فم زكيد: من ذاكرة المكان إلى سيرة الإنسان من حميمية الانتماء إلى سوسيولوجيا العيش والتحوّل والإنصاف
الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
حين يصبح المكان سؤالًا عن الإنسان والذاكرة والإنصاف، تتجاوز فم زكيد حدود الواحة والجبل لتصبح مدخلًا إلى فهم أوسع لعلاقة السلطة بالمجال، وللمسافة بين الوعود التنموية وتجربة السكان.
1.فم زكيد والتهميش: من «غسل وجه الإقليم» إلى استمرار الغبش
الهامشي ليس مجرد نقص في التجهيزات، بل موقع يُمنح لمجال داخل سلّم الأولويات العمومية، وعلاقة غير متكافئة بين المركز وأطرافه. تاريخ فم زكيد الإداري يكشف هذا الفارق بوضوح.
حين كانت تابعة لإقليم ورزازات، اختزل بعض الخطاب المحلي ترتيب الأولويات في وعد مؤجّل: «سنقوم بغسل وجه الإقليم أولًا!». استعار المنطق تعبير «مركز الإقليم» وكأن تحسين الصورة يبدأ من الواجهة، بينما تنتظر الأطراف دورها.
في يوليوز 1977 أُحدث إقليم طاطا، وانتقلت فم زكيد إليه إداريًّا. كان يمكن أن يُقرأ هذا الانتقال كبداية صفحة جديدة، غير أن الذاكرة المحلية تطرح سؤالًا أعمق: هل تغيّر موقعها في أولويات التنمية، أم استمر منطق تقديم المركز على الأطراف رغم تبدّل الأسماء؟
تستعيد بعض الروايات المفارقة بعبارة موجعة: «بقينا بالعمش والغبش ديالنا». ليست هذه العبارة دليلًا إحصائيًّا نهائيًّا، لكنها تختزل إحساسًا بالتهميش يستحق الإصغاء، وتكشف فجوة محتملة بين إعادة التنظيم الترابي والتحوّل الفعلي في شروط العيش.
يصبح السؤال إذن سؤال إنصاف مجالي: بأي معايير تُرتَّب الأولويات وتُوزَّع الاستثمارات والخدمات؟ وهل يُقاس نجاح التنمية بما يتحسّن في واجهة الإقليم أم بما يتغيّر في قدرة السكان على الوصول إلى الماء والطرق والتعليم والصحة وفرص العمل؟
تغيير الحدود الإدارية لا يضمن، بذاته، تغيير مواقع المجالات داخل سلّم الأولويات. قد يتبدّل عنوان الخريطة بينما يستمر التفاوت أو يتخذ أشكالًا أقل ظهورًا. لذا لا أجعل من الحكاية المحلية حكمًا تاريخيًّا قاطعًا، بل نقطة انطلاق لفهم العلاقة بين السلطة والمجال، وبين ما يُعلَن باسم التنمية وما يُلمَس في الحياة اليومية.

2.من وصف المكان إلى فهم الإنسان
غير أن فم زكيد لا تختزلها حكاية التهميش، كما لا يستنفدها جمال الواحة أو شموخ الجبال. المكان أوسع من صورته، وتاريخه أعمق من حدوده الإدارية. إذا كان نقد التهميش ضروريًّا، فإن الاقتصار عليه قد يحجب ما راكمه السكان من معرفة وقدرة على التكيّف، وما نسجوه من علاقات مكّنتهم من مواصلة العيش في شروط ليست دائمًا يسيرة.
من هنا الحاجة إلى كتابة تجمع بين ذاكرة المكان وسوسيولوجيا العيش فيه. إنني لا أكتب عن مجال عرفته من الخارج، بل عن مكان تكوّنت فيه ذاكرتي الأولى وتشكلت علاقتي بالناس والأشياء. الكتابة عن فم زكيد محاولة لفهم الذات في علاقتها بالمكان، وفهم المجتمع من خلال التجربة التي أتاحها العيش فيه.
لكن الانتماء لا يعفينا من مساءلة الذاكرة ولا من التمييز بين ما عشناه مباشرة وما تناقلناه وما يمكن للوثائق أن تثبته. الوفاء للمكان لا يكون بتعليق النقد، بل بجعل المحبة دافعًا إلى الفهم.
لن أحوّلها إلى صورة شاعرية معلّقة خارج الزمن. سأكتب لأفهم كيف عاش أهلها وكيف دبّروا شؤون حياتهم في مواجهة شحّ الماء وقسوة المناخ وصعوبات التنقّل؛ وكيف بنوا مساكنهم واقتسموا الموارد وربّوا أبناءهم بين الكُتّاب والمدرسة، وحوّلوا محدودية الإمكانات إلى شروط للاستمرار.
