قراءة في كتاب: “مجتمع البيظان…” للكاتب الصحراوي المحجوب السالك،.

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*لخضر لكراد- هولندا

 

 

يحاول الكتاب أن يلقي الضوء على تاريخ هذه المجموعة الثقافية وأهم التحولات الثقافية والسياسية التي واكبت وجودها في الإطار الجغرافي من جنوب المغرب إلى موريتانيا.

يركز الكاتب على منطق “الثورة” والتمرد، إذ لا أوافقه في الكثير مما سرد فنجد مجموعة من مقتطفات من أرشيف المدعو الفرى محمد محمود، ومقتطفات من كتاب المخطار ولد حامدون حول قبائل موريتانيا. وقع الكاتب أيضا في خطيئة القبلية والتي يظهر أنها عشعشت في دماغه ورسختها سنوات الإعتقال والتعذيب وسوء معاملة الجلادين من البوليساريو في سجن الرشيد الرهيب.

ويتجاهل الكاتب عمدا وثائق المراسلات والبيعة بين شيوخ الصحراء وسلاطين المغرب وتواجد فخذات وعائلات من القبائل الصحراوية في وسط وشمال المغرب منهم مولاي عبد السلام بن مشيش جد اركيبات الصحراويين ومحمد العروسي جد العروسيين ببوجدور، قبرهما بشمال المملكة وكذا أولاد تدرارين الذين أغلبيتهم بمراكش.
إن كل متتبع كتابيا وإعلاميا للصراع المفتعل بالصحراء يقف عند حقائق عديدة وكأنه يعيش بين قيادات البوليساريو بفكرهم وطريقة إدارتهم للأزمة وكأنه يعيش بين ظهرانيهم العيون بعواطف إخواننا الصحراويين بمفردات الحرب الباردة ك”الثورة والتحرير”.

إن المتتبع لحادثة الكركارات يلاحظ الدفع بأمهات احتجز البوليساريو أطفالهن بالمخيمات وشيوخ تركوا عوائلهم بها كرهائن حتى لا يتمكنوا من العودة إلى ذويهم، ففرقهم الفكر الدوغماتي أحيانا والبراغماتي النفعي أحيانا أخرى.
إن المؤلف يحكي عن تاريخ امة البيظان من عهد المرابطين.. وبعد ذلك اصبح شاهدا يحكي عن ما عاشه من أحداث حول آخر تطورات النزاع في الصحراء من 1970الى 2015. كتاب فيه حقائق وأحداث رهيبة تؤكد ما سمعته من جنود مغاربة كانوا محتجزين بالمخيمات، ذاقوا العذاب والويلات وبذلك شهد شاهد من أهل قيادة البوليساريو -المحجوب السالك- فيعد مرجعا لمنظمات حقوق الإنسان عن الإنتهاكات والتجويع والمسؤولية المباشرة للمخابرات الجزائرية تسييرا وتمويلا.
أذكر هنا كمثل لا الحسر، تمويل الجزائر لمؤتمر الجامعة الفلاحية بنيوخين الهولندية قبل 5 سنوات ب100 ألف دولار حضره الماويون والشيوعيون واليساريون المتطرفون والشعبويون..
إن الكاتب يفند عدم استقلالية البوليساريو ويتهم قيادتها بالدوغماتية والفكر الواحد، من ترهيب وتكديس للأموال والتصفية وعذابات سجن الرشيد الرهيب والإختفاء القسري.
وجاء في الصفحة 55 من الجزء الثاني أن البوليساريو عذبت مواطنا صحراويا بقطع أنفه بسبب مجرد ظن أو وشاية كاذبة وارتكبت في حقه جريمة بشعة نكراء دون إجراء محاكمة له أو تحريات للتأكد من الاتهامات الموجهة له، وهنا كان على الكاتب أن يتضامن معه من الناحية الإنسانية ويدين مثل هذه الأفعال حتى لا تتكرر، وأيضا ضرورة المطالبة بمحاكمة من ارتكبوا مثل هذه الأفعال.

لا يفوتني أن أنقل لكم فقرة هامة وخطيرة من كتاب “مجتمع البيضان” لمؤلفه المحجوب السالك:

“لم تعد قيادتنا بعد سنة 1991 تعرف ما عدا الحركية، وهي عملية تغيير بيادق القيادة بين مراكز السلطة: الوزراء والمدراء إلى آخر. أو الطوارئ. ولكن لا الحركية ولا الطوارئ إستطاعت إيجاد حل للوضع المتأزم : النظام فقد هيبته، والمؤسسات بدأت تتضاءل، والكثير من الأفراد إلتفت إلى نفسه وبدأ في التجارة، زيادة على التهريب، وسرقة ممتلكات الشعب من طرف أعضاء القيادة الذين يخولون لأنفسهم حق التصرف في الممتلكات العامة من دون حق، حيث بدأ البعض منهم بتكديس الأموال تحسبا للمستقبل. والضحية الوحيدة كالعادة هو الشعب… والرئيس الذي وجد نفسه ضعيفا أمام هذا الوضع يترك المشاكل للأيام كي تحلها، ولكنها تزداد تراكما مع مرور الأيام . فاصبحت الثورة! لابد لها من ثورة أخرى، او تغيير جذري لهذه القيادة المتعفنة.. وإلا فالنتيجة هي الإندثار..”

