قيم ومبادئ أم فقط مصالح

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*بقلم: أحمد براو

 

 

البحث عن المصالح لا يبرر التخلي عن المبادئ والقيم والأخلاق والأعراف، لأنه لما تضيع القيم وتقتل المبادئ وتنتهك الأعراف حينها يطغى كل شر، فيسود الكذب وتكثر الخيانات ويزيد الفساد ويعم النفاق، فإذا كان للكل الحرية في تحرى المنفعة الخاصة فلا يجب أن تكون على حساب المصالح العامة ذلك لأن الصفات الخبيثة هي من عموم البلوى التي تحدث عند ضياع القيم المبادئ بحيث تتفشى في العامة وفي الجماعة والمجتمع وتؤثر على تناسقه و تماسكه عند ذلك يصبح المنكر معروفا والمعروف غريبا، ويستهان بالحق وتمرر الرذيلة وتقبل الدناءة، بل يصبح لها تجارة مروجة وذوق مستساغ ومنظر مألوف وما يزيد الطين بلة، هو عندما يتقدم في تدعيم هذه الرذائل والقبائح والدعوة إليها أكابر القوم والمحسوبون على صناع القرار وأهل المناصب المخولون بتسيير الشؤون العامة، بذلك تكثر المعاول الهدامة ويكون لها تجييش وتشجيع. كل ذلك يحدث لما يتخلى المجتمع عن قيمه الراسخة ومبادئه الثابتة وأخلاقه الفاضلة بدعوى المصالح الآنية والبراغماتية وفلسفة الذرائع والضرورات.

– القيم والمبادئ

تعرّف القيم بأنها مجموعة من الإلتزامات الأخلاقية المستخلصة مما هو مقبول حسب الفطرة الإنسانية السليمة، ولأن القيم الإنسانية بكافة أنواعها تؤثر على حياة البشر فقد حظيت باهتمام واسع على مر العصور، وتندرج القيم الإنسانية ضمن الحاجات الاجتماعية للإنسان، حيث يكتسبها بطبيعته وطريقة تربيته، فالأسرة والمجتمع وغيرها من العوامل تؤثر على قدرة الفرد على تطوير القيم الخاصة به.
أما المبادئ فماهي إلا الأسس التي تبنى عليها الأفكار والأقوال والأفعال للفرد والمجتمع وهي مجموعة القواعد والضوابط الأخلاقية والمعتقدات التي يميّز به الصواب من الخطأ، فالتزام الصدق يعتبر من المبادئ الشخصية التي تضبط أقوال الفرد وأفعاله، وللمجتمع أيضاً مبادؤه الجماعية التي يقرّ بأهميتها، ويحتكم إليها، في بيان مشروعية أفعال الأشخاص من عدمها، حيث تعتبر دائرة المبادئ أوسع من دائرة السلطة والدولة والقانون.

أمثلة عن المبدأ الوفاء، العدل، الحرية، الصدق، الإيمان..
بشكل عام يمكننا التعرف على الفرق بين القيم والمبادئ من خلال التعريفات السابقة وفي كلمة واحدة يمكننا القول أن المبادئ مستحيل أن تتغير ولا يمكن أن يتغير إلا وفق اتفاق عام على ذلك ، أما القيم فأنها متغيرة بطبيعتها.

المبادئ يمكن أن نعرفها على أنها هي الشيء الثابت الذي لا يمكن المناقشة أو الجدال فيه لأنه أصبح راسخ في داخل كل الأفراد على اختلاف مجتمعاتهم مثل المبادئ العلمية ، فالجاذبية الأرضية مبدأ علميّ ، وتثبت صحة ذلك كلما سقط شيء على الأرض فأنه لا يطير وإنما يسقط ، ولكن بالنظر إلى القيم فأننا نجد أنها متغيرة من مجتمع إلى أخر ، كما أنها يمكن أن تتغير في المجتمع الواحد نتيجة إلى تغيير الأحداث والأحوال في المجتمع ، والحقيقة أن هذه القيم ربما تتغير من شخص إلى آخر حسب معتقداته ومبادئه التي هي الأساس لكل قيمة من القيم وهي عدة انواع؛ قيم فردية وأخلاقية ومهنية ومجتعية ووطنية وروحية..