المطلوب ليس وصف المكان فحسب، بل فهم العلاقة المتبادلة بينه وبين الإنسان: كيف أثّرت الأرض والماء والمناخ في أنماط العيش؟ وكيف أعاد السكان تشكيل مجالهم من خلال العمل والمعرفة والتعاون؟ وكيف توزّعت فرص الوصول إلى الموارد، وما الأشكال التي اتخذها التضامن والتنافس؟ وماذا حدث لهذه العلاقة حين تغيّرت وسائل الإنتاج واتسعت صلات المجتمع بالعالم الخارجي؟
بهذه الأسئلة ينتقل المكان من مشهد يُوصَف إلى مجال تُدرَس داخله علاقات الإنسان بالطبيعة والمجتمع والتاريخ.

3.من الحنين إلى الذاكرة الموثَّقة
سأستعيد فم زكيد كما تسكن الذاكرة، لكنني لن أتعامل معها كرواية معصومة. الذاكرة تنتقي وتعيد ترتيب الوقائع، والحنين قد يضيء جوانب ويحجب أخرى. لا أريد لهذه الكتابة أن تكون بكائية على زمن مضى، ولا أن تجعل من الماضي نموذجًا مثاليًّا.
الماضي يُفهم بإعادة طرح الأسئلة عليه: كيف عاش الناس؟ ما الموارد المتاحة؟ كيف نظّموا حياتهم في ظل الندرة؟ ما أشكال التضامن وحدودها؟ ومن امتلك القدرة على الوصول إلى الموارد ومن واجه صعوبات أكبر؟
سنستعيد ذاكرة الماء والنخيل والأرض، وذاكرة الجفاف ومشقّة السفر ومرض البيوض، وما خلّفته هذه التجارب من آثار في الحياة اليومية. وسنعود إلى المدرسة الأولى والعلاقات الإنسانية التي أسهمت في تماسك المجتمع، من دون افتراض أن التضامن كان شاملًا أو أن المجتمع خلا من التفاوت.
وسننظر في التحوّلات: من المسالك الوعرة إلى الطرق المعبّدة، ومن وسائل السقي التقليدية إلى المضخّات والطاقة الشمسية، ومن أنماط العيش المرتبطة بالواحة إلى علاقات جديدة بالأرض والعمل والسوق. غير أن هذه التحوّلات ليست مسارًا مستقيمًا نحو التقدّم؛ لكل تحوّل مكاسبه وكلفته.
قد يخفّف تطوّر الضخّ بعض الأعباء لكنه يطرح أسئلة عن استدامة الموارد وتفاوت القدرة على استغلالها. وقد توسّع الطرق فرص التنقّل دون أن تضمن عدالة توزيع الخدمات.
أما ما لم يحظَ بالتوثيق الكافي من أنماط العمارة التقليدية وتدبير الماء وأشكال التضامن، فلن نتركه للنسيان ولن نملأ فراغاته بالتخمين. سنسعى إلى استعادته من الشهادات الشفوية والصور والوثائق، مع مراعاة اختلاف الروايات والتمييز بين ما تثبته الشواهد وما تحفظه الذاكرة وما يظل فرضية.
التوثيق هنا جزء من المسؤولية المعرفية والأخلاقية. حين نكتب عن مجتمعنا لا نملك حق تحويل الذاكرة الفردية إلى ذاكرة جماعية نهائية، ولا اختزال تجارب الآخرين في تجربتنا. إننا نفتح المجال أمام تعدّد الأصوات ونحفظ للوقائع حدودها.
بهذا المعنى لا يكون التوثيق نقيضًا للحنين، بل وسيلة لتحريره من المثالية وجعله مدخلًا إلى فهم الماضي.
4.فم زكيد: موضوع للمعرفة ومرآة لفهم المجتمع
ليست فم زكيد مجرد أشجار نخيل ومورد مائي؛ إنها نظام للعيش وذاكرة لتدبير الندرة ومجال تشكّلت فيه علاقات نسجتها الأرض والماء والعمل والهجرة والتعاون، وربما التنافس أيضًا. وهي مكان تتغيّر دلالاته كلما تغيّرت علاقة أبنائه به.