ويضيف الكاتب: “فبإسم مطلب سيطرة التنظيم، سيطرت القيادة، وتحت شعار الديمقراطية المركزية، ديمقراطية التنظيم، إستطاعت القيادة أن تملك نواصي الأمور.. هكذا ساد نظام يتسم بالجمود. رفضته مجموعة من المناضلين الأوائل، كنت من بينهم، تم وضعهم على الهامش، أو تصفيتهم أو إتهامهم بالإندساس وتعرضهم للإختفاء القسري في دهاليز سجن الرشيد الرهيب… إن هذه السيطرة لمجموعة قليلة من الأفراد على السلطة في الثورة أدى إلى ظهور رأي داخل التنظيم، لكنه رأي محسوس دون أن تكون له القدرة على فرض إرادته. أصبح الراي عنوانا في كل التقارير الأمنية والسياسية والتنظيمية… هذا الرأي هو شيء يشبه القلق والتذمر في دوائر التنظيم. لكن القرار يبقى في النهاية بيد القيادة، والقيادة مصرة على التمسك بالقمة، وليس هناك سبيل إلى تغييرها إلا بالموت أو المؤامرة.. فالملفت للنظر أن قيادتنا هي مجموعة أفراد لم تتغير منذ أكثرمن تسع وثلاثين سنة.. وإن تبدلت فرتوش للتجميل ليس إلا.. فكل واحد من القيادة له خيمة في المخيم. ولكن المسؤولية لها مسكن رسمي في الربوني مكيف الهواء.. وبيت راق في التندوف او غيرها من مدن الجوار، المسؤولية لها سائق، وطباخ وحاشية، المسؤولية لها سيارات وتليفونات وتيليفيزيونات ملونة وفيديو وبارابوليك وإنتيرنيت وخدم… المسؤولية لها دوشات ساخنة وتشرب الشاي على ماء أسعيدة او بئر لعواتك. المسؤولية لها طعام فاخر ومقاعد في مدارس بالخارج. المسؤولية لها تسهيلات لجوازات السفر والفيزا ومبالغ من العملة الصعبة. وزيارات للعلاج واستجمام بالخارج..” حسانيات
للتعبير عن الواقع المزري الذي يعيشه المحتجزون في المخيمات تحت تسلط البوليساريو، نظم سيداتي ولد الزبير شعرا تمرديا وهو من الذين عاشوا تلك المعاناة عن قرب:

**77 الحراسة، و79أتروغونا، بالمدرب والكرواسا، وأمدغتونا وأدفلتونا، بالتوجيه وبالدراسة، ومن عينيكم طيحتونا، وبينا عدلتو لبلاصا، وفيكم ما رينا مرونا، وجهد الخلق ألهون أتماصا،
شردتوهم شور أعدونا، ولعب الورقة والكراسة، كلت عنكم وتبوسونا، هذا كامل وبخلاص، توبو لله وخلونا..**
وقال كذلك:
**اللي كامل جابر لودا فالربوني صالح همو ما يبغي للناس العودة.. وتم أحذاه أبني عمو.

وأضاف ولد الزبير كذلك:
أربع قرن من الحرارة والمآسي والشرارة
والنسخْ وذوق المرارة هذا ذقناه فالحمادا
والتدريبات ولغارا فاروايا كانت مفادا
وكتن عادت لستفادا والتنمية والتجارا
والدعم الدائم يتمادا والطيوطا والجرارا

أما الشاعر أباه ولد لعبيد رحمه الله، فقال عن معاناة المغرر بهم كذلك:

شاف الرايس عقل دهشان من لَعْمال اللُ مخزية وشاف السرقة لطوان من هلال الجمهورية
وُ شاف المواطنين اتْكري الوتات الشخصية..

أختم بالتنبيه لنهاية سياسات الحرب الباردة والشعارات الشعبوية وانتهاء عصر العيش والمتاجرة بهموم ومعاناة إخواننا الصحراويين. ليحز في نفسنا أن نرى في الإعلام إخوان لنا بالمخيمات يعيشون ظروفا حياتية قاسية تفتقر لأبسط حقوق الإنسان. فلنمقت الشعارات والعناد ولنوجه بوصلتنا لمنطق “لا رابح ولاخاسر” بالحكم الذاتي وهو أعرق الديموقراطيات. فبالحوار والتواصل واليد في اليد تحل المشاكل لسد الطريق على المنتفعين من مأسي الإنسانية.. والسلام يبدأ بخطوة: التحية ثم كلام فموعد فلقاء فمشاورات فهد وجزر فتوافقات فاتفاق.. إن الحوار فن ولا يتقنه إلا الفنانون!!

*إعلامي مستقل. رئيس مؤسسة B4PEACE للسلم والتعايش

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا

شاهد أيضا