– المصالح والمنافع

وأما المصالح فأمرها سهل نسبيا، فهى تتناول كل ما يعود على الشخص من فائدة أو ما يدفع عنه ضررا. فمصلحة الفرد هى ما يحققه من المكاسب أو ما يتجنبه من الخسائر. وبطبيعة الحال، فإن صاحب الحكم فى تقدير الكسب أو الخسارة هو مصدر القرار، فهو يعرف ما يعتبره نفعا له أو ما يسبب له ألما. وهكذا فإن إخضاع سلوك الأفراد لمنطق المصلحة هو تعبير عن غريزة حب البقاء. فبقاء الفرد أو الجماعة رهن بتوفير احتياجاتهم المادية والمعنوية، بزيادة الإمكانيات المتاحة لهم ودفع الأضرار التى يتعرضون لها. وهكذا يستند باعث “المصلحة” إلى نوع من الغريزة الطبيعية لكل الأحياء فى حب البقاء. وربما الفرق الوحيد هو أن الإنسان لا يتصرف بشكل غريزى وإنما باختيار إرادى، لتحقيق أكبر قدر من المصلحة.

فالإنسان بسبب قدرته الفائقة على التطور وتطوير البيئة المحيطة به، يواجه ظروفا متغيرة وجديدة، ولذلك فإن عليه أن يقرر ما هو نافع له وما هو ضار، وهو أمر متغير بحسب الظروف.

التساؤل هنا عن العلاقة بين هذه المصالح والمبادئ وما إذا كان هناك تكامل أو على العكس تناقض بين الأمرين. فهل المصالح والمبادئ والقيم هى أمور متعارضة بالضرورة،
أم أنها فى الحقيقة عناصر متكاملة؟

فلا يستقيم مجتمع ما لا تسود فيه صفات الصدق والأمانة والشفقة واحترام الضعيف وغيرها من القيم الإنسانية. فهذه قيم مطلوبة لاستمرار الجماعة وتماسكها وقدرتها على النمو والتطور. – ولك أن تتصور مجتمعا يسوده الكذب وعدم الإخلاص مع غلبة للقسوة وغير ذلك من الصفات الذميمة. فهذا مجتمع غير قابل للحياة أو للاستمرار -. فإذا لم يكن الفرد مطمئنا على حياته أو كان غير واثق من صدق وعود الآخرين، فإن حياته تصبح جحيما لا يطاق ولا تستقيم أعماله.

والحقيقة أن المبادئ أو القيم ليست سوى حصيلة تجربة هائلة للمجتمعات التى اكتشفت أنها بحاجة إلى مجموعة من القواعد لضمان استقرارها وتقدمها وتطورها. فالصدق أساس لقيام علاقات مستقرة وناجحة بين الأفراد، فى حين أن الكذب والخداع يعنى انعدام الثقة وبالتالى استحالة التعاون بين الأفراد، وبذلك يعيش كل فرد حياة منعزلة بعيدا عن الآخرين. وحياة العزلة غير ممكنة، وهى تعريض الفرد للمخاطر التى لا يمكن تجنبها إلا بالتعاون مع الآخرين. وهكذا جاء ظهور الحياة البشرية واستمرارها وتطورها رهنا بوجود الجماعة، الأمر الذى تطلب مجموعة من القواعد والقوانين التى تضمن سلامة العلاقات الفردية والاطمئنان إليها والاستناد عليها. فمجتمع بلا قواعد للسلوك أمر غير متصور عقلا. وهكذا يتضح أن القيم و المبادئ، هى فى نهاية الأمر قواعد لحماية المصالح الجماعية التى نشأت لتحقيق مصالح للأفراد وإن بشكل غير مباشر، فالقيم والمبادئ هى حصن المصالح العامة.
طبيعى جداً أن يكون هناك صراع داخل النفوس بين المبادئ والاحتفاظ بها والمصالح، وقد يجد بعض الناس عائقاً بينه وبين تحقيق مصالحه من وجهة نظره القاصرة، لذا يجد نفسه حتماً سيرضخ ويتخلى عن المبادئ والقيم.. المصالح قد نشبهها بسحابة الصيف التى تذهب وتتلاشى سريعاً بعد انقضائها؛ لأن أصحابها يسعون إلى تحقيق أغراضهم الشخصية والخاصة بهم على حساب المبادئ والقيم والأخلاق الفاضلة، فهؤلاء قد يضربون بالمصالح العامة والمصالح العليا عرض الحائط. وهناك من يظن أن هذا الزمن زمن المصالح مما قد يبدد شخصيته ويطمس هويته الاجتماعية سعياً وراء السراب الذى يحسبه الظمآن ماءً وسرعان ما يتبدد.

فلا أرى أي إشكال بين المحافظة عن القيم وأن لك تبحث عن مصالحك، ولكن بشرط أن لا تتعارض مع قيم الإنسان ومبادئه النبيلة.

*وسيط ثقافي وجمعوي، باحث في جامعة كالابريا

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...