الطبع و التطبّع لمن الغلبة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ذ أحمد براو

 

 

تختلف الآراء حول من يتغلب على الآخر الطبع أوالتطبع؟ فالطبع هو ما تفرضه الطبيعة والبيئة على الأشخاص وقد يتشابه فيها عدة أشخاص كالأسرة الواحدة أو القوم أو ثقافة البلد، وقد تكون هذه الطباع حميدة كالكرم والإحسان والعفو والحميمية وقد تكون طباع سيئة كالقسوة والغضب والجفاء والقطيعة ويمكن أن نسميها أيضا صفات وخُلق وشمائل وأما التطبع فهو عملية اكتساب شخص أو أشخاص طباع وأخلاق دون ما جبل عليه هو وقومه وبيئته. تطبَّعَ تَطبُّعًا، تطبَّع بأخلاق والده أي اكتسبها وتخلّق بها “تطبعّت الفتاةُ بطابع الحياء”.

– قصة مثل أم فرية.

أما قصة المثل “الطبع يغلب التطبع” فيحكى عن أحد الملوك في قديم الزمان ، كان يتساءل دائمًا، هل الطبع يغلب التطبع أم العكس؟ وكان له وزير حكيم يؤكد له دائماً أن الطبع يغلب التطبع، ولكن في قرارة نفس الملك -الذي كان فضوليا- يتمنى وجود شخص يثبت له العكس،
فأعلن في البلاد أن ينادي المنادي بين العباد، أن الملك سوف يمنح مكافأة مجزية وكبيرة لأي شخص يثبت بالدليل أن التطبع يغلب الطبع.

وفي أحد الأيام تقدم رجل للملك، وقال له أن لديه الدليل على أن التطبع يغلب، ودليله أن لدية مجموعة من القطط تقف على قدميها وهي تحمل الشموع، عندما يمر الملك من أمامها، وهذا أكبر دليل على أن التطبع يغلب الطبع فأمر الملك الرجل، بإحضار القطط في اليوم التالي ووعده بالجائزة.
وفي اليوم الموعود وأثناء مرور الملك ، كانت القطط موجودة وواقفة على رجليها وحاملة للشموع، وهي الحالة التي وصفها الرجل، فقال الملك لوزيره : هل رأيت أن التطبع يغلب الطبع!؟
فتقدم الوزير من أحد الخدم من حاشية الملك، وأمره أن يجمع عدداً من الفئران، ويطلقها أثناء مرور الملك، وفي اليوم التالي عند مرور الملك من أمام تلك القطط الحاملة للشموع، وإذ بالفئران تنطلق ، فلما رأتها القطط، ألقت بالشموع وأسرعت تجري وراء الفئران وتطاردها، فنظر الوزير للملك وقاله له : ما رأيك يا جلالة الملك فيما ترى الآن ؟ فأجابه الملك وهو حزين : نعم، لقد غلبتني فالطبع يغلب التطبع. وتلك الإجابة أصبحت مثلاً يتم تداوله بين الناس حتى وقتنا الحالي، في المواقف الذي يظهر فيها أي إنسان مخادع ومتصنع يريد بذلك التغطية على حقيقته ولكن مع مرور الوقت وعند الإمتحان والإبتلاء يظهر على حقيقته. والعكس صحيح عندما يُنتظر من شخص كريم وشهم وذو أخلاق عالية أن يبادل الإساءة بالحسنى وهذه طباع أرقى البشر عندما يحلُموا عند المقدرة أي يتحلون بصفة الحِلم والعفو وهم قادرون على الإنتقام لأنفسهم.

– قصة الأعرابي مع النبي صل الله عليه وسلم

ولكم قصة الأعرابي الّذي أراد قتل الرسول صلى الله عليه وسلّم.

