياة» ناقوس الخطر في شأن ما وصفته بالنقص المهول في المستلزمات الطبية، خاصة المواد المنبثقة من المادة الطبيعية «اللطيكس» التي عرفت استهلاكاً مفرطاً في العالم، خصوصاً بعد ظهور فيروس كورونا. وأكدت في بلاغ لها أن أغلب المستلزمات كالقفازات باتت شبه منعدمة وبأثمنة خيالية، وكذلك المستلزمات المستعملة في الجراحة العامة والمسالك البولية والولادة القيصرية وغيرها… وأوضحت أن المغرب بلد غير منتج للمستلزمات الطبية باستثناء الكمامات، لذا فهو يستورد جميع المستلزمات بما فيها أجهزة التنفس، إلا أن تعطيل ملفات هذه المستلزمات من طرف وزارة الصحة يشكل عائقاً.
سوق المستلزمات الطبية
وأشارت إلى أن غياب إنتاج محلي ينعكس سلباً على سوق المستلزمات الطبية، ويجعلها نادرة، ويؤدي ثمنها المريض والمنظومة الصحية، مؤكدة على ضرورة توفرها إلى جانب الأدوية واللقاحات، لضمان السيرورة العادية للمرفق العمومي والخاص بقطاع الصحة.
على صعيد آخر، طالبت «النقابة الوطنية للعدل» وزارة العدل بتوفير وسائل الحماية من فيروس كورونا، من معقمات وكمامات بجودة عالية وبالكمية اللازمة، وذلك استحضاراً لمخاطر الوباء، وبعيداً عن التقشف. وأضافت أن الوزارة لا تباشر التقشف إلا في الجوانب المتعلقة بصحة وسلامة الموظفين، داعية إلى اعتماد التناوب في عمل الموظفين، ومنع ولوج غير الموظفين إلا للضرورة القصوى.
وأشارت إلى أن الحالة الوبائية تحتم ضرورة الإسراع بتنزيل منشورات السلطات الحكومية والسلطة القضائية، وذلك بتفعيل المكاتب الأمامية، ومنع الزوار من دخول فضاءات المحكمة الداخلية، كما دعت إلى إعفاء الموظفين ذوي الأمراض المزمنة حماية لهم من الإصابة. ومن جهة أخرى، طالبت النقابة وزير العدل بالاستجابة الفورية للملف المطلبي للموظفين، وتحسين أوضاعهم المادية والمعنوية، معتبرة أن عدد طلبات المشاركة في مباريات تنظمها وزارات أخرى خير مؤشر على البؤس وعدم الرضى السائدين في الوزارة.