دراستها تتيح طرح أسئلة تتجاوز حدودها المحلية دون فقدان خصوصيتها: كيف يتدبّر مجتمع موارده في مجال تتكرّر فيه الندرة؟ وكيف تنتقل المعرفة المحلية وما الذي يبقى منها؟ وماذا يحدث للعلاقات حين تتغيّر وسائل الإنتاج وتتبدّل تطلّعات الشباب؟ وكيف تتوزّع آثار التحوّلات بين من يستطيعون استثمار الفرص الجديدة ومن تحدّ مواردهم من ذلك؟
وتقودنا هذه الأسئلة إلى سؤال أوسع عن التنمية: كيف يمكن الحديث عنها من دون مساءلة التفاوت بين المجالات والآثار المتفاوتة للسياسات العمومية؟ التنمية ليست مجرد تراكم للمشاريع، بل تحوّل في شروط الحياة وتوسيع للفرص وتقليص للفوارق في الوصول إلى الخدمات.
الإنصاف المجالي لا يتحقّق بمجرد إدراج منطقة على خريطة البرامج، بل بفهم حاجاتها الفعلية والإصغاء إلى سكانها وقياس ما يطرأ على حياتهم من تغيّر ملموس.
ولا يمكن اختزال فم زكيد في كونها مجالًا يعاني التهميش، كما لا يصحّ تقديمها نموذجًا مكتملًا للتكيّف. كل مجتمع يحمل وجوهًا متعددة: قدرة على الابتكار ومواطن هشاشة، علاقات تعاون ومواقع تفاوت.

مهمّة النظر السوسيولوجي ليست تلميع الصورة أو تشويهها، بل تفكيكها وفهم شروط تشكّلها. لذا لن تكون هذه الكتابة تقريرًا إداريًّا جافًّا ولا وصفًا تراثيًّا ولا حكاية شخصية تجعل تجربة الكاتب مقياسًا للجميع. إنها محاولة للجمع بين دفء التجربة وصرامة النظر، وبين الشهادة والتحليل.
فسحر فم زكيد ليس شيئًا يمكن استنفاده في الصور؛ إنه عشق يُعاش، لكن الكتابة عن المكان الذي نحبّه لا تكتمل بالحبّ وحده. تحتاج إلى الفهم والنقد والتوثيق والإصغاء لاختلاف التجارب، والاعتراف بما أُنجز وما وُوجه من صعوبات وبما لا يزال ينتظر الإنصاف.
بهذا المعنى لن تكون فم زكيد مجرد موضوع للكتابة، بل شخصية محورية في حكاية اجتماعية وتاريخية مفتوحة. صوت الكاتب بما يحمله من ذاكرة وانتماء مدخل إلى البحث لا بديل عنه.
فالمقصود ليس أن نجعلها جميلة في أعين الآخرين فحسب، بل أن نكشف كيف صنع أهلها إمكان العيش في مجال صعب، وكيف أسهم هذا المجال في تشكيل ملامحهم، وما الذي تغيّر في علاقتهم به، وما الذي يستحقّ اليوم أن يُصان ويُستعاد ويُنصف ويُوثَّق.
الإنصاف لا يبدأ بالثناء على المكان، بل بفهم الإنسان الذي عاش فيه والجهد الذي بذله والمعرفة التي راكمها والتحوّلات التي اجتازها والذاكرة التي تركها أمانة للأجيال القادمة.
المكان الذي نحبّه لا نفيه حقّه بأن نروي جماله وحده؛ بل بأن نكتب تاريخه بقدر ما تسمح به الشواهد، ونصغي إلى سكانه بتعدّد أصواتهم، ونحوّل ذاكرته من حنين فردي إلى معرفة مشتركة، ومن انتماء وجداني إلى مساءلة مسؤولة للواقع وآفاق الإنصاف.
وهكذا تصبح فم زكيد أكثر من مكان نستعيده بالكلمات: تصبح سؤالًا عن الإنسان، وعن الذاكرة حين تواجه النسيان، وعن التنمية حين تُختبر في حياة الناس، وعن العدالة المجالية حين تنتقل من لغة الوعود إلى واقع الحقوق والفرص.

_____
* الدكتور شَنْفَار عَبْدُ اللَّه
مفكّر مغربي، له إسهامات فكريّة ومقالات تحليليّة ترصد التحوّلات المجتمعيّة وتقدّم قراءات نقديّة للتحديات الراهنة في المغرب والعالم العربي والإسلامي.
– من أبرز مؤلفاته:
1. الإدارة المغربية ومتطلبات التنمية (2000).
2. الفاعلون المحليّون والسياسات العموميّة المحليّة (2015).
3. الفاعلون في السياسات العموميّة الترابيّة (2020).
4. النظام الاجتماعي القبليّ وأثر التربية الصوفيّة فيه- كتاب التصوف والعمران الروحي.. كتاب جماعي.