فعن جابر ابن عبد الله رضي الله عنه ، أنه غزا مع النبي صلى الله عليه وسلم قِبَلَ نجد في وقت صائف ، فلما قفل قفلوا معه صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغوا مكانا أو واديا كثير الشجر فتفرقوا يستظلون بظل الشجر وتركوا له شجرة ظليلة، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم تحتها فنام، فجاءه أعرابي وهو نائم فاخترق عليه سيفه، استله ثم أصلته من غمده وشهَرَهُ ووضعه على عنقه فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له الأعرابي يا محمد : من يمنعك مني ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:” الله، الله، الله ، فارتجفت يداه وسقط السيف من يده، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال : و أنت الآن من يمنعك مني ؟ فقال : يا محمد كن خير آخذٍ ، يعني إن كنت أنا أسأت فكن كما عهدناك أنت المحسن الذي يؤاخذ بالإحسان، فقال تشهد ألا إلاه إلا الله أني رسول الله، وهذا دأبه صلى الله عليه وسلم أن يحرص على هداية جميع الخلق وفي جميع الأحوال، ولكن هذا المشرك رفض أن يسلم وعاهده ألا يقاتله وألا يكون مع قوم يقاتلونه. فعفى عنه صلى الله عليه وسلم ونادى أصحابه حتى اجتمعوا فقال : إن هذا جاءني وأنا نائم، فاستل عليّ سيفي فاستيقظت، فإذا هو بيده صلتا فقال: من يمنعك مني ؟ فقلت : الله ، ثلاثا ، فارتعشت يداه أو قال فاضطربت ، فوقع السيف فقلت له : من يمنعك مني ؟ فقال : كن خير آخذ . فخلاّه صلى الله عليه وسلم ،ولم يعاقبه.

ويروى أيضا أن هذا الرجل رجع إلى قومه فسئلوه عن هذا النبي لأنهم عرفوا عند خروجه أنه مر بالقرب منهم هو وأصحابه. فقال : والله لقد جئتكم من عند خير الناس، والله لقد جئتكم من عند خير الناس ، وأخبرهم بقصته وما كان بعد ذلك يظاهر أحد على رسول الله صلى الله عليه وسلم لِما رأى آياته وحُسنِ خلقه، وهناك أيضا مواقف مشابهة مثل ذلك الأعرابي الذي جبذه من ردائه حتى أثرت في صفحة عاتقه الشريف ورفع صوته مطالبا بمال الله فالتفت إليه النبي (ص) وتبسم في وجهه وأمر له بعطاء، فهنا طبائع النبي عليه الصلاة والسلام في الحلم والعفو عند المقدرة كانت لها الغلبة، فنادرا ما تجد من يتصرف بهذه الصفة ويعفو عمن كان يريد قتله، ويكرم من يؤذيه ويسبه.

– أنواع البشر واستجابتهم للتغيير.

فهل صحيح أن الطباع لا تتغير ولا تتبدل وأن من شبّ على شيء شاب عليه وأن الخُلق بضم الخاء كالخَلق بفتحها لا يقبل التبديل والتغيير أم أن هناك استثناء؟ وخصوصا من جانب شرعنا الحنيف الذي جاء بالتزكية والتربية والتهذيب لهذه الأخلاق والصفات، للتحلي والتزين بها وهل يمكن أن يغير أو يحسّن الإنسان خلقه “أنا زعيم ببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خلقه” كما جاء في الحديث دليل على القدرة على تحسين الأخلاق وتغييرها.

فالناس في قبول التغيير مراتب كما ذكر الإمام الغزالي رحمه الله أن الناس في قبول اكتساب الآداب النبيلة والصفات الكريمة أربع أنواع: الجاهل والضال والفاسق والشرير.

الأول: هو الإنسان الغافل أي الجاهل الذي لا يعرف الحق من الباطل والجميل من القبيح، فيبقى خاليا عن الاعتقاد وخاليا أيضا عن تقوية شهواته باتباع اللذات، فهذا أقرب إلى زرع الأخلاق الحميدة فيه لا يحتاج إلا إلى تعليم مرشد وترشيد معلم، وإلى باعث من نفسه يحمله على الاتباع فيحسن خلقه في أقرب وقت.
الثاني: هو الإنسان الضال الذي يكون قد عرف قبح القبيح ولكنه لم يتعود العمل الصالح بل زين له شر عمله أن يتعاطاه انقيادا لشهواته وإعراضا عن صواب رأيه، فأمره أصعب من الأول إذ تضاعفت علته وتركبت، فعليه وظيفتان: إحداهما قلع ما رسخ فيه من كثرة التعود على الفساد، والأخرى صرف النفس عن ضده؛ بمعنى تخلية نفسه أولا من الرذائل وتحليتها ثانيا بالفضائل.
الثالث: وهو الإنسان الفاسق الذي يعتقد الأخلاق القبيحة من وجهة الشرع أنها الواجبة والمستحبة والمحمودة وأنها الحق الذي يجب أن يربي المرء نفسه وأهله عليها، فهذا يكاد تمتنع معالجته ولا يرجى صلاحه إلا على النذور، إذ تضاعفت عليه أسباب الضلال، ومن ثم فصاحبها يحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت ليستقيم حاله.
الرابع: هو الإنسان الشرير أي هو الذي يكون مع وقوع نشوءه على الاعتقاد الفاسد وتربيته على العمل به يرى فضله في كثرة الشر وهلاك النفوس، ويتباهى به ويظن أن ذلك يرفع من قدره، وهذا أصعب المراتب.” اه

