عائشة بلحاج
صحافية وشاعرة مغربية.
فازت رواية فيليب جانادا “مجهولة رصيف جافيل” بجائزة غونكور بعد ترقّبٍ كبير، ساهم فيه الجدلُ الذي رافق الجائزة منذ إعلان قائمتها الطويلة التي ضمّت رواية الكندي الهايتي تيليسون أوريليان “هذا أو الموت”، وأُقصيت منها بسبب علاقة مشبوهة مع الذكاء الاصطناعي إلى جانب اتهامات سابقة بالانتحال. وأثارت رواية جانادا مزيداً من النقاش في الموضوع، لأن الذكاء، المذموم في الأدب، حضر ولو بشكل علني ومحدود في الرواية الفائزة.
يمكن التعامل مع النتيجة باعتبار أنها رسالة من أكاديمية غونكور تُفتي فيها بما يجوز وما لا يجوز في استعمال الذكاء الاصطناعي في الأدب. وكان رئيسُها فيليب كلوديل قد تحدّث عقب “فضيحة أوريليان” عن احتمال تعديل نظام الجائزة، لضمان تكريم أعمالٍ كتبها البشر، لا نصوص مولّدة آلياً بشكل كلي أو جزئي. فلماذا منحت الأكاديمية الجائزة لـ”مجهولة رصيف جافيل” إذاً؟ الفتوى المستخلصة تقول إن الكاتب أعلن استعانته بالذكاء الاصطناعي، ونسب الكلام إلى أصحابه: الأخوين العبقريين كلود وتشات جي بي تي.
وسط الحيرة التي تلُّف رؤوس الكتّاب والقراء معاً أمام دخول الآلة إلى حديقة الإنسان الأدبية، والجدل الذي تثيره روايات استعانت بالذكاء الاصطناعي، والذي أدّى، في بعض الحالات، إلى استبعادها من الجوائز ووصم أصحابها، يمنح فيليب جانادا صوتاً للذكاء، صحيح أنه فعل في الضوء وأمام الشهود، لكن الآلة هنا حاضرة وتتحدّث وتناقش. فالآلة ليست “حراماً مطلقاً” في الأدب، كما أوشكنا أن نعتقد، بسبب الاستعمال “المتغابي” للذكاء، ويبدو أنه يمكن للآلة أن يكون لها حضورٌ أدبي، إذا استحضرناها بشكل شرعي وزُفَّت أمام الشهود.
الروائي الذي دخل من باب غونكور إلى المجد الأدبي أقر في مقابلة مع إذاعة “فرانس إنتر” بأن أحد أوجه استخدامه الذكاء الاصطناعي تمثل في استعانته بـChatGPT وClaude خلال بحثه في وفاة بطلة الرواية لويز كانسو، التي قُتلت سنة 1949. وقال إنه “لا يمكننا التصرف كما لو أن الذكاء الاصطناعي غير موجود”، وأنه علينا الاعتراف به، وترويضه، وألا نسمح له بأن يحل محلنا. وطرح مقارنة مع السينما: هل يخفي المخرج استخدامه المؤثرات الخاصة؟
وفي استخدام آخر للذكاء الاصطناعي، تعامل جانادا مع الموضوع بطرافة، إذ وَضع في الرواية جملة كتبها الذكاء الاصطناعي، للعب مع القارئ، ولم يفصح عنها إلا لأعضاء لجنة تحكيم الجائزة، مضيفاً بذلك لغزاً آخر لقرّاء روايته.
ومقابل الكتّاب الذين جُرجروا بتهمة الاستعانة به في الكتابة، هناك كتّاب جعلوا منه جزءاً من أعمالهم مع التصريح بذلك، ولم يكن هنا الذكاء الاصطناعي مجرّد وسيط، بل كان حاضراً في العمل، ولو على شكل صوت يحاور الشخصيات البشرية، كما فعل جانادا في روايته.
هذا ما فعلته الروائية اليابانية ري كودان عام 2024، إذ تتحاور بطلتها مع روبوت محادثة، واستعانت بـChatGPT في الحوار لتستعير صوت الآلة مع إبقاء البناء الأدبي بيدها. وأوضحت أن المادة المنقولة كانت إجابات “الروبوت” داخل الرواية، لا جهدها الأدبي، لتفوز الرواية بجائزة أكوتاغاوا اليابانية.
وعادت ري كودان في السنة التالية (2025) لتقدّم عملاً آخر هو “مطر الظلال”، لكنها طلبت فيه من الذكاء الاصطناعي إنتاج معظم النص، بينما تولّت هي جزءاً صغيراً منه. وذهبت بذلك أبعد، إذ نقلت السؤال من إدخال الآلة في العمل إلى تفويض الآلة بإنتاج العمل. لكن من المهم الإشارة إلى أنه نصٌّ قصيرٌ من نحو أربعة آلاف حرف ياباني، وليس رواية طويلة. وقد كُتب نحو 95% منه بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بينما حدّدت كودان اتجاه العمل وكتبت جملتي البداية والنهاية، وأدارت حواراً مطولاً مع الأداة.
إذاً، لا تطارد الجوائز العالمية الذكاء المذموم مطاردة الساحرات، ولا يبدو أنها تحرّم حضوره في الأدب تحريماً مطلقاً، حتى حين يشارك في الكتابة، ولا يكتفي بأن يكون صوتاً داخل الرواية. لكن الشفافية، وإن كانت شرطاً مهماً، لا تكفي وحدها لتحديد القيمة الأدبية أو حدود التأليف. فهل أصبحت الجوائز الأدبية تفصل بين الاستخدام المشروع وغير المشروع للذكاء الاصطناعي، أم أن هذه الحدود قيد التفاوض؟
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن آراء كاتبها ولا تمثل بالضرورة التوجه التحريري لجريدة إيطاليا تلغراف