فالأخلاق النبيلة إن لم تكن بالطبع والجبلة فهي قابلة لأن تصبح كذلك بالتعلم والعادة والتكلف الإختياري فقد جاء في الأثر” إنما العلم بالتعلم والحلم بالتحلم” وهذا يحتاج للرياضة والتمرين ومرافقة وصحبة أهل الصفات لممارستها تدريجيا، بهذا تتقوى الفضيلة وتسمو الأخلاق بالتزكية والتهذيب والنشوء والكمال كما ينبت الزرع ويكتمل عندما يسقى بالماء.

وللتخلص من الطباع السلببة فلابد من وضع خطة سلوكية تعين على ذلك من خلال الوعي بماهِيَّة العادة أو العادات السيئة التي تحتاج إلى تغيير، والوعي بمَدَى تأثيرها السلبي وعلى العلاقات الشخصية، وعلى حياة الشخص والآخَرين، والأسباب التي تعمل على تحريك تلك العادة في نفسكِ، ومتى؟ وهذا الوعي يتضمن أيضا كتابة قائمة بالعادات السيِّئة التي ترغبِ في تغييرها؛ (كالتخلُّص من الغضب والتعصب، الكسل، التدخين… إلخ). والعمل على معالجتها ومخالفتها شيئا فشيئا، قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: الإيمان يبدو في القلب نكتة بيضاء كلما ازداد الإيمان ازداد ذلك البياض فإذا استكمل العبد الإيمان ابيض القلب كله، وإن النفاق يبدو في القلب نكتة سوداء كلما ازداد النفاق ازداد ذلك السواد، فإذا استكمل العبد النفاق اسود القلب كله.

– الطبع لا يغلب التطبع إلا نادرا.

فإذا كانت الصفات تتعالج والطباع تتغير والأخلاق تتهذب وفهذا دليل على خطأ المقولة أن “الطبع يغلب التطبّع” ولَمَا كان للبعثة النبوية أن تحتوي من بين مقاصدها التزكية “يزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة” ولما كان من شروط النصرة والمنعة هو التغيير، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” فقد كان العرب قبل الإسلام وهم غلاظ القلوب يئدون البنات ويشربون الخمور ويرتكبون الفواحش ولما جاء الإسلام تطبّعوا بصبغته واتصفوا بصفات المؤمنين وأضحت قلوبهم لينة، وتركوا كل ما كان قبيحا، بل أصبحوا هم من ينشرون هذه التعاليم ويدعون الناس للمعروف وينهون عن المنكر وينصرون الضعيف ويحملون الكَلّ ويكسبون المدعوم ويعينون على نوائب الحق كما كان سيد الخلق. والذى يدعي أن الطبع يغلب التطبّع فهذا ممكن ولكن فقط ممن ليس له النية في التغيير ومن لا يريد تحمل المسؤولية في تغليب ما وجب عليه.

صحيح أن النفس وما جبلت عليه، وأنها تستأنس بما اعتادت عليه من الشهوات والشبهات وقد تعود لعاداتها القديمة رغم أنها حاولت بالمجاهدة أن تتحسن للأفضل تتحول للأسمى وهذا لا يعني أنها تبوء دائما إلى السوء، بل فقط عند الضعف البشري والإنهزام الشهواني أمام التحديات والعقبات الكؤود ولذلك شُرع لنا التوبة والأوبة، والمراجعة والتقييم، والمراقبة واقتحام العقبة.

* ناشط جمعوي و باحث في علوم التربية بجامعة كالابريا.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...